الفرقان في تفسير القرآن تأليف الاستاذ محمد خير الدرع

الفرقان في تفسير القرآن الفرقان في تفسير القرآن تأليف الاستاذ محمد خير الدرع . في تقديمه يقول الناشر: هذا التفسير شقيق سيرة (نبي الإسلام) التي صدرت قبله، وهو متفرَدٌ بين أقرانه بعدد من النقاط : 1- بسهولة أسلوبه ورصانة شروحه لفحاوي القرآن بدون اختصارِ مخِلّ أو أطناب مِمّل، أو إغفالٍ للمشتَبهات. 2- فسَّر الآيات متتابعةً بسورها، حرصاً على التبرابط بينها واستبعاداً للتجزئة التي تلبّس الكثير من المضمون. 3- ذكَر كلّ ما صحّ من أسباب نزولها، لتكون عوناً على تصوّرها الواقعي المساير للأحداث. 4- بيّن ما يغمِّضها من المشكلات النحوية واللغويّة التي لابدَّ من كشفها لتمام المعرفة. 5- نوّه بالآيات المتعرضة للكشوف العلمية وفصّل ما يتناول منها قضايا اللاهوت والتاريخ والغيب. 6- قرَنِ كلّ آية تفسَّر بما يوافقها من آياتٍ أخرى موافقةٍ لموضوعها زيادةً في التبيين. 7- بسَط الأحكام الفقهيّة المستنبطة، والاتجاهات الثقافية المختلفة في محالّها المناسبة. 8- صحَح بالحجج والبراهين المفاهيم الخاطئة لبعض الآيات التي أُخرجت عن مقاصدها لسبب ما. 9- لم يترك أمراً من مهمّات الدنيا والآخرة التي تناولها القرآن إلا وفّاه حقه من الإيضاح. 10- فهو تفسيرٌ غير تقليديِّ أُلّف بعناية وتمحيص كي يكون مع صغر حجمه كافياً لفهم كتاب الله بيسرٍ وثبات. من التفسير الجديد نقتبس تفسير سورة النبأ : {عَمَّ} - مؤلّفة - من حرف الجرّ عن المدغم بما الاستفهاميّة مع حذف ألفها - أي عن أيّ شيءٍ {يَتَساءلُون} يسأل بعضُ أهل مكّة بعضاً؟ ويجيب سبحانه عن استفهامه التفخيميّ بقوله: {عنِ النَّبَأ} الخبر {العَظْيمِ} الذي سُمّيت السّورة به وهو القرآن المتحدّث عن البعث {الذي هم فيه مختلفُونَ} فالمؤمنون منهم يصدّقونه والكفرة يكذّبونه، ولخطورته أوحي للنبي أن يقول لهم في سورة ص: هو نبأ عظيمٌ أنتم عنه معرضون.. {كَلاّ} لا يتساءلوا ولا يختلفوا في حديثه عنه فـ{سَيَعْلَمُون} أي المكذّبون عاقبة إنكارهم إيّاه، {ثمَّ كلا سَيْعلَمُون} تأكيدٌ للزجر والوعيد. ثمّ أشار تعالى إلى براهين قدرته على إنجازه فقال بأسلوب الاستفهام التقريريّ: {ألَمْ نجْعَلِ الأرضَ مهاداً} أي ممهَّدةً كالفِراش لتسهيل العيش فوقها {والجِبالَ أوتاداً} أي كالأوتاد لتثبيتها كتثبيت الخيمة بأوتادها كي لا تضطرب بدورانها، وفي سورة الأنبياء: وجعلنا في الأرض رواسَي أن تميد بهم.. {وخَلَقْناكُمْ أزْواجاً} ذكوراً وإناثاً لاستمرار تناسلكم بالتناكح، {وجعَلْنا النّهارَ مَعاشاً} زماناً لالتماس عيشكم، وفي سورة الفُرقان: هو الذي جعل لكمُ الليلِ لِباساً والنوم سُباتاً وجعل النهار نشوراً.. {وبَنَيْنا} وأنشأنا {فَوقَكُمْ سَبْعاً} نعني سبع سماواتٍ {شداداً} جمع شديدة أي قويّة محكمة كالبناء المتقَن، وفي سورة غافر: الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسّماء بناءً.. {وجَعَلْنا} فيها {سِراجاً وَهّاجاً} مصباحاً وقاداً، نعني الشمس التي تشبهه في الإنارة والتلهّ لتدفئكم وتضيء لكم. {وأنْزَلْنا من المُعْصِرات} السّحب التي تعتصر بالمطر {ماءً ثجاجاً} هطّالاً؛ {لنُخْرِجَ بهِ حَبّاً} كالقمح وغيره {ونباتاً} مختلف الأنواع والأشكال {وجَنَاتٍ ألفافاً} أي وبساتين تلتف بعض أشجارها ببعض. {إنْ يومَ الفَصْلِ} القيامة التي يُفصل فيها بين الخلائق لتسوية مظالمهم وتمييز مؤمنيهم عن كافريهم {كانَ مِيقاتاً} وقْتاً معيَّناً للحساب والجزاء. {يومَ} بدل من سابقه {يُنْفَخُ في الصُّورِ} قرن الملاك إسرافيل النفخة الثانية للبعث بعد نفخة الصّعق بمدة {فتأتُونَ} من مقابركم إلى موقف الحشر {أفواجاً} فرقاً مختلفة حيثما كنتم من الأرض. {وفُتِحَتِ السماءُ} - عبّر بالماضي عن حكاية حالٍ في المستقبل للتأكد - أي وتُفتح {فكانتْ أبواباً} أي فتصير ذات شقوق كالأبواب لتنزل الملائكة بمهماتهم المختلفة. {وسُيِّرَتِ الجِبالُ} أي وتُزال من أماكنها متناثرةً فوق الأرض حتّى تستوي معها، {فكانتْ} أي فتكون في تلاشيها {سَراباً} مثْل السّراب الذي يبدو كالماء في وهج الصحراء. {إنّ جَهَنَّمَ كانَتْ} بمعنى ستكون حينئذٍ {مرصاداً} طريقاً راصداً، أي راقباً {للطّاغِينَ} للباغين {مآباً} مرجعاً يحصرهم فيصلونها {لابِثينَ} مقيمين {فيها أحقاباً} دهوراً مديدة {لا يَذُقُون} لا يخيرون {فيها بَرْداً} يطفئ لهيبهم {ولا شراباً} يروي ظمأهم. {إلاّ} لكن يذوقون {حَمِيْماً} ماءً حارّاً {وغَسّاقاً} وماء بارداً منتناً، وقد جُزوا بذلك {جَزاءً وِفاقاً} موافقاً لجرمهم فلا ذنب أقبح من الطغيان ولا عقاب أوجع من النيران. {إنَّهمْ كانوا} في الدنيا {لا يَرْجُون} لا يخافون {حِساباً} عند ربّهم لإنكارهم البعث الذي هو سببيله، {وكذَّبُوا بآياتنا} القرآنية {كِذاباً} أي تكذيباً. {وكُلّ شيءٍ} من أقوالهم وأفعالهم {أحْصَيْناهُ} عددناه فكتبناه {كِتاباً} مصدر بمعنى كتابةً في سجلّ ملائكتنا الحافظين؛ ليشهد عليهم عند محاسبتهم. ثمّ يجازون بما يستحقّونه، ويقال لهم عند تعذيبهم: {فذُوْقُوا} عقابكم {فلَنْ نزيْدكم إلا عذاباً} فوق عذابٍ. = ولقد أومأ سبحانه إلى ذلك التعذيب في آياتٍ شتى بصورٍ فيها الترهيب لنفوس عباده والتقريب لعقولهم، وجعله بشكل أساسيّ في نار جهنّم التي تقشعر الأبدان لتخيّل ما يعانيه داخلوها من صنوف الإيلام الجسديّ والنفسي. فهم إلى جانب ما يقاسونه من التحريق فيها مقيّدون ذليلون كما ينبئ قوله تعالى في سورة الإنسان: إنّا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً.. فتنفّسهم من الريح الشديدة الحرارة وظلّهم الدخان الأسود كما في سورة الواقعة: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال؟ في سَمومٍ وحميم وظِلٍّ من يحمومٍ لا باردٍ ولا كريمٍ.. وطعامهم الزقّوم الذي يغلي في البطون كغلي الحميم كما في سورة الدخان. فعذابهم لا حدود لأشكاله وفق قوله تعالى في سورة الزخرف: إنّ المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يُفتَّر عنهم وهم فيه مبلِسون... ولذا قال في سورة النساء: كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.. = وفي المقابل قال: {إنَّ للْمُتَّقِيْنِ} أي للمتوقين عقاب ربّهم بطاعته {مفازاً} مكان فوزٍ في الجنّة: {حدائقَ وأعناباً} بساتين وكروم عنّب {وكواعبَ} أي وجواري تكعّبت ثديهنّ لرشاقتهنّ {أتراباً} أي في سنٍّ واحدة هنّ الحُور العين اللاتي قال تعالى عنهنّ في سورة الواقعة: إنّا أنشأناهنّ إنشاء فجلعناهن أبكاراً عُرُباً أتراباً... {وكأساً دهاقاً} أي وكؤوساً مترعةً من الخمور المتميّزة التي استفاض الحديث عنها في سورة الإنسان، فـ{لا يسْمَعُون فيها} نعني الجنّة عند الشرب من خمورها في مجالسهم {لغْواً} كلاماً باطلاً {ولا كذّاباً} تكذيباً من بعضٍ لبعضٍ مثل ما يجري في مجالس خمر الدنيا المذهِبة للعقل المذيبة للشخصيّة. وقد جُوزوا بهذا لطاعاتهم {جزاءً مِنْ ربك} يا محمد، أُعطوه {عطاءً حساباً} كافياً = ولقد وصف البارئ تلك الجنّة وما فيها من صنوف النعيم بأسلوب فيه الكثير من الترغيب والتقريب لمألوفات البشر، إذ أومأ لِما فيها من أطايب الطعام والشراب والنساء في سور الطور والرحمان والإنسان وللأشجار الظليلة والعيون الجارية القصور العالية في عدة آيات منها قوله في سورة يس: إنّ أصحاب الجنّة اليوم في شُغُلٍ فاكهون هم وأزواجهم - زوجاتهم - في ظِلالِ على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهةٌ ولهمك ما يدَّعُون سلامٌ قولاً من ربٍّ رحيم.. وبالاختصار لهم فيها كلّ ما يرغبونه وأكثر منه وفق قوله تعالى في سورة ق: لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد.. - {رَبِّ} بدل من سابقه أي مالك {السّماواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما} من كائناتٍ مختلفةٍ {الرّحْمانِ} ذي الرحمة، {لا يَمْلكُون} أي الخلائق {مِنْهُ} في موقف العَرْض للحساب {خِطاباً} أي لا يستطيعون مخاطبته لتهيّبهم إيّاه. {يومَ} متعلّق بفعل لا يملكون {يقُومُ الرُّوحُ} اسمٌ لجبريل الذي خُصّ بالذكر لكرامته عند الله {والملائكةُ} الآخرون معه {صَفّاً} أي مصطفّين لاستقباله سبحانه، فـ{لا يتَكَلّمُون} في الشفاعة لأحَدٍ {إلا من أذِنَ لَهُ الرَحْمانُ} بالتكلّم بها {وقالَ} قولاً صواباً فيمن يشفع له؛ ولذا قال في سورة النجم: وكم من ملَكٍ في السّماوات لا تُغني شفاعتهم شيئاً إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.. فـ{ذلك اليومُ} المتحدَّث عنه {الحقُّ} الثابت وقوعه كما ذُكر في سورة المُرسلات، {فمن شاءَ اتَّخَذَ} له في الدنيا {إلى رَبِّه مآباً} مرجعاً مقبولاً في الآخرة بعبادته وطاعته وفق توصيته في سورة الحشر بقوله: يا أيّها الذين آمنوا اتَّقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ.. و{إنّا أنذرناكمْ} أي حذّرناكم يا معشر الكفّار {عذاباً قريباً} منكم في القيامة الآزقة {يومَ} متعلِّق عذاباً {ينظُرُ المرءُ} كلّ امرئٍ عند محاسبته فيها {ما قدّمتْ يداهُ} أي ما اكتسب في الدنيا من حسناتٍ وسيّئات - وخصّ اليدين بالذكر لمزاولة أكثر الأعمال بهما - فيراه مسجّلاً في صحف أعماله ليشهد له أو عليه وفق قوله تعالى في سورة الكهف: ووجدوا ما عمِلوا حاضراً.. {وَيقُولُ الكافِرُ} عندئذٍ على سبيل التمنّي وقد عاين مصيره ورأى البهائم تتحول بأمر بارئها إلى ترابٍ بعد الاقتصاص من بعضها لبعضٍ: {يا لَيْتني كنتُ تُراباً} مثلها فلا أعاقب بنار جهنّم.

إضافة تعليق

6 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.