الفلسفة الإلحادية (المادية) وتفكيك الإنسان - الجزء الثاني

أما العلمنة الشاملة للنظرية الأخلاقية فتدور داخل إطار القانون الطبيعي المادي، الذي يوحّد الإنسان والطبيعة ولا يقبل أية مرجعية غير مادية متجاوزة. فإذا كانت الطبيعة تخلو من قيم مطلقة دينية أو إنسانية متجاوزة لقوانين الطبيعة، فإنه لا بد أن يكون الوضع كذلك بالنسبة للإنسان. ومن ثم، يظهر الإنسان الطبيعي الذي هو مجموعة من الدوافع البيولوجية التي تتحكم فيه. وإن بقيت قيم في عالمه، فمن المؤكد أنها ستكون قيما مادية عامة، مثل المنفعة والبقاء أو مثل الإشباع واللذة والتطور، وكلها قيم يمكن إخضاعها للقياس، وتتسم بأنها لا تتجاوز الكائن الطبيعي المادي وإنما كامنة فيه، ولا تشير إلى أي شيء خارج المحيط المادي(17) .
إن النموذج المعرفي الغربي يبدأ بوحدة الوجود وهي الخلاصة نفسها التي أكدها الباحث الأمريكي كرين برينتونCrane Brinton بعد تعقبه لأهم مميزات "الحركة العقلانية" يقول هذا الباحث:" وهكذا تنزع العقلانية إلى إسقاط كل ما هو خارق للطبيعة أو غيبي من الكون، وأبقت فقط على الطبيعي". فالنموذج المعرفي الغربي عند المسيري يبدأ بوحدة الوجود؛ أي أن المبدأ الواحد المنظم للكون (الإنسان والطبيعة) ليس مفارقا ولا متجاوزا له، وإنما كامن وحال فيه، هذه الفكرة تأخذ شكل متتالية تتحقق في الزمان، والفارق بين حلقاتها، أو المؤشر الذي يساعدنا على تمييز حلقة من المتتالية عن حلقة أخرى هو: موضع حلول المركز، وحسب موضع حلول هذا المركز يمكن أن نقدم المتتالية على الشكل التالي(18) :
1- الواحدية(19) الإنسانية (الهيومانية/ humanisme) ، وهي عند المسيري تتجاوز مرحلة، ما يسمى في تاريخ الفكر الأوربي، الحركة الإنسانية.
2- الواحدية الصلبة.
3- الواحدية السائلة.
وقد رسخت الفلسفة الداروينية عند المسيري أفكار الواحدية المادية، التي" تذهب إلى أن العالم إن هو إلا مادة واحدة صدر عنها كل شيء، مادة خالية من الغرض والهدف والغاية... فالعالم طبيعة، والطبيعة محايدة لا تعرف الخير أو الشر أو القبح أو الجمال"؛ وبهذا تتحول الظاهرة الإنسانية المركبة إلى مجرد شـيء، علـى الباحـث أن "يراقبه بتجرد كامل وحيادية وبرود شديدين"(20) .
هذه الرؤية عند المسيري، كانت " جزءا أساسيا من الرؤية الغربية [النموذج المعرفي الغربي]... منذ عصر النهضة"، لكنها كانت هامشية في البداية، ثم أخذت تزحف نحو المركز، ومع نهاية القرن التاسع عشر، يرى المسيري، أن هناك عناصر بدأت تظهر "جعلت الاستمرار في حالة الصلابة (...) أمرا مستحيلا"، فسقطت الطبيعة المادة، التي كانت موضع الحلول في الرؤية الثانية -النموذج (ب)، في قبضة الصيرورة، لتصل إلى مرحلة السيولة حيث يختفي المركز/ المبدأ الواحد (المطلق)سواء كان، إنسانيا أم طبيعيا، ويصبح " النسبي هو المطلق الوحيد"، ويغيب " في نهاية الأمر كل يقين"، وتتعدد " المراكز ويسقط كل شيء في قبضة الصيرورة الكاملة"(21) .
ثانيا- إخفاقات النموذج المعرفي المادي
تساوي الفلسفات المادية بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والأشياء، وتمحو هذه الثنائية، ولذا فهي تختزل الإنسان إلى عنصر مادي/ طبيعي واحد أو عنصرين، وترده على ما هو دونه، أي المستوى الطبيعي/ المادي، وتقوم بتشييئه، أي النظر إليه باعتباره شيئاً. ومن هنا تأكيد المسيري أن الفلسفة المادية ليست معادية للإله وحسب وإنما هي معادية أيضا للإنسان. وفي مقابل ذلك توجد فلسفات إنسانية ترفض أن ترد الإنسان على ما هو دونه وتؤكد استقلاله عن عالم الطبيعة/ المادة وثنائية الإنسان والطبيعي. ورغم الاختلاف الجوهري بين الرؤيتين، فإن كثيرا من مؤرخي الأفكار يخلطون بينهما(22) .
إن النموذج الذي يجعل الإنسان مركزا وكيانا حرا وقيمة مطلقة ثابتة ترمي إلى تحقيق غايات إنسانية، تؤكد أسبقية الإنسان على الطبيعة حريته ومقدرته على التجاوز، مختلف عن النموذج الذي يجعل الطبيعة/ المادة مركزا ولا يعترف إلا بالحركة المادية الدائمة وبالواحدية المادية الصارمة التي تتجاوز الغائية الإنسانية وتجعل الإنسان خاضعاً للحتميات المادية. وحتى يوضح المسيري ذلك بدقة رصد الفروق الجوهرية بين النموذجين وأدرج التضمينات الفلسفية لكلا النموذجين في الجدول التالي(23) من خلال دراسته المعنونة ب"من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان":

الإنسان    الطبيعة/المادة
1- ثنائية الطبيعة وما وراءها    1-الواحدية المادية
2-الحضارة والطبيعة    2-الطبيعة
3-ثنائية الإنسان والطبيعة    3-توحد الإنسان بالطبيعة
4-أسبقية الإنسان على الطبيعة/ المادة    4-أسبقية الطبيعة/ المادة على الإنسان
5- الإنسان مادة وروح    5-الإنسان مادة وحسب
6- الإنسان/ الإنسان يوجد في الطبيعة ومنفصل عنها    6- الإنسان الطبيعي جزء لا يتجزأ من الطبيعة
7- علاقة تفاعلية مع الطبيعة    7-علاقة صراع مع الطبيعة تنتهي إما بالسيطرة الكاملة أو الإذعان الكامل
8-الإنسانية المشتركة    8- العالم مكون من ذرات متناثرة وجماعات متصارعة وأفراد متناحرة فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان
9-العقل التوليدي (عقل مفطور فيه مقولات قبلية)    9- العقل المتلقي (العقل صفحة بيضاء تتراكم عليه المعطيات الحسية)
10-المقدرة على التجاوز    10- التشيؤ والمقدرة على التكيف
11- الإحساس بالطمأنينة في الكون    11- الذوبان فى الكون أو الإحساس الشديد بالغربة
12-مركزية الإنسان (الاستخلاف في الإسلام)    12-إزاحة الإنسان عن المركز
13- تركيبية مادية/ روحية    13- اختزالية مادية
14- ذات الإنسان مستقلة، تتقابل مع الكل    14- ذات الإنسان مستقلة تماما وعن الكل، أو ذائبة تماما منه
15- حرية الاختيار    15- حتميات مادية
16-المسئولية الخلقية    16- انعدام المسئولية
17- الأخلاق التي تتجاوز المنفعة المادية    17-الأخلاق النفعية
18-الإنسان متعدد الأبعاد    18- الإنسان أحادي البعد
19-الفكر والواقع    19- الواقع المادي
20-الرؤية الكلية المترابطة    20-التراكم المعلوماتي
21-أنماط متواترة    21-حقائق متناثرة
22-المنحنى الخاص للظاهرة    22-القانون العام
23-سببية فضفاضة    23-سببية صلبة
24-تعددية منهجية (مناهج العلوم الطبيعية مختلفة عن مناهج العلوم الإنسانية)    24-وحدة العلوم
25-استمرار وانقطاع    25-استمرار واضطراد
 
تنطلق الفلسفات المادية في مرجعيتها من إيمانها بأسبقية الطبيعة/المادة على الإنسان مركزة على هذا الجانب من الوجود الإنساني حيث ترد كل جوانبه الأخرى إليه. لكن المسيري يشير إلى إهمالها جوانب أخرى للطبيعة البشرية تتجاوز الطبيعة المادة/ وغير خاضعة لقوانينها حيث ترتبط  بعالم الإنسان، يبرز ذلك من خلال نشاط الإنسان الحضاري مثل: الاجتماع الإنساني والحس الخلقي والحس الجمالي والحس الديني، حيث يرصد المسيري هذه المظاهر الإنسانية في كون الإنسان هو:
- كائن دائب التنقيب عن تساؤلات عما يسمى العلل الأولى.
- كائن دائم البحث عن الغرض من وجوده في الكون.
- كائن واع بذاته والكون وقادر على تجاوز ذاته المادية.
- كائن صاحب إرادة حرة رغم الحدود الطبيعية والتاريخية التي تحده.
- كائن قادر على تطوير منظومات أخلاقية غير نابعة من البرنامج الطبيعي/ المادي.
- كائن يطور ويبدع أنساق من المعاني الداخلية والرموز التي يدرك من خلالها الواقع.
- كائن متميز فيه كل فرد بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها.
________________________________________
الهوامش:
1.       حوار مع عبد الوهاب المسيري، مجلة مراجعات، العدد2، شتنبر2000
2.       عبد الوهاب المسيري، في آخر حواراته المنشورة على موقع إسلام أولاين.
3.       عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2006. ص 14.
4.       المسيري، رحلتي الفكرية، مرجع سابق، ص212.
5.       المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 2003. ص16-17. وأنظر أيضا عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ج1- دار الشروق الطبعة الأولى، القاهرة 1999.
6.       المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، ص20.
7.       المسيري، نفسه، ص20.
8.       المسيري، نفسه، ص21.
9.       أحمد ثابت، نقد النموذج المادي الغربي المعادي للتاريخ، في عالم عبد الوهاب المسيري: حوار نقدي حضاري، دار الشروق، الطبعة الأولى 2004. ص236.
10.   عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، الجزء الأول، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2005. ص197.
11.   المسيري، نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، مجلة أوراق فلسفية، على الرابط التالي:http://awraqfalsafiya.wordpress.com/2009/07/12/
12.   تدور معظم رؤى العالم حول ثلاثة عناصر هي في الواقع عنصران اثنان: الإله من جهة والإنسان والطبيعة (أي العالم) من جهة أخرى. ومذهب الحلول أو الكمون (أو الحلولية الكمونية الواحدية أو وحدة الوجود) هو المذهب القائل بأن الإله والعالم (الإنسان والطبيعة) مُكوَّن من جوهر واحد، ومن ثم فهو عالم متماسك بشكل عضوي مصمت لا تتخلله أية ثغرات ولا يعرف الانقطاع ويتسم بالواحدية الصارمة، ويمكن رد كل الظواهر فيه، مهما بلغ تَنوُّعها وانعدام تجانسها، إلى مبدأ واحد كامن في العالم هو مصدر وحدة الكون وتماسكه ومصدر حياته وحيويته وهو القوة الدافعة له الكامنة فيه، ويمكن تفسير كل شيء من خلاله. المسيري، موسوعة اليهود، مرجع سابق.
13.   المسيري، نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، مرجع سابق.
14.   إدريس مقبول، في نقد مسلمات الفلسفة الغربية عند الفيلسوف المسيري: محاولة في البناء والتركيب، مؤتمر المسيري: الرؤية والمنهج، 2007.
15.   أحمد ثابت، نقد النموذج المادي الغربي المعادي للتاريخ، مرجع سابق، ص239-240.
16.   عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، الجزء الثاني، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2005.ص125.
17.   العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، الجزء الثاني، ص128.
18.   أحمد مرزاق، النموذج المعرفي والنموذج المعرفي الغربي عند المسيري: المفهوم والمعالم والتجليات، مؤتمر المسيري: الرؤية والمنهج، 2007.
19.   «الواحدية» مصدر صناعي من كلمة «واحد»، وتُعبِّر عن واقع تآصل ظواهر مختلفة وعن كونها تُرَدُّ إلى أصل أو جوهـر واحد. وقد عرَّف المجمع اللغوي بالقاهرة كلمة «الواحدية» (في الفلسفة) بأنها مذهب يَرُدّ الكون كله إلى مبدأ واحد، كالروح المحض أو كالطبيعة المحضة. أما «أُحادية»، فهي من كلمة «أُحاد». وهي، في مثل «جاء الأضياف أُحادَ»، بمعنى «واحداً بعد واحد»، أي «جاء الأضياف واحداً واحـداً». فهي إذن تدل على الانفراد. ومن هنـا، فقد اسـتُخدم المصدر الصناعي «أُحادية» حديثاً للتعبير عن حالة الانفراد. وهي تعني، في التعبير الفلسفي، رد الظاهرة (وهي بطبيعتها متعددة الجوانب)، أو أية عملية، إلى أحد أوجهها دون أوجهها الأخرى. فيقال مثلاً «النظرة الأحادية»، أي النظرة التي تضع في اعتبارها عنصراً واحداً دون عناصر أخرى في الظاهرة كان لابد من وضعها في الاعتبار. والاختلاف كبير بين المفهومين: الواحدية والأحادية. ويمكن القول بأن الواحدية الكونية مفهوم أُنطولوجي (وجودي) ينسب الواحدية إلى الكون، بينما الأحادية مفهوم إبستمولوجي (معرفي) يرى أن الأحادية خاصية تسم بعض طرق التعريف والتحليل والإدراك. ويمكن القول بأن ثمة أنواعاً مختلفة من الواحدية هي تعبير عن مستويات مختلفة من الحلول. فالواحدية الكونية هي حلول الإله في الكون بأسره (وهو عادةً ما يحتفظ باسمه «وحدة الوجود الروحية»). ولكن يمكن أن ينحصر الحلول في الإنسان ومن ثم تظهر «الواحدية الذاتية» التي تترجم نفسها إلى النزعة الإنسانية الهيومانية المتطرفة («الواحدية الإنسانية») وإلى الذاتية الفلسفية. ولكن حينما يتركز الحـلول في جـنس بعينه (الجنس الأبيض ـ شعوب أوربا)  تتحول الواحدية الذاتية إلى «واحدية إمبريالية وعنصرية». وحينما ينتقل الحلول من الإنسان إلى الطبيعة تظهر «الواحدية الطبيعية المادية» (أو «الواحدية الموضوعية المادية») ويهتز مفهوم الطبيعة البشرية إذ يظهر الإنسان الطبيعي الذي يذعن للطبيعة/المادة. وتتصاعد معدلات الحلول فتبدأ الكليات في الغياب والتفكك ويغيب مفهوم الإنسانية المشتركة تماماً إلى أن نصل إلى ما يمكن تسميته «الواحدية الذرية» حين ينتشر الحلول في كل أرجاء الكون وذراته فلا يوجد فارق بين إنسان وحيوان، وذكر وأنثى، ومقدَّس ومدنَّس. والواحدية الذرية هي بطبيعة الحال واحدية سائلة (على عكس أشكال الواحدية الأخرى التي تتسم بالصلابة). ويُلاحَظ أن تصاعد معدلات الحلولية يعني تراجع الحيز الإنساني وضموره ثم اختفاؤه الكامل حين يتوحَّد الإله تماماً بالنظام الطبيعي ويصبح الإله هو القانون الطبيعي. أنظر المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق.
20.   أحمد مرزاق، النموذج المعرفي والنموذج المعرفي الغربي عند المسيري: مرجع سابق. راجع أيضا عبد الوهاب المسيري: التحيز للنموذج المعرفي الغربي الحديث"، ج 1، مجلة الإنسان، دار آمان للصحافة والنشر، باريس، س: 4، عدد 13- 1995.
21.   أحمد مرزاق، النموذج المعرفي والنموذج المعرفي الغربي عند المسيري: مرجع سابق.  راجع أيضا: عبد الوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرر والتمركز حول الأنثى، دار نهضة مصر، القاهرة 1999.
22.   عبد الوهاب المسيري، من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان، ورقة قدمت لمؤتمر: "الفلسفة في الفكر الإسلامي: قراءة معرفية ومنهجية" الذي نظمه المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الأردن بالتعاون مع الجامعة الأردنية ووزارة الثقافة الأردنية يومي 29-30 أكتوبر 2008م.
23.   المسيري، نفسه.

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.