القراءة على وميض صواريخ غزة

لقد فرضت غزة واقعاً جديداً؛ لن يكون العالم بعده كما كان قبله.

كان الغرب قد استغل غفوةً ألمت بنا تراخت فيها أيدينا عن الكتاب ليدسَّ بيننا صهاينةً مَلَّ عشرتهم، ثم راح- على مدى ستين عاماً- يروِّج لأكذوبة حق إسرائيل في الوجود، ويرِّبت على أكتافنا: مردداً- كما يفعل الشيطان بالنائم-: عليك ليل طويل فارقد..

لم يكن الغرب الاستعماري يجهل حفاوتنا بالكتاب، ولا اعتلاءنا صهوة الحضارة، عندما راح المأمون على حداء نداء ?اقرأ? يشتار الكتب لبيت الحكمة من كل فجٍّ عميق، ويستخرج كتب الفلسفة الإغريقية من المخازن التي أحكمت الكنيسة أقفالها خوفاً على رعاياها من الضلال؛ يتقبلها غرامةً عينية بعد غزوه لقبرص، وكان فريقه برئاسة الحنين بن إسحاق بانتظارها يتلقفها بالترجمة ليضعها بين أيدي العلماء؛ يكبون عليها دراسة وتحليلاً وصهراً في بوتقتهم، ثم ليعيدوا إنتاجها خلقاً جديداً مطبوعاً بطابعهم، مذخوراً بقيمهم.

وعندما كانت شمس حضارتنا تسطع نوراً وعلماً في قرطبة وغرناطة؛ كان الجهل والظلام يلف الغرب من أركانه الأربعة، كما تشهد بذلك رسالة جورج الخامس ملك بريطانيا إلى هشام بن الحكم:

" من جورج الثَّاني ملك إنكلترة والغال والسُّويد والنروج، إلى خليفة المسلمين في الأندلس، صاحب العظمة هشام الثَّالث الجليل المقام.

بعد التَّعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرُّقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصَّافي معاهد العلم والصِّناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل، لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم، ولنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أربعة أركانها، وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة ديوبانت على رأس بعثة من بنات أَشراف الإنكليز، لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وفي حماية الحاشية الكريمة والحدب من قبل اللواتي سيقمن على تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهديَّة متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التَّكرُّم بقبولها، مع التَّعظيم والحبِّ الخالص من خادمكم المطيع.    

                                           جورج م.أ

                                            [ لوحات مضيئة في الحضارة العربية الإسلامية ، د.شوقي أبو خليل –د. نزار أباظة، ص48-49، دار الفكر، سنة 2007]

ثم كان من أمرنا أن غلبنا النعاس، وأدركتنا سِنة من النوم- طال أمدها- هجرنا فيها الكتابَ، وعزفنا عن القراءة عزوفاً أمعنا فيه إلى درجة الخزي والفضيحة، حتى بتنا مضرب المثل، وحجزنا لأنفسنا أول درجة من أسفل سلَّم إنتاج الكتاب وقراءته في العالم. وتكفل (تقرير التنمية البشرية لعام 2003) بتوثيق ذلك استناداً إلى إحصائية اليونيسكو التي سجلت للعالم العربي مجتمِعاً إنتاج 6500 عنواناً في عام 1991 مقابل 42000 عنوان في أمريكا اللاتينية و 102000 عنوان في أمريكا الشمالية.

وراح التقرير بعد ذلك يتفنن في أساليب عرض هذه الفضيحة، فيسجل للإسرائيلي الواحد قراءته 40 كتاباً في العام، و35 للأوربي، مقابل كتاب واحد يقرؤه واحد من كل ثمانين عربي. ويستخلص من ذلك أن ما يقرؤه الإسرائيلي الواحد يحتاج إلى 3200 عربي ليقرؤوه وذلك هو حاصل ضرب 40×80= 3200 وأن ثقافة الإسرائيلي الواحد = ثقافة 3200 عربي.

وبعيداً عن إحصاءات اليونيسكو، فإن بؤس الثقافة العربية، والعزوف العربي عن القراءة يبدو جلياً من عدد النسخ التي يطبعها الناشر من كل عنوان، والتي هبطت إلى أقل من خمس مئة نسخة؛ مما يعني أن الناشر يطبع من كل عنوان ينشره نسخة واحدة لكل مليون عربي.  

لقد فتحت غزة أعيننا على مكمن الداء، الذي أدركه عدوُّنا وكنا عنه غافلين، فعندما

 

لامَ موشيه دايان قوْمُه على نشره مخططات إسرائيل لشن عدوانها علينا؛ طمأنهم إلى أننا لا نقرأ السطور؛ فضلاً عن قراءة ما بينها وما وراءها.


وبالداء ذاته خضنا حربي الخليج الأولى والثانية؛ دون أن نفطِن إلى أننا خضناهما لصالح أمريكا؛ تمهيداً لاحتلالها أرضنا في العراق، طبقاً لمخططاتها التي نشرتها قبل عشرين عاماً؛ كتباً ومقابلات صحفية، مررنا بها مرور المغفلين كأنها أضغات أحلام لا تعنينا، ولسنا موضوعها.

الكتاب الذي هجرناه- غفلةً عنه واستهانةً به – هو الدواء.. والعودة إليه والإمساك به والنهم لقراءته؛ مفتاح كل نهوض وتحضر وانتصار.

فالكتاب هو المعيار الذي يوزن به الإنسان فرداً كان أو مجتمعاً، فيكون وزنه بمقدار ما يقرأ، وتكون قراءته دليلاً على إنسانيته؛ يقال للإنسان: اقرأ وارتق فإن منـزلتك عند آخر كتاب تقرؤه، وكلما ابتعد الإنسان عن الكتاب فقد شطراً من إنسانيته؛ حتى إذا سقط الكتاب كلياً من يده خسر رتبته الإنسانية، ودخل في عالم انعدام الوزن، ليعود فيه إلى الجانب الحيواني المسخر للإنسان؛ فإنما الإنسان حيوان قارئ. وحده الإنسان من بين الكائنات الحية يكتب معلوماته ويختزنها ويضيف إليها ويراكمها، ثم يعيد قراءتها لينمو بها ويتطور.. هل رأيت كبشاً أقرن يقرأ؟!

للنحلة هندسة رائعة تبني وفقها خلاياها، ونظام معقد تنتج بموجبه عسلها، لكن نظامها لا يتطور، هو ذاته كما كان قبل عشرة آلاف عام، وسيكون ذاته بعد عشرة آلاف عام. وعسلها لا تنتفع به، إنما تقدمه هدية للإنسان مثلها مثل البقرة الحلوب.. كلاهما لا يقرأ.. وحده الإنسان يقرأ.. وبالقراءة يكون إنساناً.. ومن دونها يصبح غثاءً كغثاء السيل؛ لا وزن له، ولا قيمة، ولا حوْل ولا طوْل.

لم يكن للاستعمار أن يجوس خلال ديارنا، ولا لدولة إسرائيل أن تقوم على أنقاض بيوتنا، ولا للصهاينة أن يستوطنوا فلسطين على أشلاء أطفالنا وبعد تشريد أهلنا، ولا للأمم المتحدة على الظلم أن تتجاهل قضايانا العادلة، ولا لعالمَ النفاق أن يسمي حقنا بمقاومة الاحتلال إرهاباً، ويسمي إرهاب الدولة الصهيونية وجرائمَها الوحشية ضد الإنسانية دفاعاً عن النفس.. لو لم نكن غثاءً كغثاء السيل.. ولا كنا غثاءً كغثاء السيل لو لم نترك القراءة، ونحن أبناء الحضارة التي بدأت أولى خطواتها على حداء ?اقرأ ?.

أطفال غزة علمونا كيف نتحول من حالة انعدام الوزن – حالة غثاء السيل- إلى حالة الفعل التي يثقل بها الميزان.

العالم كله شاهدهم على الشاشات؛ يهبّون من تحت الرماد؛ يتأبطون حقائبهم وكتبهم

 

إلى خيام نصبت على أنقاض مدارسهم المهدمة، لتكون مدارسَ لهم يلقنون العالم من خلالها دروس العزة وقوة الذات.. العالم كله أصغى إلى أطفال غزة يتحدثون بلغة أكبر ونبرة أعلى وأكثر طمأنينة وثقة بالنفس وبالمستقبل؛ من لغة الكبار.


غزة!! لم تكن المجزرة الأولى التي ترتكبها إسرائيل، ولم تكن الأعنف.. فقد عودتنا إسرائيل على المجازر والمذابح بدءاً بدير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وقانا.. وغيرها كثير.

القتل، والإبادة الجماعية، والتدمير الشامل، ونسف المنازل وإهلاك الحرث والنسل، وقضم الأراضي، واغتصاب الحقوق، وموت الضمير، وذبح القيم الإنسانية، ومخالفة النواميس الكونية.. كل ذلك أساس يقوم عليه كيانها، ودستور يرسم لها سبل وجودها..

لكن سنة الله في نشوء الأمم وهلاكها، وقيام الحضارات وزوالها، لا تسير وفق أهواء الطغاة؛ فها هو القرآن الكريم يحدثنا عن قارون الذي أوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، كيف خسف الله به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، ليكون في التاريخ عبرة لمن يعتبر، وليذكِّر الناس ?أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ? [ القصص 28/78].

دأبت إسرائيل – مشكورة – منذ قيامها قبل ستين عاماً؛ على أن توجه إلينا الصدمة تلو الصدمة، تجرعنا في كل منها ألوان العذاب؛ فكنا نصحو قليلاً على وقع الصدمة، ثم ما نلبث أن نغط في سباتنا العميق، لتعود إلى تعذيبنا من جديد؛  تروم ترويضنا – كما يروَّض العبد، أو الحصان الشموص- أو تروم إلهاءنا كسباً للوقت، لممارسة المزيد من قضم الأراضي، وتهجير أهلها؛ تمهيداً لاستكمال تحقيق شعارها (دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل)، الذي رمزت له في علمها بنجمة سداسية بين خطين أزرقين.

لكن غزة هذه المرة، خيبت ظنها، وأبطلت سحرها، وواجهتها بصحوة لن يكون بعدها غفوة..

لم تدرك إسرائيل التحول الكبير الذي تنعطف فيه الإنسانية من عصر الصناعة المرتكز على الأشياء إلى عصر المعرفة المرتكز على الأفكار.

 


لم تدرك إسرائيل ما فعلته ثورتا المعلومات والاتصالات من تكسير الحواجز، وتفجير المعارف، وإسالة المعلومات، واختراق الخصوصيات، وكشف الأسرار، ورفع

الأستار، وتجاوز الأحاديات؛ حتى بات الإنسان في أعمق الأدغال، يعيش أحداث العالم لحظة بلحظة؛ يشارك فيها، ويسهم في إدارتها كأنه فيها.    لم تدرك إسرائيل أن ضمير العالم لم يعد يحتمل كذبها وتلبيسها، ولم يعد ينخدع بأحابيل المنافقين المتواطئين معها، المتحدثين بلسانها، الساكتين كالشيطان الأخرس عن جرائمها، فإذا بشوارع العالم كله تمتلئ بالمحتجين الساخطين، وإذا بأحرار العالم يهبون مطالبين بمحاكمة إسرائيل؛ قد دونوا لها كل ما ارتكبته من جرائم حربها المجنونة على شعب أعزل، أولاً بأول، وكأني بمجرمي الحرب من قادة إسرائيل ؛ سياسيين وعسكريين، ومن متواطئين معهم قد كُبِّلت أيديهم، وسيقوا إلى المحاكم زمراً، وفي عنق كل منهم سجل جرائمه موثقاً بالصوت والصورة: ينادى عليه أن ?اقْرَأْ كِتابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً? [الإسراء 17/14].

? وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهَذا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حـاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَـداً? [ الكهف 18/49].

أما نحن؛ فهل أدركنا أننا نعيش الآن عصر الكتاب، وأن الكتاب فيه قد أصبح هو الإنسان، والإنسان هو الكتاب، وأن الإنسان أصبح يوزن بمقدار ما يقرأ، فإن لم يقرأ شيئاً فقد إنسانيته، وفقد معها مسوِّغ وجوده؛ ليصبح غثاءً كغثاء السيل؛ بلا وزن ولا طعم ولا جدوى؟!

فلنقرأ جميعاً على وميض صواريخ غزة !!

                                                               محمد عدنان سالم

31/01/2009

إضافة تعليق

7 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.