القصاص . . عدالة إلهية يشكك فيها المغرضون

جاءت الشريعة الإسلامية بكل ما يحقق العدل بين الناس ويوفر لهم الحماية من جميع أشكال الإجرام والانحراف السلوكي التي عرفتها المجتمعات الإنسانية، ولذلك عاش في حمايتها المسلم وغير المسلم، ووفرت الأمن والطمأنينة للجميع، وشهدت المجتمعات التي التزمت بأحكامها وآدابها وأخلاقياتها أماناً ما بعده أمان . ورغم عظمة أحكام هذه الشريعة السماوية الخاتمة واعتراف فقهاء القانون المنصفين في العالم بتميز المنظومة القانونية الإسلامية إلا أن خصوم الإسلام في الداخل والخارج قد حاولوا التشويش على أحكام شريعة الإسلام واتهامها بما ليس فيها وتجريدها من محاسنها وسماتها المميزة لها في محاولة يائسة لعزلها عن حياة المسلمين وحرمان غير المسلمين من عدالتها، وهؤلاء الخصوم المغرضون يحاولون التشكيك في عدالة ومصداقية الشريعة الإسلامية من خلال اتهام العقوبات التي جاءت بها هذه الشريعة الغراء بالقسوة وإهدار حقوق الإنسان . . وهو اتهام ساذج حيث لا يستند إلى دليل ولا يسانده برهان .

الفقيه والداعية د . نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق يؤكد أن الشريعة الإسلامية في كل أحكامها وتشريعاتها لا تعرف العنف ولا القسوة وتستهدف تحقيق العدل بين الناس وتوفر لهم حياة آمنة وتحميهم من المجرمين من خلال العقوبات الشرعية والحدود التي جاءت بها هذه الشريعة لمواجهة الجرائم والانحرافات المادية والأخلاقية، ويوضح المعاني والمفاهيم فيقول: تطلق كلمة الجناية في الشريعة الإسلامية على كل فعل محرم نهت عنه شريعة الإسلام وعاقبت عليه لما فيه من ضرر يقع على النفس أو على المال أو على العقل أو على العرض . . أما كلمة “الحدود” فتطلق شرعاً على كل عقوبة وقعت على من ارتكب جريمة أو جناية نهت عنها الشرائع السماوية والعقول الإنسانية السليمة، فالله تعالى يقول: “تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون” ومعنى هذه الآية الكريمة أن هذه الأحكام هي حدود الله الفاصلة بين الحلال والحرام فلا تتجاوزوها، بل قفوا عند الحلال وافعلوه، وكفوا عن الحرام فلا تقربوه، واعلموا أن من يخالف ذلك يعرض نفسه للعقاب، ويصبح من الظالمين .

 إجراءات وقائية

 ويضيف د . واصل أن شريعة الإسلام لم تقف عند توقيع عقوبة على مجرم كما هي حال التشريعات القانونية المطبقة الآن في كل المجتمعات الإنسانية، بل هي قبل توقيع العقوبة تتخذ العديد من الإجراءات الوقائية لكي تحمي المجتمع من الجرائم والانحرافات المتعددة التي تهدد أمنه واستقراره . . كما أنها تلتمس الأدلة والبراهين التي قد تحمي الإنسان من ظلم وقع عليه بعد تقرير العقوبة . ففي جريمة القتل العمد مثلاً نجد شريعة الإسلام ترهب من قتل الإنسان ظلماً وعدواناً، وهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحرم تحريماً قاطعاً قتل إنسان إلا بالحق . . يقول سبحانه وتعالى: “ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً” .

 ففي هذه الآية الكريمة يتوعد الخالق عز وجل كل إنسان يقترف جريمة القتل لغيره ظلماً وعدواناً بجملة من العقوبات هي: الخلود في جهنم، وغضب الله على هذا القاتل، وحلول اللعنة والعذاب العظيم عليه في الآخرة . . والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: “كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً” .

 وبعد التحذيرات المتكررة والترهيب المتواصل للإنسان من اقتراف هذه الجريمة تأتي العقوبة الرادعة، إذا لم يتعظ الإنسان ولم يستجب لنداء الحق والعدل، وتجرأ على إزهاق روح بريئة فيكون قد ارتكب جناية من أقبح الجنايات، وجريمة من أشنع الجرائم، فمن يقتل فرداً واحداً فكأنه يعتدي على الإنسانية كلها . . يقول الحق سبحانه وتعالى: “أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً” .

 عدالة ورحمة

 ولأن شريعة الإسلام تقوم على العدل والإنصاف  كما يقول د . واصل  فقد رتبت على جريمة القتل أموراً كثيرة منها:

 حرمان القاتل من الميراث والوصية، فلا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئاً لا من ماله ولا من دينه إذا كان من ورثته سواء أكان القتل عمداً أو خطأ، فالقاعدة الفقهية تقول: “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه” .

 وإذا لم توقع على القاتل عقوبة في حالة ما إذا عفا أولياء القتيل عن القاتل أو رضوا بالدية فيكون على القاتل كفارة لأن ما فعله جريمة تستدعي الاستغفار والتوبة والندم، والعقوبة التي قررتها شريعة الإسلام لجريمة القتل العمد هي القصاص، وهو ما يطلق عليه في القانون الوضعي “الإعدام” فالله سبحانه وتعالى يقول: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم . ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون” . ومن خلال هذا النص القرآني يتضح لنا أن الإسلام قد جمع تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة، إذ جعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إذا طالبوا به، لا ينازعهم في ذلك منازع، وهذا عين الإنصاف والعدل، وجعل الدية عوضاً عن القصاص إذا رضوا بها باختيارهم، وهذا عين الرحمة واليسر . ثم بين الحق سبحانه أن في تطبيق عقوبة القصاص حماية لأرواح الأبرياء، فمن يعرف أنه إذا ما قتل إنساناً سيقتل مثله فلن يقدم على اقتراف هذه الجريمة النكراء وبذلك نحمي أرواح الجميع .

 حماية المجتمع

 من هنا يؤكد د . محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر أن العقوبات في شريعة الإسلام لها هدف نبيل يتمثل في الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته، وعلى صيانته من كل سوء، فقد شرع العقوبات لمنع انتشار الجرائم والانحرافات التي تفسد حياة الناس وتحول أمنهم واستقرارهم إلى فوضى، وتجلب لهم كل المفاسد والشرور .

 وينبه د . عثمان إلى حقيقة مهمة وهي أن إلغاء عقوبة القصاص أو الإعدام كما يطالب البعض سيحول المجتمع كله إلى حالة من الفوضى لا يمكن السيطرة عليها، فنحن الآن وفي ظل تطبيق عقوبات رادعة على القتلة والمجرمين نعاني من فوضى وتنتشر في مجتمعات المسلمين جرائم القتل العمد والاغتصاب والاتجار في السموم وسرقة المال العام بجرأة غير مسبوقة، وكل هذه الجرائم لو خففنا فيها العقوبات وأعطينا فرصة للقتلة وكبار المجرمين لينعموا بالأمن والأمان تحت شعارات إنسانية جوفاء، لو فعلنا ذلك فستتضاعف جرائم القتل والاغتصاب وغيرها من الجرائم الخطرة في بلادنا .

 ويضيف: لابد من أن نعود إلى التشريعات الإسلامية لمواجهة موجات الإجرام غير المسبوق الذي اقتحم حياتنا، ولابد من أن نطمئن جميعاً إلى عدالة التشريعات الإسلامية وقدرتها على تحقيق الأمن والطمأنينة لكل أفراد المجتمع .

 ويتعجب د . عثمان من هؤلاء السطحيين الذين يتطاولون على الشريعة الإسلامية ويتهمون أحكامها بالقسوة وإهدار حقوق الإنسان ويقول: يدافع هؤلاء عن حقوق القتلة المجرمين ويهدرون حقوق ضحاياهم ويتساءل: هل من العدالة والإنصاف أن نعفي المجرمين والقتلة من عقوبة تناسب ما ارتكبوه من إجرام؟ ولو تم تطبيق هذه الشعارات الفارغة ووفرنا حياة آمنة للمجرمين داخل السجون فمن يأخذ لهؤلاء الضحايا حقوقهم المهدرة؟

 ويقول: يجب أن تتوقف هذه المطالبات الغريبة، وأن يدرك الجميع أن أحكام الإسلام وتشريعاته عادلة ومنصفة وتستهدف حماية المجتمع كله، وأن العقوبات في الإسلام شرعت لتحقيق أمن واستقرار الجميع ولحماية مصالح الناس وجلب الخير لهم ودفع الشر عنهم، ولتهدئة غضب المظلوم الذي اعتدى

الظالمون على أبيه أو على ابنه أو على شقيقه بغياً وعدواناً .

إضافة تعليق

5 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.