الفلسفة الإلحادية (المادية) وتفكيك الإنسان - الجزء الثالث

تحولات المفكرين نحو الإيمان (1)

نقد النموذج المعرفي المادي عند المسيري (2-2)

ينتقد المسيري أسس الفلسفة المادية، معتبرا أنها تواجه عدة مشاكل رصدها في الأبعاد الآتية:

أولا- ادعاء الفلسفة المادية أنها ليست أيديولوجية وإنما علم طبيعي، وهذا يفترض أنها قد قامت بحصر كل المتغيرات المادية والموضوعية ورصدها في علاقاتها المتشعبة وأثبتت صحة مقولاتها، وهو أمر مستحيل علميا. كما أن الواجب العلمي-في نظر المسيري- يستوجب حصر كل المتغيرات والعناصر والأسباب وعلاقتها بعضها ببعض، مع إقرار غلبة ما على العناصر الأخرى ومنحه أسبقية سببية، على أن تتم هذه العملية كل مرة، وهذا أمر مستحيل من الناحية العلمية. وعلى ضوء ذلك يستنتج المسيري أن الفلسفة المادية تواجه الواقع مسلحة بميتافيريقا مادية غير واعية، فهي واعية أو تؤمن بوجود كليات وتعميمات تستند إلى الإيمان بوجود كل مادي ثابت متجاوز للأجزاء له هدف وغاية وبوجود عقل إنساني قادر على رصد كل هذا. ويؤكد المسيري أنها أطروحات نبيلة لكنها ميتافيزيقية، مشيرا إلى أن الثبات والتجاوز والهدف ليس من صفات المادة، ومقدرات العقل على التعميم والتجاوز من الصعب تفسيرها ماديا. وهذا ما أدركه نيتشه من البداية، حين بيّن أن الأنطولوجيا الغربية؛ حتى بعد موت الإله(1)  احتفظت بظلال الإله على هيئة هذا الإيمان بالكل المادي الثابت المتجاوز ذي الهدف، وحين نادى بإزالة ظلال الإله تماما والتخلي عن الميتافيزيقيا، التي تعني التخلي عن البحث عن الحقيقة ذاتها،ة فالحقيقة تستدعي الثبات والكلية(2).

ثانيا- إن العلم التجريبي محدود ولا يستطيع التعاطي مع كل أنواع الخبرات وجوانبها، فالطريقة التجريبية ذاتها تقريبية، وهي نتائج تنطبق المتوسط.

ثالثا- أدت نظرية الكوانتم ولا تتحدد هايزنبرج ونظرية النسبية إلى إضعاف قيمة الافترضات المادية مثل: الجبرية والسببية ومطلقية كون الفضاء والزمان...الخ، فقد ظهر أن ثمة وجودا لاماديا للطاقة الذرية هو الوجود الموجي. والتعامل مع ظاهرة الضوء أثبت أن الضوء يتصرف في مواضع تجريبية باعبتاره مكونا من جزيئات وحزم ضوئية(فوتونات)، وأنه في مواضع تجريبية أخرى يتصرف باعتباره مكونا من موجات.

لقد أسقط العلم الحديث تدريجيا فكرة السببية الصلبة القديمة، ولم يعد يطمح إلى معرفة الكون معرفة كاملة، كما كان يطمح علماء القرن التاسع عشر. حيث يشير المسيري إلى أنه بعد مئة عام من التجارب العلمية، اكتشف الإنسان أنه كلما اكتشف وسيطر على شيء ما ظهرت له آلاف الأشياء الجديدة التي لا يعرفها ولا يمكن السيطرة عليها(تجربة الذرة، حدود الحاسوب، الهندسة الوراثية، الثقوب السوداء في الكون...)(3).

رابعا- ادعت الفلسفة المادية، في البداية، أن المادي هو ما تدركه الحواس، وأن ما لا تدركه غير مادي، وبالتالي غير موجود. ولكن الذرات وجزيئاتها لا تُدرك بالحواس، وبعضها لا كتلة له، وحركة الذرة لا تتبع نمطا محددا، والثقوب السوداء تحطم قوانين الزمان والمكان. ومن ثم، أعيد تعريف المادي بأنه كل شيء يوجد وجودا موضوعيا؛ أي أنه الشيء الذي لا يعتمد في وجوده على عقلنا أو وعينا به.(وبهذا المعنى، فإن الفلسفة المادية لا يمكنها أن تستبعد العناصر غير المادية إن تجلت موضوعيا في واقعنا)(4).

خامسا- مسألة أزلية المادة أصبحت مسألة مشكوكا فيها علميا. فالمادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة، وقابليتها للتحول تعني أن بقاءها في هيئتها المعيَّنة كان معتمدا على ظروف خارجة عن ذاتها، فلما زالت تلك الظروف زالت تلك الهيئة. ومن ثم، يستنتج المسيري على أن المادة ليست معتمدة في وجودها على نفسها وبالتالي تستحيل أن تكون آلية، فكل ما يتحلل ويتحول فليس بأزلي غير حادث بل هو بالضرورة حادث.

سادسا- خلق العالم بالصدفة هو مجرد افتراض وتخمين وليس حقيقة علمية. حيث يشير المسيري إلى أن تكوين كائن كالإنسان من تلك الذرات بالمصادفة أكثر بعدا من احتمال قرد يخبط على آلة كاتبة فيخرج لنا بالمصادفة قصيدة رائعة. ولكي نصدق نظرية الخلق بالمصادفة، لا بد من الإيمان باحتمال أن يلقى إنسان أو قرد بالنرد ويحالفه الحظ ويأتي 6/6 ليس مرة واحدة ولا ألف مرة وإنما 44 ألف مرة متتالية. ويستمر دحض المسيري معبترا أن المصادفة وحدها لا تجدي في تفسير الخلق، فإن تكوين الكائنات من تلك الذرات الهائمة يعني أنها كانت مصممة بحيث أنها إذا اجتمعت بهذه الطريقة يتكون منها ماء، وهكذا؛ أي أن التصميم يسبق الصدفة. وفي ذلك يستند المسيري على مقولة علي عزت بيغوفتش قائلا:"إن تشارلز يوجين جاي، عالم الطبيعة السويسري، قد حاول أن يقوم بحساب احتمالية الخلق بالصدفة لجزيء واحد من البروتين، فوجد أن خلق مثل هذا الجزء يستغرق 34201 بليون سنة تحت ظروف 41015 اهتزازة في الثانية. وتبعا لذلك، لا يوجد إمكانية لأن تكون الحياة قد نشأت بالصدفة خلال 4,5 بليون سنة التي يُفترض أنها عمر الأرض. وقد أعاد هذا الحساب مانفريد إيجن من معهد ماكس بلانك لكيمياء الطبيعة الحيوية في جوتنجن بألمانيا فأثبت أن جميع المياه على كوكبنا ليست كافية لكي تنتج بطريق الصدفة جزئيا بروتينيا واحدا، حتى ولو كان الكون كله مليئا بمواد كيميائية تتحد بعضها مع بعض بصفة دائمة. فإن البلايين العشرة من السنين منذ نشأة الكون لم تكن كافية لإنتاج أي نوع من البروتين(5).

ينتقد المسيري من يرى أن المادة من خلال الصدفة وحدها قد أدّت إلى ظهور عناصر متجاوزة للمادة، مثل الإنسان والوعي والعقل والغائية، ففي نهاية الأمر ينسبون للمادة مقدرات غير مادية، ومن ثم فإنهم يكونون قد خرجوا عن مقاصد الفلسفة المادية. خصوصا وأن هذه الفرضية لا تخرج عن كونها تكهنات عنيدة طفولية تضمن لهم الاستمرار في ماديتهم البسيطة وتضمن لهم في الوقت ذاته تفسير ما حولهم من تركيب ووعي وغائية(6).

سابعا- إن التحدي الأكبر للفلسفة المادية هو ظاهرة الإنسان بكل ما فيها من أسرار وتركيبية، والتي أخفق العلم الطبيعي تماما في إدخالها في قفص السببية الصلبة المطلقة الحديدي.

إن أزمة المعنى المتواترة في الأدبيات الغربية، تتجلى في كون الإنسان الغربي في المجتمع الحديث قد يشعر بأن كل احتياجاته المادية تم الوفاء بها إلى درجة كاملة، فهو يحصل على الملبس والمأكل والمسكن وكل أشكال الترف، وعلى مستويات من المعيشة لم تتحقق في أي مجتمع إنساني من قبل. كما أنه يعيش في مجتمع يسود فيه القانون، وتحكمه المؤسسات التي تضبط كل تفاصيل حياته وتوفر له الراحة المادية الكاملة..ورغم كل هذا..يشعر هذا الإنسان أنه يفتقر إلى شيء ما أساسي، هذا الشيء هو المعنى الكلي النهائي لحياته. فرغم أن كل تطلعاته المادية قد تم إشباعها، إلا أن حياته تظل مجموعة من التفاصيل المتتالية المتناثرة التي لا قصد لها ولا هدف، ومن ثم لا معنى لها. وهنا تظهر أزمة المعنى، وهي أزمة تتم على المستويات الكلية والنهائية للوجود الإنساني، وليس على المستويات الاقتصادية أو السياسية؛ أي أنها أزمة الإنسان باعتباره إنسانا، وليس باعتباره منتجا أو مستهلكا...باعتباره إنسانا يشعر أن جزءا كبيرا من كيانه وإمكانياته لم تتحقق داخل المجتمع الغربي الحديث. ولذا، فإن حل هذه الأزمة لا بد أن يتم على مستويات غير مادية، وهو الأمر الذي لم تنجح فيه بعد المجتمعات الغربية(7) .

إنه "السعي من أجل المتعة والهرب من الألم"، فبهذه العبارة "الكليشة" حدد مبدأ الحياة الأساسي اثنان من كبار فلاسفة الفكر المادي هما "أبيقور" في الماضي، و"هولباخ" في العصر الحديث. ليست فقط حياة الإنسان، بل حياة الحيوان أيضا. فالمادية تؤكد دائما ما هو مشترك بين الحيوان والإنسان، بينما يؤكد الدين على ما يفرق بينهما...في محاولة المادية لتأكيد الطبيعة الحيوانية عند الإنسان تبدي اهتماما أكثر مما ينبغي(8).

وفي هذا الصدد يول بيغوفيتش:" لم يجعل داروين الإنسان حيوانا، ولكنه جعله واعيا بأصله الحيواني، وانطلاقا من هذا الوعي أخذ الآخرون يستنبطون النتائج المناسبة في الأخلاق والسياسة: المجتمع الإنساني قطيع في شكل متحضر، والحضارة هي يقظة الإنسان التي تنطلق مصحوبة برفض المحرمات، القوة فوق الطبيعة، الحياة بالإحساسات وليس بالروح(...) إن التطور- حيث أقام الوحدة أو الاستمرارية بين الحيوان والإنسان- قد أبطل الاختلاف بين الطبيعة والثقافة، وانطلاقا من وجهة نظر أخرى، نجد الدين يعيد إقامة هذا الاختلاف. ولذلك، فإنه انطلاقا من فعل الخلق الإلهي، يقف الإنسان والثقافة معه بصلابة ضد فكرة التطور التاريخي للإنسان برمتها. هنا يبدأ الانشقاق بين الثقافة والحضارة. فبينما يقول "كامو" إن الإنسان حيوان يرفض أن يكون كذلك، فإن "هوايتهيد" يرى في هذا الإنكار جوهر الموقف الديني... [كما] أن رفض هذا الموقف الحيواني، وهذه الرغبة السلبية التي لا يمكن تفسيرها بنظرية داروين أو النظريات العقلانية، هي الحقيقة القاطعة للحياة الإنسانية على هذا الكوكب. قد تكون نقمة للإنسان أو نعمة، ولكنها تبقى الخاصية الوحيدة التي تميز الإنسان"(9).

وإذا كانت العدمية والدين يمثلان إنكارا للمادية، ويشتركان في القلق البدائي، والنظر فيما وراء القبور، والبحث المجهد عن طريق خارج هذا العالم الذي أًصبح الإنسان فيه غريبا، فإن الفرق بينهما يكم في كون العدمية لا تجد طريقا للخلاص، بينما يذهب الدين إلى أنه وجد هذا الطريق، فإخفاق الحضارة المعاصرة البيّن في حل مشكلة السعادة الإنسانية بواسطة العلم والقوة والثروة-إذا فهم وتم الاعتراف به- سوف يكون له أقوى أثر نفسي على الجنس البشري. ومن ثم فأول فكرة يجب مراجعتها هي فكرة العلم الخاطئة عن الإنسان. فما دامت الحضارة عاجزة عن حل مشكلة السعادة الإنسانية فلا بد أن تكون فكرة الدين عن أصل الإنسان هي الفكرة الصحيحة وفكرة العلم هي الخاطئة وليس هناك اختيار ثالث(10).

إن العدمية ليست إنكارا للألوهية ولكنها احتجاج على غيابها، وكما هي عند "بٍكت(Beckett)" احتجاج على غياب الإنسان...هذا الموقف ينطوي على فكرة دينية لا فكرة علمية عن الإنسان والعالم، أما عبارة سارتر الشهيرة التي يصف فيها الإنسان بأنه عاطفة تافهة لا جدوى منها، فهي عبارة دينية بمنطقها وروحها معا، ففي المادية لا توجد عاطفة أو تفاهة، فلا يمكن أن يكون في العلم تفاهة لأنه لا يوجد فيه عاطفة(11).

وهكذا فشلت المادية بوصفها نموذجا معرفيا وفلسفة في تفسير إصرار الإنسان على أن يجد معنى للكون ومركزاً له. والحقيقة أنه حينما لا يجد هذا المعنى، فإنه لا يستمر في الإنتاج المادي مثل الحيوان الأعجم وإنما يتفسخ ويصبح عدمياً ويتعاطى المخدرات وينتحر ويرتكب الجرائم دون سبب مادي واضح. وتزداد قضية المعنى حدة مع ازدياد إشباع الجانب المادي في الإنسان، فكأن إنسانية الإنسان لصيقة بشيء آخر غير مادي. والبحث عن المعنى عبَّر عن نفسه على هيئة فنون وعـقائد(12). ولذا، فالنتيجة المنطقية للفلسفات العلمانية المادية الشاملة حينما تُطبَّق على الإنسان بصرامة هي تفكيكه ورده إلى القوانين الطبيعية/المادية والإحاطة به ككائن لا استقلال له عن النظام الطبيعي/المادي(13).

خاتمة:

إن القارئ لأعمال الفيلسوف المسيري يجد أنه دأب على نقد هذا التصور واعتباره أخطر انحراف تعرضت له البشرية في تاريخها حيث ذهبت في اتجاه تأليه الطبيعة وبعد ذلك تأليه الإنسان والآلة والتقنية في مسار حلولي. هذا التأليه الذي عبر عنه ألان تورين أحد أكبر المهاجمين للحداثة الغربية في كتابه "نقد الحداثة" بأنه في الغرب تم الاستغناء عن فكرة الذات وعن فكرة الله، فلم يعد المجتمع والتاريخ والحياة الفردية تخضع لكائن أعلى ينبغي أن يكون له الخضوع، بل الفرد أصبح لا يخضع لغير قوانين الطبيعة التي حلت محل الإله(14).

يعتبر المسيري العلمانية أي وحدة الوجود المادية والمرجعية المادية الكامنة، هي الإطار المعرفي النهائي للحضارة الغربية الحديثة، ويرى أن الرؤية العلمانية هي في واقع الأمر رؤية حلولية كمونية مادية لا تفصل الدين عن الدولة وحسب وإنما تعزل القيم المطلقة المعرفية والأخلاقية والإنسانية والدينية عن الدنيا، بحيث يصبح مركز الكون كامناً فيه ويُردُّ الواقع بأسره (الإنسان والطبيعة) إلى مستوى واحد، ويصبح كله مجرد مادة محضة نافعة نسبية لا قداسة لها تُوظَّف وتُسخَّر. والهدف من وجود الإنسان في الأرض هو زيادة معرفة قوانين الحركة والطبيعة البشرية والهيمنة عليها من خلال التقدم المستمر الذي لا ينتهي، ومن خلال تَراكُم المعرفة وسد كل الثغرات وقمع الآخر إلى أن يخضع كل شيء (الإنسان والطبيعة) لحكم العقل وقانون الأرقام (وهو قانون يستمد مشروعيته من المعارف العلمية المادية)، بحيث تَحوَّل الواقع بأسره (طبيعة وبشراً) إلى جزء متكامل عضوي تنتظمه شبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات المادية، فيخضع الواقع للواحدية المادية ويصبح أشبه ما يكون بالسوق والمصنع(15).

يُختَزل الإنسان في إطار المرجعية الكامنة ويرد إلى الطبيعة/المادة، ويصبح إنساناً طبيعياً (مادياً) غير قادر على تجاوز ذاته الطبيعية المادية، ولا يتجاوز الطبيعة/المادة بحيث يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية من قوانين وحتميات، وهذا ما يعني أن الإنسان يفقد إنسانيته المركبة وتُنزَع عنه القداسة تماماً. فبدلاً من مركزية الإنسان في الكون، تظهر مركزية الإنسان الأبيض في الكون وبدلاً من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض، وبدلاً من ثنائية الإنسان والطبيعة وأسبقية الأول على الثاني تظهر ثنائية الإنسان الأبيض من جهة، مقابل الطبيعة/المادة وبقية البشر الآخرين من جهة. ويصبح هم هذا الإنسان الأبيض هو غزو الطبيعة المادية والبشرية وحوسلتها وتوظيفها لحسابه واستغلالها بكل ما أوتي من إرادة وقوة، وهكذا تحوَّلت الإنسانية الهيومانية الغربية إلى إمبريالية(16).

وهكذا فالرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هي رؤية مرتبطة بعصر التحديث والحداثة والثنائية الصلبة والمرجعية الكامنة حيث جعل الإنسان الغربي من نفسه الأنا المقدَّسة ومركز الكمون والكون الذي يحق له إبادة الآخرين واستغلال العالم. ومع الستينيات، بدأت الرؤية العلمانية الإمبريالية تأخذ شكلاً جديداً في عصر ما بعد الحداثة والسيولة الشاملة وهي إنكار المركز تماماً وإعلان انتهاء التاريخ وانتهاء الإنسان واختفاء أية مرجعية، ومن ثم ظهر فكر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد، فجوهر الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هو تحويل البشر والعالم إلى مادة استعمالية نفعية.

إن المادية ترفض الغائية؛ أي أن للعالم غاية عليا، لتتلخص بذلك من مخاطر العبثية والتفاهة. عالم المادية وإنسانها لهما غايات عملية ولهما وظيفة...لتكن وظيفة حيوانية.. لا يهم. إن عبارة: الإنسان عاطفة لا جدوى منها أو عاطفة تافهة تتضمن فكرة أن الإنسان والعالم، ليس بينهما تناغم أو تطابق.. إن التفاهة عند سارتر والعدمية عند كامو تفترض البحث عن هدف ومعنى. وهو بحث يختلف عن البحث الديني في أنه ينتهي عندهما بالفشل، ولكنه يعتبر بحثا دينيا من حيث أنه يعني رفض الهدف الدنيوي للحياة الإنسانية أو رفض الوظيفة الدنيوية(17).

إن البحث عن الله بحث ديني، ولكن ليس كل بحث ينتهي باكتشاف. فالعدمية خيبة أمل ليس بسبب العالم والنظام، وإنما بسبب غياب الخير من العالم. فكل شيء تافه وعدمٌ إذا كان الإنسان يموت إلى الأبد. إن الفلسفة العدمية لا تتحدث مباشرة عن الدين، ولكنها تعبّر بوضوح عن الاعتقاد بأن الإنسان والعالم ليسا مصنوعين بالمعيار نفسه. إنها تعبر عن القلق بجميع درجاته وهو في العمق قلق ديني. عند العدمية وعند الدين الإنسان غريب في هذا العالم، ففي العدمية هو غريب بلا أمل، وأما في الدين فهناك أمل في الخلاص(18).

إن النقد الذي قدمه المسيري للتحيزات الكامنة في النموذج المعرفي المادي يعتبر محاولة رائدة في مجال اكتشاف مواضع التحيز ومنطقه، مع محاولة تأسيس نموذج تحيز إنساني مشترك(19). فقد حولت المرجعية المادية المنفعة واللذة إلى أهداف أساسية في الوجود الإنساني مما جعل النزعة الاستهلاكية سلوكا حتميا يجعل عجلة الاقتصاد تتسارع نحو مزيد من الاستهلاك، ففقدان النهايات الكلية (العلة الأولى للوجود) للمعرفة المادية وانغلاقها على المادة سيؤدي إلى مأساة الإنسان وتأزم القيم وفقدان المعنى وتفكك المرجعيات، ليدعو المسيري إلى أن "المطلوب هو حداثة جديدة تتبنى العلم والتكنولوجيا ولا تضرب بالقيم أو بالغائية الإنسانية عرض الحائط، حداثة تحيي العقل ولا تميت القلب، تنمي وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود، تعيش الحاضر دون أن تنكر التراث، أول خطوة نحو إنجاز هذه الحداثة البديلة هو فصل الحداثة عن الاستهلاكية وعن مفهوم التقدم المادي وربطها بمفهوم الطبيعة الإنسانية والإنسانية المشتركة وإعادة تحديد معدلات الاستهلاك في إطار تحقيق الإنسانية وضمن حاجيات البشر المادية والمعنوية"(20).


الهوامش:

1.      «موت الإله» مصطلح يعني أن القوة الخالقة للعالم المتجاوزة له قد اختفت وفَقَد الإله اسمه، وهو ما يعني الاختفاء الكامل للمرجعية المتجاوزة وظهور المرجعية الكامنة. عندئذ يُسمَّى المبدأ الواحد، مصدر وحدة العالم وتماسكه، «الطبيعة/المادة» أو التنويعات المختلفة عليه. وحين يتم ذلك تتحوَّل وحدة الوجود الروحية إلى وحدة وجود مادية. ونحن نُعبِّر عن هذا بقولنا إن الإله يحل في المادة ويتوحد بها ولا يصبح له وجود، فلحظة الوحدة الكاملة للوجود والواحدية المادية (اللحظة النماذجية العلمانية) هي أيضاَ لحظة فقدان الإله لتجاوزه واسمه، أي موته. ويصبح مركز الكون كامناً فيه، ويصبح الكون (الإنسان والطبيعة) مكوَّناً من مادة واحدة ويختفي الغرض والغاية تماماً ويموت الإنسان، أي يختفي كمقولة مستقلة عن النظام الطبيعي/المادي. وعبارة «موت الإله» عند نيتشه (صاحب العبارة) تعني غياب فكرة الكل التي تشكل أساس الأنطولوجيا الغربية. المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيوية، مرجع سابق.

2.      المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، مرجع سابق، ص25.

3.      المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، مرجع سابق، ص25.

4.      المسيري، نفسه، ص25.

5.      المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، مرجع سابق، ص26.

6.      الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، ص26-27.

7.      المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، الجزء الأول، مرجع سابق، مجلة النور الكويتية ومؤسسة بارفايا، الطبعة الأولى 1994، ص173.

8.      علي عزت بيغوفتش، الإسلام بين الشرق والغرب، مرجع سابق، ص80.

9.      علي عزت بيغوفتش، الإسلام بين الشرق والغرب، مرجع سابق، ص81.

10.  علي عزت بيغوفتش، نفسه، ص130.

11.  علي عزت بيغوفتش، الإسلام بين الشرق والغرب، مرجع سابق، ص130.

12.  المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق.

13.  المسيري، نفسه.

14.  إدريس مقبول، في نقد مسلمات الفلسفة الغربية عند الفيلسوف المسيري، مرجع سابق. ويمكن الرجوع إلى: ألان تورين: نقد الحداثة، ترجمة عقيل الشيخ حسين، مجلة المنطلق الجديد، ع108-109. 1994. ص 155.

15.  انظر عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق.

16.  أنظر عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، القاهرة، مكتبة الشـروق الدولية، 2006.

17.  علي عزت بيغوفتش، الإسلام بين الشرق والغرب، مرجع سابق، ص131.

18.  علي عزت بيغوفتش، نفسه،  ص131.

19.  أحمد ثابت، نقد النموذج المادي الغربي المعادي للتاريخ، مرجع سابق،  ص250.

20.  المسيري، رحلتي الفكرية، ص225.

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.