القراءة: أزمة قارئ أم أزمة كتاب؟!

تحقيق ـ عاصم الشيدي:حتى لو اختلفنا مع الإحصائيات التي تتحدث عن نسب القراءة في الوطن العربي إلا أن المشهد العام ينبئ أننا لسنا قرّاء كما ينبغي وكما هو الحال لدى كثير من الأمم. وفي غياب الأرقام الرسمية والعلمية كما يرى البعض إلا أن هناك الكثير من المؤشرات التي تدلل على تراجع نسب القراءة.. لا أحد يستغل وقته في محطات الانتظار الكثيرة في اليوم الواحد في القراءة.. وأعنى هنا قراءة الكتاب سواء كان ورقيا أم إلكترونيا وليس قراءة رسائل «الواتس أب» التي تحدّث عنها البعض. دور النشر في الوطن العربي تعاني من قلة الإقبال على كتبها رغم أنها لا تطبع أعدادا كبيرة كتلك التي تطبع في الولايات المتحدة على سبيل المثال أو أوروبا رغم أن هذه البلدان بدأت تتحول رقميا لكنها لا تزال تبيع الكتاب الورقي بأرقام خرافية مقارنة بالمشهد العربي. ففي الوقت الذي يطبع أكثر الكتب مبيعا في العالم العربي خمسة آلاف نسخة كحد أقصى- إلا ما ندر- يطبع في أمريكا خمسة ملايين أو يزيد. هذا المشهد يعطي مؤشرات على أن هناك أزمة قراءة في العالم العربي مهما أردنا الابتعاد عنها. إلا أن هذه الأزمة تحتاج إلى من يدرسها ويقف على جذورها الحقيقية.. وفي ظل أن جذور الثقافة العربية والإسلامية تدعو صراحة إلى القراءة وتعلي من أهميتها فإن أول سؤال يتبادر إلى أذهاننا ونحن نقف أمام هذه الأزمة هو هل الكتاب أصلا متوفر وفي متناول يد القارئ العربي، وهل ما زالت الأزمة المعرفية موجودة في ظل التدفق المعرفي الذي يعيشه عصرنا الرقمي. وهل بات الكتاب الإلكتروني يشكل خطرا على الكتاب الورقي وهو ما دفع بدور النشر إلى البحث عن هامش ربح أكبر من خلال رفع أسعار الكتب لتعويض الخسائر باعتبار أن الكتاب الإلكتروني أرخص بكثير من الورقي.
أسئلة كثيرة كانت بصحبتي وأنا أتجول بين أجنحة معرض الكتاب خلال الأيام الماضية وحاولت أن أبحث لها عن إجابة لدى الكثير من أطياف زوار المعرض.
الأسعار مرتفعة
في البدء كان الحديث مع طالبة مدرسية اسمها «فاطمة» كانت تحمل رواية أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» سألتها إن كانت اشترت غيرها فقالت: لم أستطع شراء غيرها لأن سعرها غال وأنا ما كنت أعرف أن الكتب غالية بهذا الشكل وهذه أول زيارة لي للمعرض وكنت أتمنى أن اشتري روايات أكثر ولكن الأسعار غالية. سألت الطالبة إن كانت تحصل على كتب تقرأها من أماكن أخرى فردت أنه لا توجد أصلا مكتبات عامة وحتى مكتبات المدارس فيها كتب قليلة والروايات التي نبحث عنها ونسمع عنها لا نجدها في المكتبات المدرسية. وحول الوقت الذي تخصصه فاطمة للقراءة تقول: أقرأ تقريبا كل ما يصلني على «الواتس أب»!! وكل الكتب التي أحصل عليها من صديقاتي وهي قليلة. وعندما قلت لها أن قراءة رسائل «الواتس أب» ليست قراءة حقيقية قالت: «جيب لي الكتب اللي أريدها وأوعدك أقراها».
أما محمد بن سيف الراشدي وهو طالب الصف الثاني عشر فيرجع مشكلة القراءة أيضا إلى عدم توفر الكتب بالأساس، وهو يقول إنه منذ سنتين يأتي إلى المعرض ولكن قدرته الشرائية لا تمكنه من شراء أكثر من خمسة كتب وهذه لا تكفي طوال العام وفي المنطقة الشرقية كما يقول لا توجد مكتبات يمكن أن يجد فيها الكتب التي يريدها. وإضافة إلى حبه للروايات فإن الراشدي يبحث كذلك عن كتب علم الأحياء.
المشكلة في التنشئة
أما المعلمة وفاء الخنبشية والتي كانت تصطحب معها مجموعة طالبات وتهم بالخروج من المعرض فتقول إن مشكلة القراءة في عُمان وربما في العالم العربي مشكلة مركبة تعود في الأساس إلى أننا في عُمان أهملنا كثيرا تنشئت الأطفال على حب القراءة وأصبحت القراءة بالنسبة لنا ترفا وألصقناها بشكل خاص بالمثقفين فصار اعتقاد لدى المجتمع أنه لا يقرأ إلا المثقف.. ووهناك من وجهة نظري «والحديث للخنبشية لبس حتى في مفهوم من هو المثقف وهل هو الذي يكتب القصة والرواية والشعر فقط أم أن هذا المصطلح أكبر من ذلك بكثير؟. وتضيف وفاء إلى ذلك بالقول إن الكتاب في عمان غير متوفر إلا عبر مناسبات موسمية، وعندما يتوفر فإن سعره يكون مرتفعا وفي ظل ثقافة نخبوية القراءة فإن الكثير من أولياء الأمور أمام متاعب الحياة وأعبائها لا يرون من الضروري أن ينفقوا مبالغ يعتبرونها مرتفعة على شراء الكتاب. لكن هذه الأخيرة ليست عامة فهناك أباء يفرحون بمجرد ان يطلب منهم أبناؤهم شراء الكتب.
لكن وفاء تعود لتقول إن الأزمة الحالية للقراءة تنصب حول وسائل التواصل الاجتماعي التي نضيع فيها جميعا الكثير من أوقاتنا ويبدو أنها لا تصنع فقط أزمة مضاعفة في القراءة بقدر ما تفتت الكثير من العلاقات الاجتماعية وتحولها إلى تواصل رقمي له مشاكله مهما اعتقدنا أن له منافع.
لا يوجد مشروع عربي
ومن دار بيسان للنشر يتحدث صاحبها عيسى أحوش حول التحديات التي تواجهه هو كصاحب دار نشر والتي تأتي في مقدمتها الأحوال التي تمر بها الأمة العربية من تقطع الأوصال، فالكتاب لم يعد قادرا على الوصول للقارئ في جميع الدول بسبب المشهد المأزوم في العالم العربي، لكن هذا المشهد صنع لنا نحن الناشرين مشكلة أخرى وهي مشكلة التزوير. ويوضح أحوش كلامه أكثر بالقول إن هناك مكتبات في مختلف الوطن العربي صارت تحترف التزوير، بل أن الكتاب لم يعد له مزور واحد في المدينة الواحدة بل صار له عشرات المزورين. ينظر أحوش إلى كتبه ويقول هذه الفوضى بالنسبة لي أكبر الأزمات التي يمر بها الكتاب ويعاني منها الناشر. لكن أحوش لا يكتفي بهذا العائق بل يعود ليقول هناك أيضا الرقيب وهذا عائق ثان.. والرقيب كما هو معروف عامل أساسي في الدول العربية، وإجراءات الرقيب تأخذ وقتا طويلا وهو غير قادر دائما على تلبية متطلبات الناشرين.
لكن أحوش لا يرى الأزمة في الكتاب الالكتروني بل يراها عدم وجود مشروع ثقافي عربي حقيقي.. العالم العربي بدون بنية ثقافية حقيقية وبدون مشروع حقيقي.. لم نشتغل كمؤسسات رسمية ومؤسسات مجتمع مدني على بناء إنسان مثقف ومحمل بالمعرفة الحقيقية، وبالتالي العائق ليس تراجع الكتاب وإنما عدم وجود مشروع ثقافي ينتشل المواطن العربي من مكانه إلى مكان أفضل. المواطن العربي يعيش الكثير من الأزمات الجوهرية أزمة سكن وأزمة أمان وأزمة سلع ولا يراد له فيما يبدو أن تتسع أفاقه ويكون متعلما ويبقى العلم لديه مجرد علم ولا يتحول العلم إلى ثقافة ومعرفة وسلوك.
ولا يرى عيسى أحوش أن الكتاب الإلكتروني بات يشكل أزمه أمام الكتاب الورقي، فداره خاضت التجربة ولم تجد فيها عائدا جيدا بل إنها لم تكن تشكل أي مستوى من مستويات المنافسة أمام الكتاب الورقي. بل إنه يقول ضاحكا إن الجهل هو أكبر عائق وتحدٍّ أمامنا وليس الكتاب الإلكتروني. ويعود للقول بعد أن أكمل ابتسامته: لا بد أن نعمل نحن أيضا كناشرين بشكل طليعي وهذه الكلمة تحمل الكثير من المعاني التي يمكن أن تحل بعض الإشكالات.
قلت له نعم ولذلك عليكم أن لا ترفعوا الأسعار لأن الكثير من عشاق الكتاب في العالم العربي يعتقدون أن ارتفاع الأسعار هو أحد أسباب قلة القراءة..
ابتسم ثانية وقال: هناك أسباب وعوامل كثيرة أدت إلى ارتفاع الأسعار مثل كمية المطبوع، الكمية الآن أصبحت أقل وبالتالي التكلفة ترتفع. كنا نطبع في السابق أضعاف ما نطبعه الآن. لكن أيضا علينا أن نقول أنه ليس هذا هو السبب الحقيقي فالقارئ الذي يشتكي من ارتفاع سعر الكتاب عليه أن يعلم أنه لا يوازي سعره سعر وجبة غداء في أرخص المطاعم.. الكتاب تحول إلى كماليات لو كان الكتاب بالنسبة للمواطن العربي مثل السيارة ومثل الهاتف ومثل السياحة لكن الأمر مختلفا ولن يشتكي من ارتفاع سعره.
أما الكاتب عبدالله حبيب والذي كان يوقع كتابه في دار الانتشار العربي فعندما طرحنا عليه أسئلتنا قال: اطلعت على إحصائيات من مختلف بلدان العالم شرقا وغربا وكلها تؤشر الى أن الأمه العربية هي أقل من يقرأ في العالم، وأقل من يترجم. وأنت ستذهل إذا عرفت أن الدولة العبرية تترجم سنويا من الكتب أكثر مما تترجمه الأمة العربية مجتمعة!!. ويواصل حبيب: قد يقول قائل إن الأسباب تتعاضد غلاء الكتاب وعدم توفره ولكن يجب أن لا نغفل حقيقة تحولنا إلى أمة تلفزيونية. أنت تذهب إلى محطات المترو في بريطانيا وفي أمريكا أو محطات الانتظار في الحافلات رغم أن لديهم آلاف القنوات الفضائية ولكن تجد كل منهم يحمل كتابا ويقرأ فيه وهو ينتظر الحافلة أو ينتظر صديقه أو يركب القطار، وهي أسباب مجتمعة ثم إن المؤسسات الثقافية العربية لم تول الجهد الكافي من أجل توجيه القارئ إلى الكم والنوع القرائي المطبوع.
ظاهرة مكياجية
يوضيف عبدالله حبيب: نحن في عمان ليس لدينا متنفس سوى هذا المعرض فقط ويشوبه ما يشوبه من الشوائب من قبيل ارتفاع الأسعار وما إلى ذلك. لكن المشكلة الحقيقية من وجهة نظري هي تحول الثقافة أو القراءة إلى ظاهرة مكياجية، ظاهرة تجميلية أكثر مما هي محاولة لغرس الوعي والثقافة والمعرفة في نفوس الناس.. وكل منا يشترك في ذلك ولو بنسب متفاوتة ولكن المؤسسات مطلوب منها أكثر والمواطن العربي أو القارئ العربي مطلوب منه أكثر ودور النشر مطلوب منها جعل الكتاب سهل الاقتناء وميسر. وحول ارتفاع أسعار الكتب في العالم العربي يقول عبدالله حبيب: هناك مقولة اكتشفت خطأها أثناء وجودي في الولايات المتحدة وهي أن الكتاب هناك رخيص! هذا ليس صحيحا الكتاب هناك غال جدا، ولكن توجد هناك قنوات بديلية من قبيل المكتبات أو الدور التي تبيع الكتب المستملة أو على الشارع والأرصفة وهو ما يشبه أو يذكرني بالأزبكية.. هذه الأشياء بدأت تختفي للأسف في العالم العربي.. المسؤولية إذن مسؤولية الجميع والخطر محدق وقائم وعلينا أن لا نعتبر هذا الموضوع هامشيا بل هو موضوع يتوقف عليه مستقبل الأجيال القادمة ومستقبل أمة.
وليس بعيدا عن عبدالله حبيب كان الكاتب سليمان المعمري أيضا يوقع على الطبعة الثانية من روايته «الذي لا يحب جمال عبد الناصر».. وكان يحيط به مجموعة من الأصدقاء الذين أتوا لاقتناء الطبعة الثانية من الرواية أو الحصول عليها للمرة الأولى ممن فاتهم شراءها سابقا.
ويبدأ المعمري كلامه متحفظا ومرتابا من الإحصائيات التي تجعل القارئ العربي لا يقرأ كثيرا. فهو مؤمن أن هذه المعارض في مختلف أرجاء العالم العربي والتي يؤمها الكثير من المرتادين ورغم هذه المعارض غلاء الأسعار تؤكد أن هناك من يقرأ وهناك من يحرص على القراءة.. وان هذه الكثافة في الشراء لا بد أن تعني ان هناك إقبال كبير على الكتاب وبالتالي على القراءة.
كتب لا تصنع المعرفة
لكن سليمان المعمري يقف عند نقطة أخرى راها جوهرية وهي نوعية الكتب التي يقرأها القارئ العربي ليست منتجة للمعرفة، بل من نوعية الكتب التي تدغدغ عواطفه الدينية أو السياسية أو عواطف المرأة.. القارئ العربي للأسف الشديد لا يبحث عن كتب منتجة للمعرفة.. يصمت سليمان قليلا ثم يقول: هل أقول لأنه قارئ كسول يريد أن يلقم كل شيء بالملعقة بمعنى أنه لا يريد أن يقتني كتبا تناقش وتحاجج قناعاته الأيدلوجية، وهو بهذا المعنة قارئ مؤدلج وغير مؤهل لترك أدلجته.. إنني أشبهه بسجين نوعية من الكتب ورثها كابرا عن كابر وكلما طرح موضوع جديد أو كتاب جديد يحاول أن يخاطب عقله نجده يحاربه، ولذلك نجد قراء لا يستنكفون من الدعوة لحرق الكتب.
ويضيف سليمان أن المشكلة هي مشكلة القارئ في المقام الأول فهو قاري لا يحاجج الفكرة بالفكرة للأسف، بل يحاج الفكرة بنسفها ومحاولة إلغائها ظنا منه أن إلغاء الفكرة يؤدي إلى انتصار الوعي لديه وهذا غير صحيح.. أنت لكي تتخلص من فكرة فاسدة يجب أن تبزها بفكرة أخرى تحل مكانها.
أما الكاتب والناشر محمد بن سيف الرحبي والذي كان يجلس في بيت الغشام للنشر والترجمة فإن يوافق سلميان المعمري بأنه لا توجد إحصائيات موثوقة تقول أن العربي لا يقرأ.. لكن الرحبي يرى أن الكتاب لم يعد وحده المصدر الوحيد للقراءة، فالطفرة الإلكترونية دعمت الحالة القرائية.. الناس التي تمسك بهواتفها بشكل دائم تقرأ.. بل هذا ساعد على القراءة أكثر. ولذلك يرى الرحبي أن الأزمة الحقيقية ليست أزمة قارئ وإنما أزمة الكتاب المطبوع. وهذه الأزمة من وجهة نظر الرحبي ليست هي وليدة اليوم وإنما هي قديمة وربما أزلية في عمان ممتدة من سنوات علاقتنا بالكتاب. لم يعد الأب يقتني الكتاب ويأتي ابنه يقلده.. نحن في عُمان كنا نبحث عن الكتاب فلا نجده فقط بدأنا نكتشف الكتاب بهذا الثراء في السبعينات، والأزمة تحتاج إلى دراسات نفسية أعمق، دراسة علاقة الإنسان بالكتاب وأيضا في المجتمعات المأزومة يصبح الكتاب شيئا ثانويا. هذه الضغوطات السياسية والاجتماعية التي يمر بها المواطن العربي وهذه النشرات الإخبارية التي يرى فيها كل هذه الأهوال لا تجعله مهيأ للقراءة، القراءة هي حالة ارتياح مع الكتاب، ارتياح نفسي قبل كل شيء فإذا كانت المجتمعات العربية تعيش كل هذا الوجع وهذا الهم والتشرذم فمن الطبيعي أن علاقة الإنسان مع هذا الشيء الترفي الجميل تصبح أيضا مأزومة.
رقابة المجتمع.. الزوج
أما مريم الخاطرية التي كانت تتجول في المعرض صباح الأحد فهي ترى أن الأزمة الحقيقية هي أزمة رقابة أسرية بالنسبة لي، رغم أنني معلمة إلا أن زوجي ما زال يراقب الكتب التي اقرأها وعليه أن يجيز لي ما اقرأ وإلا فإن سلسلة مشاكل لا نهاية لها ستكون أمامي. وتضيف الخاطرية ربما هناك أزمات كثيرة في مسألة القراءة ولكن بالنسبة لي على الأقل أن الوعي الاجتماعي ما زال منخفضا حول أهمية القراءة وحول أن الكتاب يزيد وعي القارئ ولا ينقصه وليست وحدها الكتب الدينية التي يجوز لنا أن نقرأها بل هناك روايات رومانسية وكتب علمية وكتب سياسية وكتب اجتماعية تنمي فينا الوعي بالحياة وبما يحدث من حولنا. لكن أن يفرض المجتمع علينا رقابته إضافة إلى رقابة الدولة التي باتت أقل بكثير من حدة الرقابة المجتمعية فإن المجتمع سيبقى بعيدا عن الكتاب وسيبقى عرضة للكثير من الاختراقات التي تشن حوله والكثير من المحاولات لجره نحو ثقافة بعينها.
ومريم التي تحمل الكثير من الروايات تقول: هل تصدق أن هذه الروايات سوف اقرأها في المدرسة ولن أستطيع أن أدخلها إلى البيت. تضحك مريم وتمضي.
لا أعرف أين المشكلة!
أما علي العريبي من دار رياض الريس فيقول بعد تردد لا أعرف في الحقيقة أين تكمن المشكلة، ولكن أعتقد أن هذا العام نسبة الإقبال على كتبنا بشكل خاص قليلة وقد لا نستطيع أن نعوض مصروفاتنا بعد أن قدمنا نسبة خصم وصلت إلى 30%.
ولا يرى العريبي أن أزمة الكتاب الورقي سببها الكتاب الإلكتروني، رغم أنه يعترف بمشكلة القرصنة التي تحدث اليوم. ويدعو العريبي المواطنين العرب إلى العمل بشكل جدي لتكوين مكتبات منزلية لأنها هي التي من شأنها أن تحل الكثير من المشاكل وخاصة مشكلة القراءة.
أما محمود سيف من مبيعات دار الشروق فيقول بالنسبة للوطن العربي لا يشكل الكتاب الإلكتروني خطرا على الكتاب الورقي، فمبيعاته حتى الآن لم تتجاوز الـ5% فقط فيما هي في العالم الغربي تتراوح بين الـ40% و60% كما هو الحال في أوروبا وأمريكا، ويبدو الكتاب الإلكتروني أمامه وقت طويل حتى يصل إلى هذه النسب الغربية.
لكن محمود سيف يرى أن هناك مشكلة أخرى وهي مشكلة قرصنة الكتب، وانتشار الكتب المزورة، فكتاب الشروق المطبوع في مصر تجده يباع مقرصنا في مختلف العالم العربي ورقيا وإلكترونيا أيضا. وهذا يخلق أزمة صعبة لدور النشر وتنعكس بالتالي على القارئ، ولا بد أن يكون لدور النشر في العالم العربي كلمة موحدة حول هذا الأمر.
أزمة مكتبات
أما صاحب دار مسعى للنشر محمد جابر النبهان فيرى أن الأزمة هي ازمة مكتبات، لأن لدى المكتبات أزمة في اقتناء الكتب، فهم لا يريدون مثلا اقتناء الدواوين الشعرية، ويكتفون بالكتب الاستهلاكية فقط. وهذا الأمر من وجهة نظر النبهان حدث في أمريكا أيضا حينما اكتشفوا أن الشعر تراجع إلى الأرفف الخلفية!! المكتبات تبحث عن الكتب الاستهلاكية ولا ترغب في اقتناء الكتب التي تحمل معرفة حقيقية ولذلك يضطر الناشر أن يجاري المكتبات، وفي اعتقادي أن أصحاب المكتبات هم الذين خلقوا هذه الأزمة، وهم ليس لديهم ثقافة توفر الكتاب حتى لو لم يجد مشتر سريع له…
ويضيف النبهان أن أقول ذلك وأنا لدي مشكلة بنفسي في دار مسعى وهي أن نصف الكتب التي أطبعها هي كتب شعرية والمكتبات لا تأخذها وإن أخذت وتفضلت فلن تأخذ أكثر من خمس نسخ من الإصدار الواحد.. وهذا على حساب الرواية الاستهلاكية وعلى حساب الكتب الفكرية الإشكالية.. ويعود النبهان للقول حتى الرواية ليس كل الروايات تجد لها سوقا ولكن هناك نوعيات من الروايات فقط التي تجد لها ذلك السوق.. المكتبات تبحث عن الكتب السريعة كتب الميترو وكتب الجيب كما هو معروف وهذا موجود عموما ليس في العالم العربي فقط خاصة مع تكريس الميديا لكتب بعينها.
ولا يرى النبهان أن هناك ازمة حقيقية عميقة ولكن الأزمة خلقها أصحاب المكتبات أما القارئ فيخدع بالميديا الحديثة التي تروج له كتب بعينها لكن المسألة معقدة وليست بالسهولة التي تعتقدها.
ورغم أن أسعار دار مسعى ليست مرتفعة وفي متناول الجميع مقارنة بأسعار الكثير من دور النشر إلا أن النبهان يرى أن الحياة أيضا أصبحت غالية الإيجارات مرتفعة أيضا وكذلك الشحن مرتفع وتكلفة الورق والطباعة ارتفعت وهذه كلها تجعل سعر الكتاب يرتفع.
الكتب الورقي بألف خير
ومن دار الآداب تتحدث الناشرة رائدة إدريس لتقول أن المشكلة غير واضحة تماما هل هي مشكلة قارئ أم مشكلة كتاب، لكن الذي أريد أن أقوله أن الكتاب الورقي بألف خير ولم يتأثر حتى أمام الكتاب الإلكتروني كما يحلو للكثيرين القول. لكن أزمة دور النشر اليوم وتحديها الحقيقي هي أزمة التزوير المنتشر في العالم العربي، وكذلك مشكلة الحقوق حقوق الناشر وحقوق المؤلف.
أما حول غلاء الكتاب فإن رائدة ترى ان ذلك طبيعي جدا في دور النشر التي تحترم حقوق المؤلف وحقوق المترجم لأننا ندفع حقوقا للمترجم وحقوقا للمؤلف كبيرة وهذه بدورها ترفع أسعار الكتب ولو تقاضى المترجم حقوقا أقل لربما انخفضت أسعار الكتب.
وعندما قلت لها أن الكتاب العربي أيضا غال وليس فقط الكتاب المترجم قالت نعم هناك مصححين ومراجعين ولجان قراءة وتصميم غلاف وقصة طويلة تجعل من سعر الكتاب يرتفع ولكنه يتحول إلى ما يمكن أن نطلق عليه ماركة عاملية. لكن دور النشر التي لا تقدم حقوقا للمؤلف ولا تجعله يعرف كم نسخة طبع من الكتاب فهي ربما تبيع كتبها بأسعار منخفضة ولكن هذا غبن للمؤلف.
وحول عدد الكتب التي تبطعها دار الآداب في السنة تقول رائدة نحن نتأنى كثيرا في طباعة الكتاب وفي اختيار الكتب التي نطبعا فلا يزيد في الغالب عدد العناوين التي نقدمها في العام عن 35 عنوانا فقط، اما حول توجه الدار لبيع كتبها إلكترونيا فتقول ندرس هذا الأمر من وجهة نظر اقتصادية وربما نفعل ذلك مستقبلا عندما نظمن أن لا تؤكل حقوقنا ولكن حتى الآن لم نبدأ في بيع نسخ إلكترونية.
الربيع العربي السبب
أما الناشر نديم مروة من دار الانتشار العربي فيرى أن المشكلة التي تواجه دور النشر اليوم هي الأحداث التي تحدث في العالم العربي والتي جعلت منه مقطع الأوصال، لم نعد نستطيع الذهاب إلى سوريا وكانت سوقا كبيرة ولم نعد نستطيع الذهاب إلى ليبيا ولا العراق حتى معرض كردستان العراق الذهاب إليه مخاطرة كبيرة وعلينا شحن الكتب عن طريق تركيا والأمر يحتاج إلى الكثير من الالتفافات، حتى شحن كتبنا إلى معرض الرياض بات خطيرا لأن ألمر يحتاج أن نمر بداخل سوريا وكذلك الأردن.
أما ارتفاع الأسعار فبسبب ارتفاع أسعار الورق وكذلك الشحن الذي ترتفع أسعاره سنة بعد سنة.. والقارئ يقول وما ذنبي أنا ولكن حتى الناشر يقول ما ذنبي انا أيضا.
أما حول عدم دخول الدار للنشر الإلكتروني فيقول نديم المشكلة تقنية حتى الآن فالبرامج لا تدعم الآيات القرآنية من حيث أنها لا تظهر الحركات على الحروف. كما يتحدث نديم عن مشكلة القرصنة التي صارت منتشرة في العالم العربي ولا يبدو أن ثمة حل لها أبدا.
المشكلة معقدة
تبدو المشكلة معقدة فعلا ومتداخلة وتحتاج إلى تدخل الحكومات العربية إن كانت مهتمة أن تنشئ مجتمعا قارئا من خلال سن تشريعات تحفظ حقوق الملكية الفكرية وتفعلها أيضا ومن خلال دعم الكتاب وخاصة خلال معرض الكتب بشكل خاص إضافة إلى تحرك المؤسسات التعليمية لشراء الكتاب الجاد وعدم تكريس فكرة الكتاب الديني فقط لأن التوازن أمر مطلوب في جميع الأمور حتى لو كان الأمر لدى طلاب المدارس والجامعات.

إضافة تعليق