الكتابة والاستشراف

تعد عملية الكتابة، أمراً بالغ الصعوبة، لأن مجرد إتقان صياغة العبارة، ومن ثم تعلم صناعة بناء النص، من قبل بعضهم، وتناول أفكار ما، طالما تم استخدامها، من قبل، فباتت ممجوجة، مستهلكة، إلى الدرجة التي لايستطيع اللاحق تسجيل أية إضافة على السابق، فإن ذلك لن ينتج نصاً مؤثراً، لاسيما أننا بتنا نجد من حولنا، من يعيد صياغة الخبر الإعلامي الذي تبثه وسائل الإعلام الهائل، ليفبركه شكلياً، بعد تحديد موقف ما من خلاله، سلباً أو إيجاباً، ليصنف نفسه، في خانة الكتاب، وهو أمر بات يلحق المزيد من الضرر بالكتابة، لاسيما في زمان انتشار ثورة الاتصالات، ووجود مليارات الصفحات الإلكترونية الافتراضية، في انتظار ملئها يومياً، وإن كان بعضها غير مرئي، إلا من قبل ناشرها، وقد يكون الكاتب نفسه .

وإذا كان هذا الضرب من الكتاب، يستطيع من خلال تكرار طروحات السابقين عليه، أن يصنف موقعه الرؤيوي، أو الفكري، فإنه وعبر مراكمة تكرار المتناول، قادر أيضاً على أن يسهم في ترسيخ دلالة ما، وتشكيل رأي عام، بيد أن هذا كله، يجعله خارج التصنيف القيمي، الإبداعي، وهي مشكلة كبيرة، تواجه الباحث أمام زحمة النصوص، المتشابهة، المكررة، والمستنسخة، عن أصل واحد .

أجل، هذا النوع من الكتابة، حتى وإن أدى مهمة تكريس رأي ما، من دون الآخر، إلا أنه ينسى مهمته الإبداعية، وهذا يعني نسيان وظيفة رئيسة له، تتجسد في مهمة الكشف، التي هي شرط مهم في أية كتابة لاحقة، لأننا لو استعرضنا أي حدث راهن، لوجدنا أن أمام سيل الكتابات التي تناولته، لم تفلح إلا كتابات قليلة، في الإمساك بتلابيب الحدث، من خلال نظرة بانورامية، لا تقف عند حدود هذا الحدث، بل تستشرف اللحظة المقبلة، حيث إن مثل هذا الاستشراف هو الأكثر أهمية في أية مادة مكتوبة، لا سيما عندما تكون مبنية على أسس من الاستنتاج والوعي العميقين، بعيداً عن قراءات  ضروب  المندل، و التنجيم، والفأل، وفنجان القهوة، وغيرها .

وعلى صعيد آخر، فإن القراءة الانفعالية قد تؤدي مهمتها على نحو عكسي، ومن بين ذلك فإن صاحب القراءة، في مثل هذا المقام، قد يسيء إلى نفسه، وقضيته، وهو ينوي الإفادة، لأن تناول الواقع من قبل الكاتب يجب أن يتم عبر حساسية عالية، في كيفية التركيز على ملامح معينة، وإبعاد سواها .

لقد أكدت الثورات التي تمت، من حولنا، أن هناك كتاباً، ومفكرين، استطاعوا أن يضعوا أصابعهم على مركز الحدث، وحققت كتاباتهم المعادلة المطلوبة من أي كاتب قدير، بيد أن هناك آخرين، فشلوا في ذلك، ولعل الأكثر فشلاً، هو ذلك الكاتب الذي يغرق في إحباطات اللحظة الصعبة، ويفتقد بوصلة الثقة، بالشعوب، بعيداً عن أشكال اليأس والاستسلام .

ومن هنا، فإن كاتباً يتناول المشهد، مجزوءاً، من خلال زاوية الرؤية السهلة، وعدم تمكنه من اختراق البعد الآخر للوحة، فإنه لمن الخير له، أن ينصرف عن الاهتمام بالقضايا الحساسة، والمصيرية، وألا يتحول، من دون أن يدري، إلى أداة ضد مصلحته، وأهله، ووطنه، وهنا الطامة الكبرى .

إضافة تعليق

16 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.