اللاانتماء والفلافل والقراصنة

في الستينيات راج «اللاانتماء» بعد أن طرحه (كولن ولسن)، في كتابه الشهير، فكان صرخة ضد مراكز الالحاق السياسي والاجتماعي والثقافي، ودعوة إلى الانعتاق، والتحرر حتى من الحرية ذاتها، ولكن اللاانتماء عرض الإنسان للصقيع والاكتهال المبكر، والوحدة، وكان لابد من مدفأة «عاطفية» للتخلص من الدوار، وهكذا عاد الإنسان يفتش عن «قطيع» يندس بين صفوفه، بعد أن استرخصه اقتصاد السوق، وعهرته البورصات السياسية

وإذ ذاك اكتشف، وفي شيء من الدهشة، أن الدفء الحقيقي لم يعد في الـ «نحن» وإنما في الـ «أنت»، وكما قال (شتراوس)، أحد كهنة الدكاكين الثورية الجديدة: «التذمر الحقيقي عند الإنسان المعاصر هو الشعور بالاضطهاد، لا الشعور بالاستغلال. المستغل يتضايق من وضع اقتصادي سيئ، ولكن المضطهد يسحق في إنسانيته، ولايجوز أن نقايض الاستغلال بالاضطهاد!».

أن الرد الوحيد على تفشي الصقيع الاجتماعي في كل مكان هو الرجوع إلى رابطة «الصداقة البدائية»، بكل عفويتها وسذاجتها ونزاهتها. على أن المفارقة تتجلى في أفدح مظاهرها في أن الصداقة التي رفضت في نهاية القرن الماضي، وبدايات هذا القرن، على أساس أنها «عاطفة مترفة ارستقراطية»، لاضرورة لها، تعود اليوم، بزخم مدهش على أساس «أنها كل مابقي لنا بعد انهيار كل شيء».

أليس من المستغرب أن يطالب «الثوريون الجدد» نبش الصداقة من قبرها مجدداً لتكون السلاح الفعال في مواجهة السلطة والمال والانحدار؟ والأغرب أن يعيدوا الحديث عن المرسوم الثوري الذي أصدره (سان جوست) في بداية الثورة الفرنسية، ويتضمن بندين: أولهما إن المتفرد هو عدو الشعب، وعلى كل رجل في الواحد والعشرين أن يكشف أمام الشعب عن أصدقائه، وأن يحدد هذا الكشف كل عام تحت طائلة العقوبة، وثانيهما، أنه يتوجب على كل من يتخلى عن صديق من أصدقائه أن يقدم تفسيراً أمام الشعب، وسيعاقب من يستنكف بقسوة. لقد سقط هذا المرسوم «العاطفي» بعد أن تدحرج رأس (سان جوست) تحت المقصلة، ولكن المدهش أن هناك من يطالب بإحيائه اليوم، بعد كل الانهدامات والفواجع التي منينا بها، وبعد انحسار مفهومي (الأخوة في الإيمان، والرفاقية في النضال).

-2-

أصدر الروائي المغربي (طاهر بن جلون) كتيباً صغيراً في مئة صفحة سمّاه «اللحمة الودية»، بالفرنسية، لعله من أجمل الأناشيد في امتداح الصداقة. هزني هذا المقطع الشاعري: «الصداقة هي ديانة من دون الله ولاشيطان، ولايوم حساب، إنها حب بلا توترات ولاكراهية ولاغيرة ولاانتقام، إنها الصمت النبيل، والطهارة التي لايتسرب إليها التلوث، إنها العطاء لاالتملك، الوفاء بلا مقابل»، وقد لاقى هذا الكتيب رواجاً في الشرق والغرب معاً: في الشرق، لأن الإنسان العربي بعد المجازر العقائدية والطائفية، والطبقية أصبح بأمس الحاجة إلى ظلال الصداقة الوارفة، إلى واحات الود الرطبة، إلى الحوار العطوف النزيه، وفي الغرب، لأن الإنسان الأوروبي، بعد مآسي اقتصاد السوق، وتصاعد الشوفينية والعرقية والبطالة والوحدة، أصبح بأمس الحاجة إلى الحب الصافي من الأدران الحاقدة، إلى اليد الممدودة بحرارة ونزاهة، إلى النظرة الحانية المتعاطفة.

إن الإنسان العربي، وهو يقفز شبه عار في العراء، بلا كسوة سلطوية، ولاعباءة جماهيرية، يتوق إلى الصداقة البريئة، فهي وحدها، القادرة على ضخ شيء من الدفء في شرايينه ونسجه وأليافه، ولم يعد يتحمل إرهاب «الأخوة» ولا انتهاز «الرفاق»: الأولون قد يغتالونه بمسدس كاتم للصوت، في وضح النهار، والآخرون قد يجعلون منه «ممسحة» يغسلون بها خطاياهم وأوزارهم. لقد تعب، وهو بحاجة إلى صدر يرتمي عليه، وقلب يغوص في داخله، وفضاء نظيف يتنفس فيه.

-3-

ومما يشجعني على تنفيذ الانسحاب من «الانسحاب»، ورفع قبضتي، وشتم الزمان والأوغاد، والهتاف بعصبية: «ولو بقي في عمري شهر أو أسبوع، فلن أسكت..» الاحتفالات الحاشدة التي تقيمها هذا الأسبوع، فرنسا الثقافية، بمناسبة مرور 25 عاماً على وفاة (جان بول سارتر)، ومرور 100عاماً على ولادته معاً.

لقد امتاز (سارتر) الذي يطلق عليه اسم «قرصان الحرية» بأمرين: «أولهما مصادرته لألفاظ سوقية ملتقطة من «سوق البراغيث» مثل: الغثيان، القرف، البصق على الوجه، الأوغاد»، واقحامها في كتب الفلسفة والميتافيزيقا الرصينة، وثانيهما دمج «الترفع» الثقافي بالنضال السياسي «الرخيص والملوث!» إذ كان يوزع النشرات الدعائية في الشوارع، ويهتف مع جماهير الناس الغفل، ويتبادل اللكمات، والألفاظ البذيئة مع رجال الأمن. وكان من غير المألوف في الحياة الثقافية والاجتماعية الفرنسية، أن ترى رجلاً وقوراً في الستين من العمر، يرفع لافتات ثورية صاخبة، ويقذف رجال الشرطة بالحجارة، ويوجه إليهم أقذع النعوت «أيها الأوغاد! ارفعوا أيديكم عنا، ابتعدوا عن طريقنا!» وكان من المثير أن تجري الاشتباكات في حي السان جرمان دوبريه، المعروف بمقاهيه الأرستقراطية مثل لودوماغو، والفلور، ولكن (سارتر) لم يكن يكترث بما كان يكتب عنه، ولابما كان يقوله حاسدوه ومنتقدوه. كان يقبل أن تنشر مقالاته الجدية الرصينة في صحيفة فرانس سوار التي كان ينعتها الفرنسيون بأنها صحيفة بوابات البنايات الثرثارات، وحينما عوتب قال ساخراً: «ومن قال لكم بأن البوابة لاتتفوق على بعض وزرائنا وعياً ونظافة ووطنية!».

-4-

تولدت عندي الرغبة في رفع القبضة والصراخ، لأول مرة، حينما كنت في مدينة نيويورك لإجراء مقابلة مع الأمين العام للأمم المتحدة لصحيفة تشرين، في السبعينيات. وقد أردت بعد إجراء المقابلة التي تناقلتها وكالات الأنباء والصحف، أن اكتشف مدينة نيويورك التي كنت أزورها للمرة الأولى، كنت في غرفتي في فندق «والدوف استوريا»، والساعة تقارب التاسعة ليلاً، وكنت أشاهد التلفزيون واستمع إلى المذيع وهو يقول: «أنصح الجميع، بالبقاء في منازلهم، خوفا من تجمد أنوفهم!» ولكنني كنت مصمماً على الخروج، ولو كان الموت ينتظرني.

ارتديت معطفي، وخرجت من الباب الرئيسي للفندق، وأشرت إلى سيارة تكسي «يلو كاب» وقلت للسائق: «إلى الجادة الخامسة fifty Avenue!» المكتظة بالمسارح ودور السينما والمطاعم والمراقص والمخازن المضاءة بالنيون الملون.

وماكدت أنزل من السيارة ويصافح وجهي الهواء الثلجي حتى شعرت أن أطرافي تكاد تسقط من هول البرد. التفت يمنة ويسرة لعلني أعثر على حانة أو مطعم استجلب فيه بعض الحرارة.

وفجأة تراءى لي، على بعد عدة أمتار مطعم، تتراقص الأضواء من حوله، وفوق بابه لافتة مضاءة بالنيون كتب عليها «وجبات من نار! ادخل واحرق جوفكاستهواني الإعلان، ودخلت المطعم، وأنا عازم على أن أحرق جوفي، وماكدت أستقر وراء طاولة منفردة حتى اقتربت مني فتاة سوداء الشعر ترتدي مريولاً أحمر، وقالت لي بصوت رخيم: «هل تريد الوجبة النارية؟» وقلت بلهفة: «نعم».

ولم يمض بعض الوقت حتى حملت إلى النادلة صفيحة من الخشب المزدان بالصدف، تتوزع عليها حفر متساوية الحجم، وفي كل حفرة صنف من المأكولات، وكم كانت دهشتي كبيرة حينما اكتشف أن كل المأكولات هي مأكولات شرقية تقليدية: حفرة للفلافل، وحفرة للحمص بالطحينة، وحفرة للتبولة، وأخرى للكباب، وأخرى للمخلل.. الخ. أكلت بسرعة، ثم توجهت إلى مدخل المطعم، حيث كانت تجلس خلف آلة حاسبة سيدة في مقتبل العمر.

سألتها بأدب: «هل أنا في مطعم شرقي، او على الأصح لبناني؟»

نظرت إليّ بريبة وقالت لي: « ألم تقرأ ماكتب على واجهة المطعم؟»

واتجهت نحو الواجهة وقرأت: «مأكولات إسرائيلية من نار

شعرت بشيء من الغضب والمرارة، دفعت الحساب ثم قلت للسيد:

«أنا من سورية، وقد تذوقت مأكولاتكم، ولكنها مأكولات شرقية، غربيّة»

قالت وهي تبتسم بخبث:«نعم، ولكننا قد صادرناها، المهم أن تكون قد أعجبتك!».

أطرقت برأسي، ولم اقل شيئاً.

وحينما خرجت إلى الشارع، لم أعد اكترث بالثلج الذي كان يلسع وجهي، ولا بالصقيع الذي كان يتغلغل في جسمي، كنت أردد:«حتى الفلافل تسرق منا!».

-5-

اليوم، وعمليات السرقة والسطو المنظم مستمرة، بوحشية، قلة أدب: سرقة الهوية العربية للمنطقة بكاملها، بعد ان طفت على السطح الهوية الشرق أوسطية، سرقة الأرض، ببساتينها، وأشجارها، وسهولها وجبالها، ومياهها، بل وتسويرها، وإقامة الجدران حولها في تحد بربري، سرقة التراث الحضاري المتراكم عبر العصور، تراث العراق وسورية وفلسطين، ومصر، والجزيرة العربية، سرقة الخصال العربية كالإباء، والشهامة، والشجاعة، وسرقة الإنسان العربي وتجويفه من الداخل، وتهشميه من الخارج، ما أحوجنا إلى أن نرفع قبضاتنا في الهواء، ما أحوجنا إلى الهتاف، بحرارة وتصميم: «حتى ولو بقي من العمر أيام معدودة، فسنستمر في المقاومة، ولن نسكت، ولن نستسلم!».

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.