القمة الثقافية العربية مجدداً؟

هل تغير الحال واستقرت الأوضاع في العالم العربي لننادي بعقد القمة الثقافية العربية مجدداً؟ وهل صار في إمكان المثقفين أن يتحاوروا مع الزعماء العرب حول القضايا المفصلية التي تواجهنا في زمن الانتفاضات الشعبية؟

في اجتماع مكتبه الدائم الأخير، المنعقد في القاهرة، أعاد الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب طرح موضوع «القمة الثقافية العربية» التي بدا أن الثورات والانتفاضات العربية المشتعلة طوت ملفها. وقال الأمين العام للاتحاد الصديق محمد سلماوي إنه أُجري اتصال مع أمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي لإحياء مبادرة القمة الثقافية التي كان الأمين العام السابق عمرو موسى قد ناقشها مع الاتحاد وعدد من المؤسسات الثقافية العربية. وللتذكير، فإن القمة كانت ستُعقد هذا العام بحضور الملوك والرؤساء والزعماء العرب لبحث عدد من الأمور الأساسية المتعلقة بحالة التعليم ووضع الثقافة ومشاكل الكتاب في العالم العربي ليتم اتخاذ قرارات قومية في شأنها تكون بمثابة مشاريع قوانين يسعى الزعماء إلى تطبيقها على الصعيد الوطني والقومي.

كانت هذه هي فكرة المؤتمر الذي تشكلت لوضع استراتيجيته لجان عدة من المثقفين البارزين والمؤسسات الثقافية القومية العربية. لكن اندلاع شرارة الثورات والاحتجاجات الشعبية، التي تطالب بإسقاط الأنظمة أو إصلاحها، وضعت الموضوع على الرف، أو أنها على الأقل أجّلت الحديث عنه إلى إشعار آخر. فإذا كان الزعماء العرب غير قادرين على عقد مؤتمر قمة عادي يتداولون فيه حول الهزات السياسية التي تصيب أوطانهم، فهل هم راغبون في بحث موضوعات تتعلق بالتعليم والثقافة وانتشار الكتاب والقوانين التي قد تفرج عن الكتاب المعتقل في دوائر الرقابة على المطبوعات في معظم العواصم العربية من المحيط إلى الخليج؟

لكن يبدو أن لدى أمين عام الاتحاد أملاً في عقد القمة الثقافية، فهو بناء على اتصالاته يرى أن ذلك ممكن وضروري في مرحلة يتغير فيها العالم العربي، وتطالب الجماهير بعقد اجتماعي جديد يحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع، كما أنها ترفع إلى جانب شعارات الإصلاح والتغيير في السياسة شعارات تطالب بإصلاح التعليم والنهوض بالوضع الثقافي واللحاق بالأمم المتقدمة التي سبقتنا بسبب التخلف الذي جرّته علينا أنظمة التبعية والاستبداد والفساد الإداري والمالي. يستدعي هذا إذاً ثورات في التعليم والثقافة توازي المطالبة بالتغيير في السياسة والحكم والدساتير والقوانين الناظمة للحياة العامة. فمن دون إصلاح التعليم والنهوض بالثقافة، لن يكون هناك تغيير في السياسة والحكم وسنبدل طاغية بطاغية وأنظمة فاسدة بأنظمة تحل محلها وتتدرج في الفساد حتى تفوق سابقاتها. ما نحتاجه هو ثورة في الدساتير والقوانين، وأنظمة التعليم، في مراحله كلها، أو في قنوات نشر الثقافة، وتغليب روح الإبداع والتفوق في هذه المجالات.

انطلاقاً من هذا التصور ربما يكون لعقد القمة الثقافية دور في توجيه النظام العربي نحو الإجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بضرورة النهوض بواقع العرب الذين صاروا في ذيل الأمم لأسباب يتربع على رأسها انهيار التعليم وتردي واقع الثقافة وعدم وجود استراتيجيات فاعلة في قطاعات التربية والتعليم والثقافة. لكن المشكلة التي تعترض هذه القمة تتمثل في انشغال النظام العربي بحماية نفسه من الثورات التي تهدد وجوده، والإفلات بأقل الخسائر من الدعوات التي تصر على تغيير الأنظمة أو إصلاحها على أقل تقدير. كما أن من الصعب في الوقت الحالي توقع شكل أو طبيعة الأنظمة التي ستنشأ حين تستقر الأوضاع في العالم العربي، وما هي أولويات تلك الأنظمة واستراتيجيات عملها وتفضيلاتها على صعيد التعليم والثقافة. إننا نمر في حال من السيولة التي تجعل التفكير في جمع المثقفين مع الملوك والرؤساء العرب أمراً مستبعداً في الوقت الراهن، حتى لو رغب الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية بذلك.

إضافة تعليق

1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.