الكسل.. تاريخ خطيئة

الكسل «آفة» حقيقية اعتبرها الكثير من الحكماء والفقهاء والفلاسفة والأدباء والفنانين بمثابة "خطيئة كبرى"، لكن بالمقابل ترى المجتمعات الحديثة أنه "حق من الحقوق" أو "نوع من ممارسة الحريّة الفردية" باسم التمتع بأوقات الفراغ.

الأستاذ الجامعي ومؤرّخ الثقافة الفرنسي "اندريه روش" يُكرّس كتابه الأخير لدراسة تاريخ ظاهرة "الكسل" والنظرة لها في المجتمعات الأوروبية منذ الأزمنة القديمة إلى اللحظة الراهنة. يحمل الكتاب عنوان "الكسل.. تاريخ خطيئة".

وينقل المؤلف عدداً من التعريفات القاموسية للكسل يصب جوهرها باعتباره نوعاً من "الميل إلى عدم القيام بأي عمل والنفور من أداء أي جهد". والإشارة أن مفهوم الكسل له مرتكزاته العقائدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وإشارة المؤلف أيضاً أن هذه هي المرّة الأولى التي يتم فيها تقديم "تاريخ الكسل" في فرنسا أو في بقية بلدان العالم.

والإشارة أيضاً أن الرومان القدماء كانوا يُميّزون بين "الكسل" و"وقت الفراغ" الذي يُعبّر عن "فضيلة يتمتع بها الأدباء" من أجل إبداعهم. وهي "فضيلة" دافع عنها مبدعون مثل شيشرون وسينيك وغيرهما. ذلك على خلفية اعتبار أن وقت الفراغ المعني يشجّع على "التأمّل" والتفكير. ولم يتردد القديس توما الاكويني في الثناء على "وقت الفراغ الخلاّق".

الميزة الأولى لهذا الكتاب أنه من صنف ما يسمّى بـ "الكتب الجميلة" الذي يعتمد فيه المؤلف على العديد من الصور واللوحات ــ يضم هذا الكتاب 70 رسماً توضيحياً ــ التي تُمثّل "لحظة كسل" مثل صورة تلك الفتاة النائمة الموجودة على الغلاف الأول للكتاب. هذا مع تعليق ـ تساؤل من المؤلف مفاده: "فتاة في قيلولة هادئة. من لا يحلم بمثل هذه اللحظة من الكسل اللطيف والتمتع بفترة بعد الظهر من يوم مشمس؟.

لكن المؤلف يستدرك سريعاً كي يشير إلى وجود أشكال من الكسل التي تم اعتبارها في أوروبا بمثابة "خطيئة كبرى" خلال العصور الوسطى. ذلك من قبل السلطات الكنسية بالدرجة الأولى. بل وشاع توصيفها بأنها "طاعون الروح"، كما ينقل المؤلف. والإشارة أن آثار مثل تلك النظرة السلبية القديمة للكسل لا تزال قائمة وراسخة حتى الآن وفي جميع الثقافات الأوروبية وغيرها من الثقافات، حيث يقارب توصيف "الكسول" نوعاً من الشتيمة.

إن الكسل يتم توصيفه أيضاً من بعض المجتمعات على أنه "أصل جميع الرذائل". لكن المؤلف لا يركز كثيراً على الوجه "الأخلاقي" في معالجته لظاهرة الكسل. بل يعطي الأولوية بالأحرى إلى "التاريخ الثقافي للكسل"، كما يشير. وذلك من خلال الشرح الذي يقدّمه للوحات المرافقة للنصوص.

ويفهم القارئ أنه لم يتم اختيار أي رسم أو نقش بشكل عشوائي. كذلك يلجأ المؤلف إلى استخدام العديد من النصوص الأدبية والفلسفية الخاصّة بالحديث عن الكسل من القرون الوسطى حتى الفترة الراهنة. وينتج منها كلها أن الكسل يعني "عدم امتلاك رغبة عمل ما يتطلّب مبدئياً ضرورة القيام فيه، كان ذلك من أجل النفس أو من أجل الآخرين..".

وينقل المؤلف عن بعض علماء الاجتماع قولهم إن المجتمع الإقطاعي في العصور الوسطى الأوروبية "ساعد على خلق شريحة من المتسولين: الذين أُطلقت عليهم تسمية "من لا فائدة منهم" ممن "يخلطون بين الكسل والضياع".

المؤلف في سطور

اندريه روش أستاذ سابق للتربية البدنية، تحوّل إلى دراسة الفلسفة وحاز على شهادة الدكتوراه في هذا المشرب وأصبح مؤرّخاً للثقافة. عمل بعد ذلك كأستاذ للفلسفة في عدّة جامعات فرنسية من بينها "جامعة مونبلييه" و"جامعة ستراسبورغ". وكذلك عمل في جامعتي "مايانس" و"الانتيل ـ غوايانا" في مقاطعات فرنسا ما وراء البحار، من مؤلفاته :" الحب على ضوء الجريمة" و"تاريخ الرجولة من الثورة الفرنسية حتى اليوم".

الكتاب: الكسل..تاريخ خطيئة

تأليف: اندريه روش

الناشر: ارمان كولان - باريس- 2013

الصفحات: 216 صفحة

إضافة تعليق

6 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.