الفـرصـــة الضائـعـــة

معرضنا هذا العام وهو الذي أفنى خمسة وخمسين عاماً ليس فقط ابا المعارض العربية بل هو أيضاً عيدنا اللبناني، الكتاب بدون شك أهم نتاج لبناني ثم انه أبو المعارض العربية وإذا صحت الأرقام تبين ان زواره بعدد العائلات اللبنانية وان لبنان بأسره يجتمع فيه.
ونحن على القلة المتزايدة لجوامع اللبنانيين نتمسك بالمناسبات والمؤسسات الجامعة ويمضّنا أن نرى هذه تقل باستمرار أو تسحب ويخبو نورها، شهدت الأعوام الأخيرة ليس فقط إلحاح الانقسام على الجماعات اللبنانية ولكن أيضاً دمار المؤسسات الجامعة تحت وطأة الانقسام، في وسعنا أن نلاحظ انحسار بل خراب النقابات والأحزاب والصحافة والدولة إجمالاً، لقد تدمرت هذه واكتفت بأن لعبت لعبة الانقسام اللبناني وتورطت فيه. والآن نرى أن الانقسام هو تأسيسنا الوحيد منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً وأن ما سوى ذلك صار وجوده وقيمته رمزيين وما زال منذ ذلك الحين يكافح ليكتسب حق الوجود ولينجو بنفسه على أي وجه كانت هذه النجاة وإلى أي سبيل اتجهت. الحرص على المعرض من ضمن هذه المحاولة الصعبة للنجاة بلبنان ومن ضمن ذلك المسعى للإبقاء على رموزه المشتركة: الدولة والأحزاب والنقابات والصحافة والمعرض، لذلك فإننا لا نلقى شروطاً على المعرض، يكفينا منه أن يوجد وان يوجد كرمز جامع، ان يكون لبيروت وغير بيروت، للمنطقة الغربية ولغير المنطقة الغربية فمن المؤكد ان خسارة هذه الرموز أو شحوبها المتفاقم تدمير للذاكرة التي نحن الآن لا نجد غيرها ذخيرة لعودة لبنان بلداً ومجتمعاً ودولة.
عطل الربيع العربي حيث قام معارض راسخة في مصر وتونس واليمن وسوريا والبحرين، ومن الطبيعي في خضم هذا الحراك الذي اصطبغ بالدم والعنف ان تتوقف أسواق الكتب. انه توقف مؤقت فما هو إلا وقت وتعود أقوى وأفعل، وما هو إلا وقت وتحتشد الكتب التي تعالج هذا، الربيع وتبحث عن جذوره.
يكفينا المعرض غير اننا في ظرف لا يني يجوّف الأشياء ويتركها في النهاية خاوية مسطحة، اننا نخشى على المعرض وسواه، على الأحزاب والنقابات والصحف عليها جميعاً من ان تمتصها الجماعات، من ان تتورط في الانقسام الأهلي. تغدو الأحزاب عند ذاك تكتلات طوائفية، تنقسم النقابات إلى اتحادات تابعة، وتغدو الصحف ألسنة جماعات وتتحول الدولة إلى استقطابات متضاربة، فيكون لكل جماعة دولتها داخل الدولة وأمنها داخل الأمن وقوتها داخل السلطة ولن تكون حال المعرض شيئاً آخر، انه ابن منطقة ومن السهل ان يكون لمنطقته، وحين يصير كل واحد لمنطقته وجماعته فإن المعرض قد يغدو هو الآخر لجماعة ومنطقة. هذا بالطبع منطق الأمور وهذا مسارها الطبيعي وهذا أقرب إلى الواقع وأقرب إلى العادة واسهل ما يكون ان يتدرج إلى هذه الخلاصة أو ينتهي إليها، أما الصعب والشاق فهو أن يخرج عن هذا المسار وأن يكافح ضد المجرى وضد العادة والطبع وان يراوغ الواقع ويتصدى للمألوف، فيكون في منطقته بدون ان ينتمي إليها، ويكون في جماعة لكنه لا يمازجها ولا يندمج فيها، ويكون تحت سلطان ما لكنه لا يقره على غلبته وعلى هيمنته. ليس اشق من ذلك في الوضع اللبناني، وليس أصعب منه، وإذا شاء المعرض ان يكون كذلك فإن عليه ان يركب الصعب وان يتصدى للأقربين قبل الأباعد وان يأكل أحياناً من لحمه ويتصارع من نفسه. ذلك امتحان عسير بالطبع وهو أعسر حين يضيق الوضع ويتعمق الانقسام وتزداد الفرقة، لان ذلك يغدو صاحبه كلاحس المبرد وربما جوزي عليه أسوأ جزاء، وخرج منه صفر اليدين وخسر أمام الصديق قبل ان يخسر امام العدو. اننا نطلب عند ذاك عنتاً ونتطلب فوق الطاقة ونوصي بالتهلكة، حين تجمع الناس روابط الطائفة فإن من يبقون في الخارج ليسوا سوى أيتام، وليس ما نطلبه سوى البقاء في الخارج والتيتم في ظرف الناس فيه أبناء جماعاتهم ومن خرج عنها صار غريباً متروكاً.
هذا صحيح لكن للكتاب شروطه وللثقافة شروطها. ليس لمن تبع الكتاب ان يتبع أيّاً كان وليس لمن حكّم الفكر ان يحكّم في أمره شيخ عشيرة أو مذهب. وليس لمن كبر على ظرفه وبيئته ان ينصاع لهما. وليس لمن انفرد في موقفه ان تسوقه الجماعة. كلما طغت الجماعة واستبدت البيئة وضاقت الدوائر بالفرد غدا الانفراد أشق وأصعب وصار الفكر تضحية وصار الاستقلال بالرأي باهظ الثمن سيء العاقبة. غير ان الكتاب ولو كان في منطقة ووسط جماعة يظل دعوة للانفراد وللإستقلال وللخروج من تحت جناح الجماعة وهيمنتها. لكن ذلك ليس بدون شروط فهناك كتب وكتب، وهناك معرض ومعرض، وقد يكون الكتاب لسان جماعة وقد يستظل المعرض بها. معرض بيروت الدولي للكتاب يقع كل عام على حدود انقسام أهلي وعليه ان يجتهد وعلى أهله ان يجتهدوا لكيلا يمتصه الانقسام ويحتويه. كلما كان المعرض معرضاً لا بادرة أهلية وكلما يشبه بنفسه ولم يتشبه بمحيطه أمكن له ان يكون ما نريده منه، أن يكون معرضاً وأن يكون عيدا سنوياً للبنان وأن يكون للبنان لا لمنطقة وجماعة فذلك يتطلب أن يحقق، على نحو متزايد نفسه كمعرض. زادت هذا العام المشاركة العربية بنسبة 70% على ما يقول منظمو المعرض. ذلك وحده يردنا إلى التفكير بدور لبنان الثقافي العربي. ليس لبنان ناشر العرب عن لا شيء، ان لوجوده سببا ثقافياً ولمكانه في العالم العربي معنى ثقافياً، بمقدار ما يتحقق لبنان ثقافياً يتحقق كبلد وكدور وكمكان وكمستقبل. سكتت معارض عربية كثيرة بسبب الربيع العربي وليس على المعرض اللبناني ان يسكت. إن لبنان يستقبل هذا الربيع في معرضه ويواكبه في معرضه وفي صحافته وفي دور نشره وفي معرضه أيضاً. إذ ذاك نتساءل ونحن نقرأ برنامج المعرض عن مكان الربيع العربي من هذا البرنامج ونتساءل ألم يكن هذا الربيع مناسبة المعرض. أليس دور لبنان تجاه هذا الربيع مرتبطا بأمور قد يكون المعرض من أهمها، لماذا اذن يبدو المعرض غافلاً، ولو نسبيا عن هذا الربيع. لا تكفي ندوة، وقد لا تكون الندوة هي الأخير الأنسب. كان على المعرض ان يخترع ليواكب هذا الربيع، كان عليه أن يوظف إمكاناته كلها في هذا السبيل، لماذا لا نخترع مؤتمراً ثقافياً يضم مثقفين من شتى البلدان الثائرة، يأتون ليتكلموا عن تجاربهم في هذه الثورات، عن تفاصيل وزوايا ومعالم من هذه الثورات، مؤتمر لمثقفين وكتّاب من تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا والبحرين يحولون المعرض إلى احتفال عربي بالربيع العربي. كانت امام المعرض فرصة أن يكون تاريخياً فلماذا غفل عنها. مؤتمر للرواية العربية مهم بدون شك لكن أمامنا الآن مناسبة حية حاضرة تلابس يومياتنا ومعيشنا وحاضرنا ولم يكن صعباً أن يتحول المعرض إلى مهرجان لها. لم يكن صعباً أن يكون المعرض مواكبة حقيقية للربيع العربي ومشاركة ثقافية فيه. لم يكن ذلك مستحيلاً وكان بالطبع أقرب من أن يكون مناسبة لندوات حول كتب مختارة بدون دراية أو تدبير، أو أمسيات شعرية كما اتفق، مؤتمر الرواية إضافة فعلية لكنه لا يضم روائيين، حضورهم وحده يعطي حياة ونضارة للمؤتمر، مؤتمر للرواية كان أهم من ذلك، مؤتمر للروائيين اللبنانيين أو العرب فيتاح للقارئ الزائر للمعرض أن يلقي بكتاب عرفهم ويحاورهم ويسألهم ويتيح لهم أن يتعرفوا هكذا على جمهورهم وأن يسمعوا له. انه عام جديد وككل عام هناك من يقترح ومن يعترض ومن يثني. أما كان أفضل تأليف لجنة من كتّاب وناشرين تخطط للمعرض وتتابعه، انه اقتراح قديم نعيد طرحه، لجنة كل عام تسأل الكتّاب والناشرين وتستمع إليهم وتخترع لكل عام مؤتمره ونشاطاته، انه اقتراح قديم لكنه لم يغد قديماً بعد، ثمة كلام كثير قيل فمن يسمع؟
جريدة السفير

إضافة تعليق