الفساد في الوطن العربي.. من آفة إلى ثقافة

ما أن يبدأ أحدهم بفتح موضوع الفساد على مستوىً عربيّ، حتّى يبدأ حديثٌ متسلسل لا تنتهي فصوله وتداعياته إلّا بانفضاض الجلسة والجلاّس من حوله. وأصبح الفساد ظاهرة تتصدّر عناوينها التظاهرات الشعبيّة في المدن العربيّة المُطالِبة بالعدالة الاجتماعية ووقف السرقة المنظَّمة والهدر النّظامي. ولا تكاد تأتي حكومةٌ عربيّة جديدة، تقريباً، إلّا ويكون على رأس برنامجها محارَبة الفساد واسئصال شأفته، ولكن في النتيجة لا حياة لمَن تُنادي.
حديث الفساد هذا لا يقتصر على دولة عربية دون أخرى، بل يشمل الأغلب الأعمّ من هذه الدول، مع اختلاف درجات الفساد ومستوياته وحجمه بين دولة وأخرى. ويجتهد البعض، وهو قليل، بتبرير الفساد بأنّه ظاهرة عالمية موجودة على مستوى كلّ الدول، المتقدّمة منها والنامية، وبهذا يتساوى الجميع بحسب هذا التبرير غير المنطقي، على الرّغم من صحّة زعمه في الإطار العامّ، لكنّ ظاهرة الفساد وانتشارها أفقياً وعمودياً، هي "مسألة نسبية" أيضاً؛ فالفساد في الدول المتقدّمة هو في أدنى مستوياته المئوية، وهو لا يطاول المجتمع كلّه، وإنّما يقتصر على بعض الجهات النافذة فيه، فضلاً عن مسؤولية سياسيّين واقتصاديّين كبار يتعاملون مع شركات وبنوك كبيرة ويبرمون صفقات مالية وعقارية وعقود إنشاءات كبرى داخلية وأخرى خارجية، بينما الفساد في الدول النامية أصبح شأناً يُمارَس من أعلى المستويات إلى أدناها، وفي كلّ مجالات الحياة تقريباً.
بالمقارنة بين العالمَين، المتقدّم والنامي، نجد أنّ الصحافة وهيئات المجتمع المدني والقضاء، تتابع أيّ قضيّة فساد مهما علا شأن صاحبها، ومهما كان حجم الفساد الذي ارتكبه، ما يؤدّي إلى استقالة مرتكبه أو محاكمته، بينما يقتصر الأمر في دولنا العربية على التستّر على الفاسدين. وفي حال فضحهم عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام، فغالباً ما يكون الضحايا هُم من المراتب الأدنى؛ وإذا طاول الأمر مسؤولاً من الدرجة الأولى، يُصار إلى عزله من دون محاكمته، لأنّ ذلك سيطيح برؤوس كبيرة مماثِلة له وربما أعلى منه، وهذا ما لا تتحمّله السلطات الحاكمة وزبانيّتها.
يُقال إنّ الفساد لم يكن مُنتشراً، بل كان شبه منعدم مع بداية استقلال الدول العربية ونشوئها، ويبرّرون ذلك بأنّ مجتمع ذلك الزمن، كانت لديه روادع أخلاقية واجتماعية ودينية تمنعه من مزاولة الرشوة والتلاعب بالمال العامّ. لكنّنا نعتقد أنّ ذلك هو الجانب الضيّق من الصورة، لأنّه في ذلك الزمن كانت الموازنات ضئيلة والمشاريع أضأل أيضاً، وكذلك فإنّ الجهاز الإداري كان محدوداً.. بمعنى آخر لم تكُن هناك إمكانيّات مالية هائلة ومشاريع متنوّعة وضخمه لكي يتمّ التلاعب بها. والمسؤولون في أيّ دولة، كانوا يُعدّون على رؤوس الأصابع، بينما العكس تماماً نراه اليوم، فالمشاريع الكبرى المستجدّة توسّعت وانتشرت في تلك الدول، وبات يُصرف عليها مليارات الدولارات كلّ عام.
الطفرة الاقتصادية في الدول العربية، وازدياد الأجهزة الإدارية وتضخّمها، وتداخل المسؤوليات في هذه البُنى الحكومية، أفضت كلّها إلى أكثر من نتيجة سلبية على المجتمع، وعلى الدولة نفسها التي فقدت مواردها المباشرة أو بالأحرى عجزت عن استثمارها علمياً ووطنياً؛ فغالبية الدول العربية اليوم ترزح تحت ثقل ديون خارجية تخضع فيها إلى شروط الدول المانِحة وابتزازها، وكذلك للبنوك الدولية التي تُسهِم هي في الفساد المُستشري، سواء عن طريق منحها أم كيفية استخدامها وصرفها، وهو ممرّ واسع للفساد، وبخاصّة على المستويات العليا. أمّا دخل الأفراد في تلك المجتمعات نسبةً إلى الدخل القومي أو الاحتياجات الفعلية للفرد، فهو في مستويات متدنيّة؛ ويتدنّى أكثر في حالة التضخّم التي تعاني منه غالبية دولنا العربية، بحيث تفقد العملة قيمتها الشرائية من دون وجود تعويض مناسب، ما يؤدّي إلى البطالة أو البطالة المقنّعة، أو الأعمال غير المُنتِجة كالسمسرة والبحث عن عمولة أيّاً كانت أو.. أو.. ممّا نشاهده يومياً في مجتمعاتنا من ظواهر وصلت إلى اضطّرار المواطن أن يقدِّم رشوة لأبسط معاملة قانونية يتقدّم بها؛ وترى الموظّف يفتعل أيّ شيء لكي يؤخّر إنجاز هذه المعاملة إذا لم يحصل على "جُعالتها" مسبّقاً، وصار المواطن يتقبّل معادلة الدفع هذه كجزء لا يتجزّأ من أصل تكلفة معاملته نفسها كي يتمّ إنجازها له في أسرع وقت.
مسألة الفساد الإداري طاولت سائر الإدارات، حتّى القضاء، الذي من المُفترَض أن يكون نزيهاً، إذ يعاني جسمه في بعض البلدان العربية من فسادٍ فاضح، ورشاوى مُعلَنة وأخرى مُستترة؛ وعلى الرّغم من أنّ الصحف العربية تطالعنا يومياً بأخبار الفساد على كلّ المستويات، إلّا أنّنا لا نعرف صدى هذه الأخبار ومدى تفاعل الدولة وأجهزتها الرقابية معها، والتي من المُفترَض أن تُعتبر إبلاغاً أو إخباراً للجهات القضائية المختصّة كي تتابعها وتلاحقها قانونياً.
عندما تزداد روائح الفساد بمختلف أشكاله ومستوياته، تخرج الدولة بعناوين باهرة لمكافحة هذه الظاهرة، منها تشكيل لجان حول الكسب غير المشروع أو ضرورة إعلان مَن يتولّون المسؤوليات العامّة عن تقديم بيانات بممتلكاتهم قبل تولّي المسؤولية أو أنّها تسنّ بعض القوانين الرادعة لمَن تثبت عليهم تهمة الفساد ومزاولته.
من حيث الظاهر، فإنّ ذلك يُعتبر جيّداً، لكنّه من حيث الواقع لم يؤدّ إلى نتائج إيجابية، ولم يحدّ البتّة من هذه الظاهرة، فالقول الشائع إنّه لكي تدفن أيّ قرار، شَكِّل له "لجنة".. وهكذا فمقبرة اللّجان هذه أصبحت مقابر من دون رثاء لموتاها أو شواهد لقبورها. وأمّا كشف الممتلكات، فيمكن التحايل عليه بأبسط السبل وأقلّ التكاليف، مستفيدين من الثغرات القانونية والمصرفية والعقارية في بلداننا التي لا تتمتّع بالشفافية اللّازمة والمطلوبة لكشف التزوير أو ما شابهه.
القوانين في البلدان العربية في غالبيّتها تحتاج إلى تعديل وتحديث، وبعضها عفا عليه الزمن بفعل التطوّرات الاجتماعية والاقتصادية، وحجم الإنفاق العامّ والخاصّ، ودخول القطاع الخاصّ إلى جانب القطاع العامّ في عملية التنمية والإنتاج.. كلّ ذلك جعل من هذه القوانين عاجزة عن ضبط الفاسدين وملاحقتهم، هُم الذين يعرفون كيف يستغلّون الثغرات القانونية لمصالحهم الشخصية، بحيث تضيع المسؤوليات، مثلاً، هنا أو هناك، ويتمّ التمويه على الأمور بلمح البصر، ما أدّى ويؤدّي في المحصّلة إلى بقاء ظاهرة الفساد والإفساد، بل توسّعها عمودياً وأفقياً دونما أيّ محاسبة تذكر أو مساءلة تظهر.
التهرّب الضريبي ومنح المشاريع بالتراضي وعقد الصفقات الكبرى، وبخاصّة مع الدول الخارجية وعقود الأسلحة والمنح الدولية وضريبة الدخل، وخصوصاً في القطاع الخاصّ، كلّها عناوين تستنزف سنوياً مليارات الدولارات من خزينة الدولة والمال العامّ. وإزاء ذلك، يختلط الحابل بالنابل، فيهرب المُرتكب ويُلقى القبض على الضحيّة، ناهيك بتجّار الأزمات والحروب وكلّها مناخات يزدهر فيها الفساد وينتعش.
هكذا، تمتلئ جيوب البعض وخزائنهم، فيما البعض الآخر يحصل على الفتات؛ والجميع في المحصّلة راضٍ، كما نرى و نقرأ ونسمع يومياً من دون أن يرفّ لنا ولغيرنا جفن، وذلك ما دمنا كمجتمعات لا نزال ننظر إلى الدولة على أنّها امتياز لوظيفة عامّة، وليست خدمة عامّة يتلقّى صاحبها أجراً مقابل ذلك، وبالتالي فإنّ مال الدولة في هذه الحالة "مال سايب" يمكن لأيّ كبير قادر أن ينهبه ويستولي عليه، مع حلفائه في المُحاصَصة طبعاً، ويتركون الباقي للصغار.
بهذا المعنى تمدّدت وانتشرت ثقافة الفساد وأصبحت عسيرة وصعبة؛حتّى أنّ الأجهزة الرقابية نفسها لم تعُد عاجزة عن إثبات فعاليّتها فقط، وإنّما هي أيضاً نخرها الفساد وتوسّعت أدواته وبطانته، وباتت تحتاج بدورها إلى رقابة فعليّة صارمة عليها.
باختصار، لا يمكن محاربة الفساد بالكلمات ولا بهكذا قوانين وإجراءات قائمة؛ فعلى المستوى الإداري، من الضرورة بمكان تخفيف الإجراءات الإدارية إلى أدنى مستوى، والتقليل من احتكاك المواطن بالموظّفين، وهذا لا يتمّ إلّا عن طريق "أتمتة" الأجهزة الإدارية. فالقوانين هي لتسهيل العمل وضبطه، وليس لتعقيده وتشتيته. والمراجعة الدائمة لكلّ قانون من قِبل المشرّعين، ضرورة لسدّ الثغرات وتيسير أعمال الناس.. ويجب العمل كذلك، وبالقانون، على إتاحة الحصول على المعلومات من أيّ مصدر كان، باستثناء المعلومات التي تُعتبر من أمن الوطن السرّية. وبهذا تستطيع الصحافة أو وسائل الإعلام أن تسهم كسلطة حقيقية في متابعة قضايا الفساد، وبخاصّة الكبرى منها، وملاحقة الفاسدين والتشهير بهم، فالصحافة العربية حتّى الآن تتحدّث عن الفساد في جهاز أو وزارة ما، بشكل عامّ ومن دون أن يكون لديها الوثائق، أو أن تسمّي أسماء المسؤولين عن الفساد.. وهكذا تضيع القضية في العموميات، وينجو الجناة بفعلتهم. ومن هنا فإنّ الإعلام وهيئات المجتمع المدني، هي التي تنوب عن المجتمع في الدفاع عن قضاياه ما دامت الأجهزة الرسمية عاجزة أو مقصّرة عن ذلك.
مهما يكُن من أمر، فإنّ تحديث القوانين وتبسيطها، وإطلاق حرّية الحصول على المعلومات، وتفعيل دَور الإعلام، ومشارَكة هيئات المجتمع المدني، وتفعيل عملها وأتمتة العمل الإداري، كلّها جزء من الحلّ لمكافَحة الفساد والتقليل من آثاره وانتشاره، ويمكن العمل به وتفعيله، ولكنّه لا يكفي. إنّها إجراءات سريعة، والحلّ لا يكون إلّا بإعادة تشكيل ثقافة اجتماعية جديدة حول الدولة ودورها، وحول علاقة الفرد بها، وبالمجتمع. وهذا بدوره يحتاج إلى دراسات معمّقة لإلغاء مفهوم الدولة "الريعية" من الفكر، ومن الممارسة على كلّ الأصعدة، والانتقال بالمجتمع إلى مفهوم الدولة الحديثة أو المدنيّة مع كلّ التفرّعات القانونية والسلوكية، وإلّا فإنّ ثقافة الفساد سوف تزداد رسوخاً واتّساعاً لا محالة.

إضافة تعليق