الفن العربي: مقاربات في أطر الخطاب والمحتوى والرؤية الاستشراقية

بنفس القدر الذي أثاره ويثيره استعمال كلمة الإسلامي لتوصيف الفن المنسوب إلى حضارة ما بعد انتشار الإسلام في الجزيرة العربية والدول العربية والإسلامية،
بنفس القدر الذي أثاره ويثيره استعمال كلمة الإسلامي لتوصيف الفن المنسوب إلى حضارة ما بعد انتشار الإسلام في الجزيرة العربية والدول العربية والإسلامية، يثير هذا العنوان لكتاب (Arab Art ) الصادر حديثا عن دار (TASCHEN ) مجموعة من الأسئلة والتساؤلات عن مضامين استعمال المصطلح ومحتواه في إطار الاستشراق وعمل المستشرق (Emile Prisse DAvennes ) الذي تحفل أعماله ورسوماته بهذا الكتاب الضخم. ولعلها واحدة من المرات النادرة، إن لم تكن الوحيدة وغير المسبوقة، التي تستعمل كلمة العربي للدلالة على الفن كموصوف في منطقة جغرافية وحضارة محددة بعد انتشار الإسلام.
فهل كان استعمال المصطلح دقيقا أم أنه سقطة لغوية غير دقيقة في استعمال المفردات والتوصيفات؟ وبخاصة أن كاتبي النص، (Sheila Blair ) و(Jonathan Bloom ) في قراءتهما لأعمال هذا الباحث المستشرق، ونقلا عن كتاب له بهذا الاسم غير المسبوق، لهما عمل سابق مماثل عنوانه الفن الإسلامي أو (Islamic Art )، فكيف يمكن تفكيك بنية المصطلح وإعادة قراءة وتشكيل بنيوية هذا الفن على ضوء قراءة هذا الكتاب ضمن إطاره الاستشراقي؟
ضمن هذا الإطار لنتعرف على جوانب من حياة وفكر وأعمال هذا المستشرق.
المستشرق الفرنسي (Emile Prisse DAvennes ) صاحب كتاب الفن العربي والمولود عام 1807 والمتوفى عام 1879 يعتبر واحدا من أهم المهتمين من علماء ما قبل القرن العشرين بعلم المصريات، وهو مؤلف وفنان، وأحد المعجبين إلى درجة الوله بالفنون المصرية والفرعونية والشرقية عموما. وقد حلم في صباه بالترحال إلى الشرق، وعندما بلغ عامه التاسع عشر توجه إلى اليونان والهند وفلسطين، ثم تجول على مدى الأربعين عاما اللاحقة في سورية الكبرى والمملكة العربية السعودية وفارس، وسكن واستقر في مصر والجزائر. فبعد التحاقه باليونان في حرب الاستقلال أصبح سكرتيرا للحاكم العام ومرورا بفلسطين وصل الى مصر حيث أصبح مهندسا مدنيا في خدمة محمد علي باشا. وقد اعتنق الإسلام، وسافر إلى مصر متنكرا بزي عربي مستعملا اسمه الجديد ( إدريس أفندي). ولشغفه الكبير بالفن الشرقي الذي شاهده في ترحاله والذي أطلق عليه اسم الفن العربي حيث يزخر بالتماثل (symmetry ) والتعقيد (complexity ) على حد وصفه له، فقد أطلق لريشته العنان ليرسم نماذج كبيرة جدا تعكس رؤيته للفن الشرقي والعمارة والتي يتضمنها الكتاب الذي بين أيدينا - والتي تسجل أحداثا اجتماعية وتاريخية ضمن إطار ومنظومة حضارية ودينية. وفي عام 1877 نشر مسحه الميداني الرائع للفن والعمارة العربية في باريس. وهذه الطبعة الجديدة لهذا الكتاب الضخم تتضمن مجموعة رائعة من 32 مخطوطة فنية تصف الناس والأزياء في وادي النيل والتي نشرها في لندن عام 1848. أثناء وجوده في مصر في العام 1834 وخلال محاضراته حول التحصينات في مدرسة حربية قاده ذلك إلى استكشاف الدلتا، وكانت سنين مهمة في دراسة البيئة المحيطة وأتقن اللغة العربية واللهجات المحلية وفك الهيروغليفية. وفي العام 1836 استقال من منصبه وطاف في مصر شمالا وجنوبا في النوبة ومصر العليا والدلتا وكانت فترة تأمل وملاحظة وتصوير ورسم لما شاهده، حيث كان يطوف بملابس وهيئة عربية. وفي العام 1839 انتقل إلى الأقصر والكرنك حيث رسم عشرات المناظر والاسكتشات فيما انخرط أكثر وأكثر في الحياة العربية، وكان ولعه الشديد بالبيئة العربية المحيطة مما قاده إلى تأسيس جمعية ترأسها لدراسة التاريخ المصري الطبيعي كان بها أكثر من مئة عضو معظمهم من الإنكليز. وقد بدأ سلسلة من الرسومات أسماها الحياة على ضفة النيل نشرها لاحقا عام 1848 في لندن.
في صراع محموم بين الحملات الاستشراقية على تراث مصر الفرعونية وبخاصة في منطقة الأقصر وآثار الكرنك جنوبا، فقد شكلت البعثة الألمانية بقيادة (Karl Lepsius ) الممولة من قبل الملك (Friedrich Wilhelm ) الرابع خطرا على طموحات (Prisse ) يتمثل في نقل الآثار والمكتشفات الثمينة Ygn متحف برلين. هذا التخوف قاده إلى شحن أكثر من 60 قطعة من الكرنك عبر الإسكندرية إلى فرنسا عام 1844 حيث بقي هناك لعشرة أعوام. ولكن على الرغم من ذلك، وبسبب رفضه إعلان الولاء للملك لويس- فيليب ملك فرنسا آنذاك، لم يحصل على التكريم المطلوب ولم يرقَ إلى أكثر من تكريم هزيل. وخلال هذه السنوات في فرنسا استمر في الكتابة والنشر عن المصريات والآثار الفرعونية، ونشر كتاب (les monuments egyptiens ) وكتاب (oriental album ) والذي احتوى على 30 من الرسومات الموضحة بالنصوص، وهي مخطوطات مستندة إلى رسومات قام بها في الموقع أثناء إقامته في مصر والأقصر. وهذه الرسومات تطوف بالناظر عبر الإسكندرية إلى القاهرة ثم النوبة والحبشة، وتتوقف عند البحر الأحمر قبل أن تعبر بالناظر إلى المملكة العربية السعودية ونجد. كما تظهر تنوعا كبيرا في المنظور الاجتماعي بين التجار الأغنياء والفقراء المعوزين والفلاحين والبدو، فضلا عن العديد من المناظر التي تظهر فيها النساء ـ من فتيات راقصات إلى أمهات مع أطفالهن وحاملات للماء. وقد برع في إظهار تفاصيل الأزياء بتنوع وثراء لوني في رسوماته بما يظهر واقع الحياة اليومي وتمظهراتها الاجتماعية والبيئة التي تعكس تنوعا في خلفية رسوماته حيث تظهر الجمال والآلات الموسيقية. وفي رسوماته يظهر الفلاحون بملامح النبل، كما تظهر النساء المنقبات، وهي انعكاسات لتصورات الفنان الحالمة بعيدا أحيانا عن واقع البيئة المعاصرة وليس كما شاهدها أو حلم بها المستشرق. لكن الجدل يثار أحيانا حول بعض اللمسات والتصورات التي أثارها هذا المستشرق في بعض رسوماته حين صور إحدى النساء تستحم نصف عارية، بما يثير تساؤلات لدى قراءة المهتمين بالرسومات الاستشراقية حول مدى صحة ذلك في واقع الأمر، وهل كان المستشرق برسمه لأدق التفاصيل كالأزياء مثلا في لوحاته صادقا حتى في وصف الأشخاص والأحداث، وبخاصة أنه يصور نفسه في أحد المشاهد في لوحاته.
وقد أصبح هذا الباحث المستشرق لاحقا قيّما لمتحف اللوفر في قسم المصريات، لكنه لم يكن يرغب في أن يصبح أستاذا لكرسي المصريات في جامعة فرنسا(College de France ) ، بيد أن معرفته التامة باللغات الشرقية جعلته مؤهلا رئيسيا كي يصبح سفيرا لفرنسا، لكنه ربما كان قد أصبح هرما واعتبر أن ذلك المنصب جاء بعد فوات الأوان. ولإعالة نفسه فقد عاد إلى العمل الهندسي وعاد إلى الجزائر للإشراف على مناجم الرخام. وتجربته في الجزائر فتحت له مجالا كبيرا للمقارنة بين البيئتين وضمن إطار العمارة والفن العربي بمضامينه الإجتماعية والثقافية. وفي عام 1858 عاد إلى مصر مع مرافقين اثنين له، أحدهما مصور باريسي، في مهمة لفرنسا لإجراء دراسات وبحوث ثقافية وعلمية مما أتاح استخدام وسيلة التصوير المكتشفة قبل عشرين سنة فقط. وقد وجد أن مصر قد تغيرت كثيرا في الثلاث عشرة سنة الماضية التي غاب عنها حيث اكتشفت الكثير من المقابر الفرعونية خلال هذه الفترة في سقارة، وبالإضافة إلى ذلك فقد أصبحت عمليات التنقيب عن الآثار تحت إشراف الحكومة وسُنـّت القوانين التي تجرّم عملية نقل الآثار والمكتشفات خارج مصر إلى أوروبا. ولذا لم يكن في وسعه ورفيقيه سوى التنقل عبر المواقع الأثرية وعمل اسكتشات ورسومات وصور ملونة مائية، فبالإضافة إلى رسوماته الأولية عاد بحوالي 150 صورة فوتوغرافية، و 300 متر من الرسومات المائية و200 من الرسومات الأخرى كلها للمكتشفات الأثرية الحديثة. ومن ضمنها كانت رسومات معمارية لمآذن وقباب وقبوات وواجهات مبان أثرية. في العام 1860 عاد المستشرق إلى فرنسا حيث قضى بقية حياته ينشر أعماله التي قام بها في المواقع التي حل وارتحل بها في الشرق العربي والجزيرة العربية وشمال افريقيا وفارس، وتوفي في العام 1879في بيئة متواضعة. وقد تبعثرت أعمال هذا المستشرق في حياته وقبيل وبعد وفاته، فبعضها عرض في باريس والبعض الآخر بيع في المزاد العلني في لندن قبل عام من وفاته، لكنها كانت مصادر مهمة للدارسين والباحثين إذ تصف بعض رسوماته تفاصيل معمارية لم تعد موجودة حاليا بفعل التهدم أو تقادم الزمن وتآكل واجهات المباني المعمارية ـ بما ترك بعض الدارسين حائرين أمام حقيقة إن كانت فعلا تآكلت بفعل الزمن أم أن هذا المستشرق قد ألفها من وحي خياله وتغيير للتفاصيل التي شاهدها ورسمها.
من أهم أعماله كتاب الفن العربي أو (LArt arabe ) والذي يحتوي بالإضافة إلى اللوحات المئتين الملونة أكثر من 300 صفحة من النص المكتوب تشرح الرسومات وتؤرخ للجغرافيا والتاريخ والآثار والشواهد العمرانية والفنية في مصر. ويستعرض الكتاب تاريخيا ثلاث فترات مهمة مرت بها مصر انتهاء بعصر المماليك منذ الفتح الإسلامي فالفاطمي والأيوبي. وبعد هذا العرض الافتتاحي للمادة ينتقل المستشرق في كتابه إلى الكلام عن الآثار ذاتها والتي يعرضها عرضا تصنيفيا بناء على نوع المباني. وفي الفصل السادس ينتقل المستشرق إلى الكلام عن مدينة القاهرة وأسوارها وبواباتها وقنواتها وساحاتها العامة وقلعتها. أما الفصل السابع وهو أطولها فيخصصه للكلام عن العمارة الدينية وعمارة المسجد مع نص قليل لكنه يستعرض حوالي 40 أثرا عمرانيا مرتبة زمنيا. أما الفصل الثامن فيعالج فيه العمارة المدنية ومنها عمارة الزوايا والربط الصوفية والمستشفيات والمدارس والكرافانسراي والحمامات العامة والقصور، وينتهي الفصل بمقارنة بين البيوت المصرية والجزائرية، وينهي القسم الخاص بالعمارة بفصل قصير عن العمارة الحربية أو الدفاعية.
أما الفصول التالية فيخصها بالفن، ويقسمه إلى الفن المرتبط بالعمارة والحرف التقليدية المتعلقة بها كالأعمال الخشبية والزخارف، والفن خارج نطاق العمارة كالزجاج وأعمال النحاس والحديد والكتابة والمخطوطات والمرايا والصناديق الأنتيكات القديمة والقماش والنسيج. ويتطرق في النص العربي إلى نفائس تعود إلى العصر الفاطمي والتي أشار إليها المؤرخ المقريزي الذي يعود إلى الحقبة المملوكية والذي يصف المباني في الفترة المملوكية في القاهرة بالإضافة إلى أحيائها المعروفة بالخطط المقريزية ـ ولهذا فمعظم النصوص التي يرجع إليها المستشرق تعود إلى هذه الفترة المملوكية وتأريخ المؤرخين لتلك الفترة. أما الفصل الأخير فيجسد نظرة الكاتب المستشرق لأصل نشأة وتطور ثم تداعي ما يصفه بـ العمارة العربية ويستعمل كلمة العربية وليس الإسلامية.
ومن اللافت أن هذا المستشرق كان أول الباحثين الغربيين الذين استخدموا ووظفوا تقنية التصوير، التي تطورت مراحلها لتستخدم في أعمال التوثيق الفوتوغرافي، في أعمالهم المسحية للآثار والمكتشفات المعمارية أثناء رحلاتهم الاستكشافية. وعلى الرغم من أن هدفه الأساسي كان عرض تاريخ الفن العربي من خلال الآثار في القاهرة، إلا أنه بدأ كتابه بعرض حيوي لمشاهد من الحياة اليومية وسط مآثر القاهرة وآثارها ـ وهدفه من ذلك إعطاء القارئ فكرة عن المحيط الاجتماعي للواجهات الصماء الصامتة للمباني المعمارية. ففي إحدى رسوماته لجامعة الأزهر يظهر مجموعة من الباحثين يتحاورون في فنائه والأروقة المحيطة به ـ وهو ما يضفي طابع الحياة على رسوماته ولوحاته الفنية للقاهرة. وقد تأثر ببعض أسلافه المستشرقين في بعض رسوماته، فمثلا في تصويره ورسمه لمجموعة السلطان قايتباي تظهر ملامح التفاصيل والتأثر الواضح بالمستشرق الشهير ديفيد روبرتس في رسمه لنفس المجموعة، رغم أن الأول اختار زاوية نظر واقعية بعيدا عن رؤية الفنان التي تجانب زاوية الرؤية الممكنة على أرض الواقع، كما فعل بعض أسلافه. وبالإضافة إلى تأثره فنيا ببعض من سبقه إلى درجة نسخ بعض أعمالهم ـ مما أوقعه في مرمى نقد المستشرق الشهير كريزويل ـ فقد تأثر أيضا بنصوص مثل مقدمة ابن خلدون واقتبس منها، كما اقتبس من نصوص مؤرخ مكة ابن الأزرق ـ وهو ما يعكس عمق اطلاعه وسعة بحثه وتأثره بمن سبقه من الفنانين والمؤرخين على حد سواء.
وهدف هذا المستشرق ابتداء كان إبراز عظمة الفن العربي الذي تأثر به وعشقه والذي لم يكن متميزا فقط عن الفن التركي أو الفارسي ولكن أيضا متميزا عن الفن المغربي في اسبانيا وشمال غرب افريقيا. لكنه يعتبر سورية ومصر بمنظوره هما مركز ما يسميه الفن العربي وتحت حكم سلاطين المماليك. فمن وجهة نظره يرى أنه بعد الفتح العثماني لمصر وسورية في القرن السادس عشر الميلادي، نحا الفن العربي والعمارة عموما منحى نحو التداعي حيث يرى المتأمل قمة رفض الروح العربية للبربرية والهمجية ـ رغم أن الباحثين المعاصرين يخالفون هذا المستشرق في رأيه ويعـتبرون العمارة العثمانية بداية لعصر جديد ونهضة حديثة تجاه الانفتاح مع الخارج. وانطلاقا من وجهة نظره، فقد حاول هذا المستشرق تفسير المقرنص الذي حفلت به العمارة العربية في مصر وغيرها وأخذ في رسوماته يحاول ربطها بالبطيخ والرمان، مما وجده الباحثون اللاحقون تفسيرا سخيفا.
وعلى الرغم من تفسيراته المغلوطة لبعض ما شاهده أو حتى لبعض قراءاته فيما يخص أصل الواسطي ومتعلقات بمقامات الحريري مثلا، إلا أن الباحثين يعدونه مرجعا في وقته وبخاصة في وقت طغت فيه الحاجة في أوروبا إلى فهم الفن ضمن منظومة الزمن والظرف والمحتوى. وكان اهتمامه بالمصريات في ذلك الوقت جزءا من موجة عامة تماشت مع الحملة النابليونية. وكغيره من أقرانه، رأى الفن بمنظوره العنصري ولذا فقد ميز الفن العربي عن غيره من الفن التركي و الفارسي بما يعطي إطارا محددا لهذه التسمية غير المسبوقة التي أثارت تساؤلاتنا في بداية هذه المراجعة، نظرا لعدم ربطها ربطا ايديولوجيا بالإسلام كما جرت عليه عادة المستشرقين سابقا ولاحقا. ونظرا لبعض وجهات نظره فلم يترك ذلك الكثير من الأصدقاء له في حياته ولا بعد مماته، لكن أعماله تبقى مرجعا مهما لفترة مهمة وثق خلالها الكثير من العمائر وصور الحياة الاجتماعية والفنية بمنظوره الخاص وكما ينقلها لنا هذا الكتاب المرجعي الذي بين أيدينا. وأهميته لا تكمن في قدرته فقط على تشخيص تاريخ تطور الفن العربي ـ الذي يصفه بعض الباحثين المعاصرين بـ الإسلامي ولكن لإدراك الطريقة والمنهجية التي اتبعت في القرن التاسع عشر لدراسة ذلك الفن.
باحث ومعماري يقيم في لندن
[email protected]
فهل كان استعمال المصطلح دقيقا أم أنه سقطة لغوية غير دقيقة في استعمال المفردات والتوصيفات؟ وبخاصة أن كاتبي النص، (Sheila Blair ) و(Jonathan Bloom ) في قراءتهما لأعمال هذا الباحث المستشرق، ونقلا عن كتاب له بهذا الاسم غير المسبوق، لهما عمل سابق مماثل عنوانه الفن الإسلامي أو (Islamic Art )، فكيف يمكن تفكيك بنية المصطلح وإعادة قراءة وتشكيل بنيوية هذا الفن على ضوء قراءة هذا الكتاب ضمن إطاره الاستشراقي؟
ضمن هذا الإطار لنتعرف على جوانب من حياة وفكر وأعمال هذا المستشرق.
المستشرق الفرنسي (Emile Prisse DAvennes ) صاحب كتاب الفن العربي والمولود عام 1807 والمتوفى عام 1879 يعتبر واحدا من أهم المهتمين من علماء ما قبل القرن العشرين بعلم المصريات، وهو مؤلف وفنان، وأحد المعجبين إلى درجة الوله بالفنون المصرية والفرعونية والشرقية عموما. وقد حلم في صباه بالترحال إلى الشرق، وعندما بلغ عامه التاسع عشر توجه إلى اليونان والهند وفلسطين، ثم تجول على مدى الأربعين عاما اللاحقة في سورية الكبرى والمملكة العربية السعودية وفارس، وسكن واستقر في مصر والجزائر. فبعد التحاقه باليونان في حرب الاستقلال أصبح سكرتيرا للحاكم العام ومرورا بفلسطين وصل الى مصر حيث أصبح مهندسا مدنيا في خدمة محمد علي باشا. وقد اعتنق الإسلام، وسافر إلى مصر متنكرا بزي عربي مستعملا اسمه الجديد ( إدريس أفندي). ولشغفه الكبير بالفن الشرقي الذي شاهده في ترحاله والذي أطلق عليه اسم الفن العربي حيث يزخر بالتماثل (symmetry ) والتعقيد (complexity ) على حد وصفه له، فقد أطلق لريشته العنان ليرسم نماذج كبيرة جدا تعكس رؤيته للفن الشرقي والعمارة والتي يتضمنها الكتاب الذي بين أيدينا - والتي تسجل أحداثا اجتماعية وتاريخية ضمن إطار ومنظومة حضارية ودينية. وفي عام 1877 نشر مسحه الميداني الرائع للفن والعمارة العربية في باريس. وهذه الطبعة الجديدة لهذا الكتاب الضخم تتضمن مجموعة رائعة من 32 مخطوطة فنية تصف الناس والأزياء في وادي النيل والتي نشرها في لندن عام 1848. أثناء وجوده في مصر في العام 1834 وخلال محاضراته حول التحصينات في مدرسة حربية قاده ذلك إلى استكشاف الدلتا، وكانت سنين مهمة في دراسة البيئة المحيطة وأتقن اللغة العربية واللهجات المحلية وفك الهيروغليفية. وفي العام 1836 استقال من منصبه وطاف في مصر شمالا وجنوبا في النوبة ومصر العليا والدلتا وكانت فترة تأمل وملاحظة وتصوير ورسم لما شاهده، حيث كان يطوف بملابس وهيئة عربية. وفي العام 1839 انتقل إلى الأقصر والكرنك حيث رسم عشرات المناظر والاسكتشات فيما انخرط أكثر وأكثر في الحياة العربية، وكان ولعه الشديد بالبيئة العربية المحيطة مما قاده إلى تأسيس جمعية ترأسها لدراسة التاريخ المصري الطبيعي كان بها أكثر من مئة عضو معظمهم من الإنكليز. وقد بدأ سلسلة من الرسومات أسماها الحياة على ضفة النيل نشرها لاحقا عام 1848 في لندن.
في صراع محموم بين الحملات الاستشراقية على تراث مصر الفرعونية وبخاصة في منطقة الأقصر وآثار الكرنك جنوبا، فقد شكلت البعثة الألمانية بقيادة (Karl Lepsius ) الممولة من قبل الملك (Friedrich Wilhelm ) الرابع خطرا على طموحات (Prisse ) يتمثل في نقل الآثار والمكتشفات الثمينة Ygn متحف برلين. هذا التخوف قاده إلى شحن أكثر من 60 قطعة من الكرنك عبر الإسكندرية إلى فرنسا عام 1844 حيث بقي هناك لعشرة أعوام. ولكن على الرغم من ذلك، وبسبب رفضه إعلان الولاء للملك لويس- فيليب ملك فرنسا آنذاك، لم يحصل على التكريم المطلوب ولم يرقَ إلى أكثر من تكريم هزيل. وخلال هذه السنوات في فرنسا استمر في الكتابة والنشر عن المصريات والآثار الفرعونية، ونشر كتاب (les monuments egyptiens ) وكتاب (oriental album ) والذي احتوى على 30 من الرسومات الموضحة بالنصوص، وهي مخطوطات مستندة إلى رسومات قام بها في الموقع أثناء إقامته في مصر والأقصر. وهذه الرسومات تطوف بالناظر عبر الإسكندرية إلى القاهرة ثم النوبة والحبشة، وتتوقف عند البحر الأحمر قبل أن تعبر بالناظر إلى المملكة العربية السعودية ونجد. كما تظهر تنوعا كبيرا في المنظور الاجتماعي بين التجار الأغنياء والفقراء المعوزين والفلاحين والبدو، فضلا عن العديد من المناظر التي تظهر فيها النساء ـ من فتيات راقصات إلى أمهات مع أطفالهن وحاملات للماء. وقد برع في إظهار تفاصيل الأزياء بتنوع وثراء لوني في رسوماته بما يظهر واقع الحياة اليومي وتمظهراتها الاجتماعية والبيئة التي تعكس تنوعا في خلفية رسوماته حيث تظهر الجمال والآلات الموسيقية. وفي رسوماته يظهر الفلاحون بملامح النبل، كما تظهر النساء المنقبات، وهي انعكاسات لتصورات الفنان الحالمة بعيدا أحيانا عن واقع البيئة المعاصرة وليس كما شاهدها أو حلم بها المستشرق. لكن الجدل يثار أحيانا حول بعض اللمسات والتصورات التي أثارها هذا المستشرق في بعض رسوماته حين صور إحدى النساء تستحم نصف عارية، بما يثير تساؤلات لدى قراءة المهتمين بالرسومات الاستشراقية حول مدى صحة ذلك في واقع الأمر، وهل كان المستشرق برسمه لأدق التفاصيل كالأزياء مثلا في لوحاته صادقا حتى في وصف الأشخاص والأحداث، وبخاصة أنه يصور نفسه في أحد المشاهد في لوحاته.
وقد أصبح هذا الباحث المستشرق لاحقا قيّما لمتحف اللوفر في قسم المصريات، لكنه لم يكن يرغب في أن يصبح أستاذا لكرسي المصريات في جامعة فرنسا(College de France ) ، بيد أن معرفته التامة باللغات الشرقية جعلته مؤهلا رئيسيا كي يصبح سفيرا لفرنسا، لكنه ربما كان قد أصبح هرما واعتبر أن ذلك المنصب جاء بعد فوات الأوان. ولإعالة نفسه فقد عاد إلى العمل الهندسي وعاد إلى الجزائر للإشراف على مناجم الرخام. وتجربته في الجزائر فتحت له مجالا كبيرا للمقارنة بين البيئتين وضمن إطار العمارة والفن العربي بمضامينه الإجتماعية والثقافية. وفي عام 1858 عاد إلى مصر مع مرافقين اثنين له، أحدهما مصور باريسي، في مهمة لفرنسا لإجراء دراسات وبحوث ثقافية وعلمية مما أتاح استخدام وسيلة التصوير المكتشفة قبل عشرين سنة فقط. وقد وجد أن مصر قد تغيرت كثيرا في الثلاث عشرة سنة الماضية التي غاب عنها حيث اكتشفت الكثير من المقابر الفرعونية خلال هذه الفترة في سقارة، وبالإضافة إلى ذلك فقد أصبحت عمليات التنقيب عن الآثار تحت إشراف الحكومة وسُنـّت القوانين التي تجرّم عملية نقل الآثار والمكتشفات خارج مصر إلى أوروبا. ولذا لم يكن في وسعه ورفيقيه سوى التنقل عبر المواقع الأثرية وعمل اسكتشات ورسومات وصور ملونة مائية، فبالإضافة إلى رسوماته الأولية عاد بحوالي 150 صورة فوتوغرافية، و 300 متر من الرسومات المائية و200 من الرسومات الأخرى كلها للمكتشفات الأثرية الحديثة. ومن ضمنها كانت رسومات معمارية لمآذن وقباب وقبوات وواجهات مبان أثرية. في العام 1860 عاد المستشرق إلى فرنسا حيث قضى بقية حياته ينشر أعماله التي قام بها في المواقع التي حل وارتحل بها في الشرق العربي والجزيرة العربية وشمال افريقيا وفارس، وتوفي في العام 1879في بيئة متواضعة. وقد تبعثرت أعمال هذا المستشرق في حياته وقبيل وبعد وفاته، فبعضها عرض في باريس والبعض الآخر بيع في المزاد العلني في لندن قبل عام من وفاته، لكنها كانت مصادر مهمة للدارسين والباحثين إذ تصف بعض رسوماته تفاصيل معمارية لم تعد موجودة حاليا بفعل التهدم أو تقادم الزمن وتآكل واجهات المباني المعمارية ـ بما ترك بعض الدارسين حائرين أمام حقيقة إن كانت فعلا تآكلت بفعل الزمن أم أن هذا المستشرق قد ألفها من وحي خياله وتغيير للتفاصيل التي شاهدها ورسمها.
من أهم أعماله كتاب الفن العربي أو (LArt arabe ) والذي يحتوي بالإضافة إلى اللوحات المئتين الملونة أكثر من 300 صفحة من النص المكتوب تشرح الرسومات وتؤرخ للجغرافيا والتاريخ والآثار والشواهد العمرانية والفنية في مصر. ويستعرض الكتاب تاريخيا ثلاث فترات مهمة مرت بها مصر انتهاء بعصر المماليك منذ الفتح الإسلامي فالفاطمي والأيوبي. وبعد هذا العرض الافتتاحي للمادة ينتقل المستشرق في كتابه إلى الكلام عن الآثار ذاتها والتي يعرضها عرضا تصنيفيا بناء على نوع المباني. وفي الفصل السادس ينتقل المستشرق إلى الكلام عن مدينة القاهرة وأسوارها وبواباتها وقنواتها وساحاتها العامة وقلعتها. أما الفصل السابع وهو أطولها فيخصصه للكلام عن العمارة الدينية وعمارة المسجد مع نص قليل لكنه يستعرض حوالي 40 أثرا عمرانيا مرتبة زمنيا. أما الفصل الثامن فيعالج فيه العمارة المدنية ومنها عمارة الزوايا والربط الصوفية والمستشفيات والمدارس والكرافانسراي والحمامات العامة والقصور، وينتهي الفصل بمقارنة بين البيوت المصرية والجزائرية، وينهي القسم الخاص بالعمارة بفصل قصير عن العمارة الحربية أو الدفاعية.
أما الفصول التالية فيخصها بالفن، ويقسمه إلى الفن المرتبط بالعمارة والحرف التقليدية المتعلقة بها كالأعمال الخشبية والزخارف، والفن خارج نطاق العمارة كالزجاج وأعمال النحاس والحديد والكتابة والمخطوطات والمرايا والصناديق الأنتيكات القديمة والقماش والنسيج. ويتطرق في النص العربي إلى نفائس تعود إلى العصر الفاطمي والتي أشار إليها المؤرخ المقريزي الذي يعود إلى الحقبة المملوكية والذي يصف المباني في الفترة المملوكية في القاهرة بالإضافة إلى أحيائها المعروفة بالخطط المقريزية ـ ولهذا فمعظم النصوص التي يرجع إليها المستشرق تعود إلى هذه الفترة المملوكية وتأريخ المؤرخين لتلك الفترة. أما الفصل الأخير فيجسد نظرة الكاتب المستشرق لأصل نشأة وتطور ثم تداعي ما يصفه بـ العمارة العربية ويستعمل كلمة العربية وليس الإسلامية.
ومن اللافت أن هذا المستشرق كان أول الباحثين الغربيين الذين استخدموا ووظفوا تقنية التصوير، التي تطورت مراحلها لتستخدم في أعمال التوثيق الفوتوغرافي، في أعمالهم المسحية للآثار والمكتشفات المعمارية أثناء رحلاتهم الاستكشافية. وعلى الرغم من أن هدفه الأساسي كان عرض تاريخ الفن العربي من خلال الآثار في القاهرة، إلا أنه بدأ كتابه بعرض حيوي لمشاهد من الحياة اليومية وسط مآثر القاهرة وآثارها ـ وهدفه من ذلك إعطاء القارئ فكرة عن المحيط الاجتماعي للواجهات الصماء الصامتة للمباني المعمارية. ففي إحدى رسوماته لجامعة الأزهر يظهر مجموعة من الباحثين يتحاورون في فنائه والأروقة المحيطة به ـ وهو ما يضفي طابع الحياة على رسوماته ولوحاته الفنية للقاهرة. وقد تأثر ببعض أسلافه المستشرقين في بعض رسوماته، فمثلا في تصويره ورسمه لمجموعة السلطان قايتباي تظهر ملامح التفاصيل والتأثر الواضح بالمستشرق الشهير ديفيد روبرتس في رسمه لنفس المجموعة، رغم أن الأول اختار زاوية نظر واقعية بعيدا عن رؤية الفنان التي تجانب زاوية الرؤية الممكنة على أرض الواقع، كما فعل بعض أسلافه. وبالإضافة إلى تأثره فنيا ببعض من سبقه إلى درجة نسخ بعض أعمالهم ـ مما أوقعه في مرمى نقد المستشرق الشهير كريزويل ـ فقد تأثر أيضا بنصوص مثل مقدمة ابن خلدون واقتبس منها، كما اقتبس من نصوص مؤرخ مكة ابن الأزرق ـ وهو ما يعكس عمق اطلاعه وسعة بحثه وتأثره بمن سبقه من الفنانين والمؤرخين على حد سواء.
وهدف هذا المستشرق ابتداء كان إبراز عظمة الفن العربي الذي تأثر به وعشقه والذي لم يكن متميزا فقط عن الفن التركي أو الفارسي ولكن أيضا متميزا عن الفن المغربي في اسبانيا وشمال غرب افريقيا. لكنه يعتبر سورية ومصر بمنظوره هما مركز ما يسميه الفن العربي وتحت حكم سلاطين المماليك. فمن وجهة نظره يرى أنه بعد الفتح العثماني لمصر وسورية في القرن السادس عشر الميلادي، نحا الفن العربي والعمارة عموما منحى نحو التداعي حيث يرى المتأمل قمة رفض الروح العربية للبربرية والهمجية ـ رغم أن الباحثين المعاصرين يخالفون هذا المستشرق في رأيه ويعـتبرون العمارة العثمانية بداية لعصر جديد ونهضة حديثة تجاه الانفتاح مع الخارج. وانطلاقا من وجهة نظره، فقد حاول هذا المستشرق تفسير المقرنص الذي حفلت به العمارة العربية في مصر وغيرها وأخذ في رسوماته يحاول ربطها بالبطيخ والرمان، مما وجده الباحثون اللاحقون تفسيرا سخيفا.
وعلى الرغم من تفسيراته المغلوطة لبعض ما شاهده أو حتى لبعض قراءاته فيما يخص أصل الواسطي ومتعلقات بمقامات الحريري مثلا، إلا أن الباحثين يعدونه مرجعا في وقته وبخاصة في وقت طغت فيه الحاجة في أوروبا إلى فهم الفن ضمن منظومة الزمن والظرف والمحتوى. وكان اهتمامه بالمصريات في ذلك الوقت جزءا من موجة عامة تماشت مع الحملة النابليونية. وكغيره من أقرانه، رأى الفن بمنظوره العنصري ولذا فقد ميز الفن العربي عن غيره من الفن التركي و الفارسي بما يعطي إطارا محددا لهذه التسمية غير المسبوقة التي أثارت تساؤلاتنا في بداية هذه المراجعة، نظرا لعدم ربطها ربطا ايديولوجيا بالإسلام كما جرت عليه عادة المستشرقين سابقا ولاحقا. ونظرا لبعض وجهات نظره فلم يترك ذلك الكثير من الأصدقاء له في حياته ولا بعد مماته، لكن أعماله تبقى مرجعا مهما لفترة مهمة وثق خلالها الكثير من العمائر وصور الحياة الاجتماعية والفنية بمنظوره الخاص وكما ينقلها لنا هذا الكتاب المرجعي الذي بين أيدينا. وأهميته لا تكمن في قدرته فقط على تشخيص تاريخ تطور الفن العربي ـ الذي يصفه بعض الباحثين المعاصرين بـ الإسلامي ولكن لإدراك الطريقة والمنهجية التي اتبعت في القرن التاسع عشر لدراسة ذلك الفن.
باحث ومعماري يقيم في لندن
[email protected]

إضافة تعليق