الكتب الأكثر مبيعاً والعلاقات العامة

«الكتب الأكثر مبيعاً». لا شك، تشكل هذه الظاهرة واحدة من أكثر الظواهر حضوراً في معرض بيروت الدولي العربي للكتاب الذي ينظمه النادي الثقافي العربي، كل عام. ظاهرة تستقطب كثيرين، إذ ينتظرون طيلة أيام المعرض صدور الإحصاءات الأولية لينتبهوا إلى هذا الكتاب أو ذاك، وفي مختلف حقول الكتابة، أكانت أدبية أم سياسية أم في فن الطبخ، الخ..

ربما كانت هي الظاهرة التي تحلّ فعلاً مكان الدعاية للكتاب. فكما نعرف، تعمل الدور في الغرب على إطلاق حملات إعلانية للتسويق لكتابها. بيد أن هذا الأمر غير موجود عندنا، من هنا تبدو لائحة الكتب الأكثر مبيعاً وكأنها تشكل هذا الحيّز الدعائي والإعلامي للمنتوج الأدبي.

لكن السؤال الذي يطرح، ما معنى حقاً الكتاب الأكثر مبيعاً؟ وإلى أي حدّ تصل الأرقام المباعة؟ نعرف جيداً، ومثلما يشتكي الجميع منذ سنين عديدة أن القارئ شبه غائب، وأن الإنسان العربي قليلاً ما يقرأ أو يقتني الكتاب. ومع ذلك ثمة ما يخبرنا أن هذا الكتاب أو ذاك باع عدداً من النسخ أكثر من غيره، حتى من دون أن نعرف عملياً هذا العدد.

سؤال يطرح بطريقة ما قضية القارئ وعمّا إذا كان موجوداً فعلاً. وهذا القارئ يتبدى أحياناً عبر ظاهرة ثانية، وهي ظاهرة تواقيع الكتب التي يعتمد عليها كثيرون. إذ تستقطب ظاهرة تواقيع الكتب الجميع، على الرغم من أن بعض الكتّاب يفضلون عدم «التمرين» على هذه الظاهرة، أي يفضلون ترك كتابهم يفرض نفسه بنفسه وسط «أطنان» الكتب الأخرى. ومنهم من يقوم بذلك «مضطراً»، إذ يجد فيه «ارتباطاً أخلاقياً» بالناشر، بمعنى أنه يساهم بدوره في الإعلان عن الكتاب وفي عملية بيعه ما يضمن للناشر استرداد التكاليف ما يشجّعه على نشر عمل آخر في فترة مقبلة. وثمة فئة ثالثة تذهب إلى هذا الأمر طواعية، أي «تعشق» هذا التمرين وتصرّ عليه، إذ أنه يشكل مناسبة حقيقية للبيع. وقد تكون أبرز الأمثلة الصارخة على ذلك، ما كان يقوم به الشاعر الراحل نزار قباني، إذ كان يمرّ كل مساء ولساعات على جناحه، ومن ثم على جناح دار الآداب، ليجلس موقعاً لكل المعجبين بشعره، ما يتيح له مبيعاً محترماً.

هذا المبيع، أثار يوماً الشاعر شوقي بزيع الذي روى لي يوماً هذه «الطرفة»، وأعتقد أنه كتبها، لذلك لا أفشي سراً حين أعيد التذكير بها.

مزاج القارئ

 تقول الطرفة، قام ذات يوم الشاعر شوقي بزيع، وكان في بدايات مسيرته الشعرية، بوضع أحد دواوينه بين كتب نزار قباني المعروضة عند دار الآداب، معللاً فعلته بالقول إن من سيشتري مجموعات نزار لا بدّ له أن يرى كتابه ويشتريه. بعد أيام، سأل شوقي بزيع سهيل إدريس (رحمه الله) عمّا إذا كانت خطته نجحت وباع كتابه «بمعية» كتب نزار، فما كان على سهيل إدريس إلا أن أجاب، ليس فقط كتابك لم يبع (موجهاً حديثه إلى شوقي) بل أن كتب نزار توقفت عن أن تباع.

أسوق هذه الطرفة للقول إنّ هناك إذاً من ينتظر، وإن هناك فعلاً عملية مبيع، وهي تتأتى أكثر ما تتأتى من التواقيع. لكن السؤال الذي يطرح، هل فعلاً النسبة المباعة هي دليل على جودة الكتاب؟

 هنا ندخل في قلب المسألة. لو نظرنا فعلاً لوجدنا أن هناك، منذ سنوات، أنواع كتب لم تكن تثير اهتمام القراء بهذا القدر ككتب التنجيم والسحر والأبراج وغيرها.. لكن مع كل التحولات التي عرفناها على مختلف الصعد، طرأ هذا التبديل في مزاج القراء. لكن هذا لا يعني أن الأنواع الأخرى غابت. فلو نظرنا لوجدنا أن هذه الإحصائيات لا تزال لغاية اليوم تفرد خانات بمسميات مختلفة: الرواية والأدب، الشعر، السياسة الخ.. أي ما زلنا نحافظ على تعدد الأنواع ونفرد لكل نوع باباً تندرج تحته العناوين «الأكثر مبيعاً».

تضامن

 ربما تتجاوز أرقام المبيعات غير الأدبية أرقاماً لا نتصورها، من يدري، إذ في العمق لا أحد يصرح بالرقم الحقيقي، لكن لو توجهنا صوب الكتب الأدبية، هل نجد أرقاماً كبيرة؟ كلنا يعرف أن غالبية الكتب التي تباع تأتي من عملية التوقيع. وعدد الذين يحضرون توقيعاً ما، معروف. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا الطقس الاجتماعي (أي التوقيع) ساهم في نسبة المبيعات. وأقول «طقس اجتماعي» لأن من يشتري يوم التوقيع ليس بالضرورة أن يكون قارئاً، بل ثمة مركبات اجتماعية عندنا تدفعنا إلى القيام بذلك. إنها لحظة تضامن، بمعنى من المعاني. وإلا كيف يمكن تفسير مثلاً أن كاتباً جديداً يصدر إنتاجه الأول، ويقيم حفل توقيع، نجده يتفوق على كاتب له ماض كبير من الكتابة خلفه. إن كان فعلاً يستحق فلمَ لا، بل على العكس ثمة ما يسر في الأمر، ولكن في أغلب الأحيان يكون الكتاب عادياً وكل هذه «الهمروجة» ليس في الواقع إلا عبر «التضامن الاجتماعي».

ثمة وسائل أخرى كنّا نشاهدها في ثمانينيات القرن الماضي، وبخاصة حين تاريخ تمدد الأحزاب. فأن يصدر كاتب عملاً ينتمي إلى حزب معين، كنّا نجد أن الحزب بأسره يدفع «بالرفاق» إلى شرائه تعبيراً «عن مواجهته للامبريالية»... وكأن الأمر قرار حزبي، إذا جاز التعبير.

من هنا، علينا أن لا نفكر كثيراً في هذه المسألة، إذ أنها لا تشير فعلاً إلى جوهر القضية، أي يمكن لكتاب أن يتصدّر القائمة وأن لا يكون فعلاً... كتاباً. ثمة خشية من الكتب «الشعبية»، إذ هل تحمل في طياتها الأدب الحقيقي؟ إنها بحاجة إلى مرور الزمن كي تثبت جدارتها. ربما مسألة رامبو لا تزال تطرح علينا موضوعها. إذ لم يبع من كتابه «فصل في الجحيم» سوى نسخة واحدة. لكن من يستطيع اليوم أن يتناسى هذه القائمة الوارفة التي تظلل الأدب في العالم بأسره؟

 ومع ذلك كله، ربما علينا الاستمرار في هذه العملية. فبالرغم من كل شيء، لا بدّ أن يثير الأمر احتفالية ما. ولا بأس أحياناً من هذا الاحتفاء الجمعي. وبعدها سنعرف إن كان الأدب لا يزال أدباً

جريدة السفير

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.