اللغة والحرية (ج 3)

إن كان هناك ما يحط من الطبيعة البشرية في فكرة الرق، فعلينا انتظار شكل جديد من التحرير، «المرحلة الثالثة والأخيرة من التحرر في التاريخ» حسب فورير، والتي ستحوّل البروليتاريا إلى أناس أحرار عن طريق إنهاء تسليع العمل وعبودية الأجور وجعل المؤسسات المالية والصناعية والتجارية تحت حكم ديمقراطي.
ربما كان همبولت سيقبل بهذه النتائج. فقد رأى أن تدخل الدولة في الحياة الاجتماعية مشروع «إذا كانت الحرية ستدمّر الظروف التي تعتمد عليها الحرية بل والوجود ذاته» وتحديداً الظروف التي تنشأ من اقتصاد رأسمالي منفلت العقال. على أية حال، يشكل انتقاده للبيروقراطية والدولة الاستبدادية تحذيراً بليغاً لبعض أسوأ أوجه التاريخ المعاصر، وأساسات نقده صالحة للتطبيق على مروحة واسعة من المؤسسات القمعية أكثر مما كان يتخيّل.
بالرغم من تبنيه مذهب الليبرالية الكلاسيكية، لم يكن همبولت داعية لفردية بدائية على طريقة روسو. يمجّد روسو الهمجي «الذي يعيش بذاته»؛ ولا يقدّر «الإنسان الاجتماعي الذي يعيش دائماً خارج ذاته، الذي يعرف كيف يحيا فقط بناءً على آراء الآخرين… والذي من أحكامهم فقط… يعطي إحساساً لوجوده» 5 . رؤية همبولت مختلفة تماماً: «… يمكن اختصار مغزى كل الأفكار والحجج المعروضة في هذا المقال بما يلي، بينما تحطّم كافة القيود في المجتمع البشري، ستسعى لإيجاد روابط جديدة قدر الإمكان في المجتمع. بالضبط كالإنسان المقيد، لا يستطيع الإنسان المعزول أن يتطور».
هكذا كان يأمل بالوصول إلى مجتمع قائم على التعاون الحر دون إكراه الدولة أو المؤسسات السلطوية، حيث يستطيع الناس الأحرار أن يبدعوا ويبحثوا، ويبلغوا التطور الأكمل لقواهم. سابقاً زمنه بمراحل، قدّم تصوّراً فوضوياً مناسباً، ربما، للمرحلة القادمة من المجتمع الصناعي. ربما يمكننا أن نأمل بأن تجتمع هذه الأفكار كلها في صيغة من الاشتراكية التحررية، هذا الشكل من الحياة الاجتماعية الذي لا يكاد يوجد اليوم بالرغم من إدراك بعض عناصره: في ضمان الحقوق الفردية التي وصلت إلى أعلى أشكالها- بالرغم من عيوبها التراجيدية- في الديمقراطيات الغربية؛ في الكيبوتزات الإسرائيلية 6 )؛ في تجارب المجالس العمالية في يوغسلافيا؛ في محاولات إيقاظ الوعي الشعبي وخلق مشاركة جديدة في الحراك الاجتماعي الذي يشكل عنصراً جوهرياً في ثورات العالم الثالث، التي ترزح تحت هيمنة أنظمة تسلطية عنيفة.
مفهوم مماثل للطبيعة البشرية يطرحه عمل همبولت اللغوي. اللغة عملية إبداع حر؛ قوانينها ومبادئها ثابتة، ولكن الوسيلة التي تُستعمل المبادئ بها لإنتاج اللغة حرة ومتغيرة بشكل لا نهائي. حتى استعمال وتأويل الكلمات يحتوي على خلق حر. الاستعمال العادي للغة واكتساب اللغة يعتمد على ما أسماه همبولت الشكل الثابت للغة، وهو نظام من العمليات التوليدية مزروعة في طبيعة العقل البشري والتي تحدّ ولكن لا تحدّد الإبداع الحر للذكاء العادي، أو على مستوى أعلى وأكثر أصالة، للكاتب أو للمفكر. همبولت، من جهة، أفلاطوني يصر على أن التعليم نوع من التذكّر، حيث العقل عندما يُثار بالتجربة، يعود إلى مصادره الداخلية ويتبع طريقاً مرسوماً سلفاً؛ وهو أيضاً رومانسي يطرب للاختلافات الثقافية، وللاحتمالات اللانهائية لمساهمات الروح الخلاقة المبدعة. لا يوجد تناقض في هذا، كما لا يوجد تناقض في إصرار نظريات علم الجمال على أن إبداع الأعمال الفنية يتبع لمبادئ وقواعد. الاستعمال العادي والخلّاق للغة، والذي اعتمده العقلانيون الديكارتيون كأهم وسيلة للتأكد من وجود عقول أخرى، يفترض نظاماً من القواعد والمبادئ التوليدية، الذي حاول النحويون العقلانيون الوصول إليه وشرحه، مع بعض النجاحات.
العديد من النقاد الجدد اللذين وجدوا نوعاً من التناقض في القول بأن الإبداع الحر يحدث – يفترض، في الواقع- نظاماً من الحدود والمبادئ الحاكمة مخطئون تماماً؛ إلا إذا كانوا، بالطبع، يتكلمون عن المعنى الفضفاض والمجازي «للتناقض» كما عند شلنغ، الذي كتب «دون التناقض بين الحرية والضرورة، ليست الفلسفة فقط، بل كل طموح نبيل للروح، ستسقط في هذا الموت المميز للعلوم التي لا تحوي هذا التناقض». دون هذا التوتر بين الحرية والضرورة، بين القانون والاختيار، لن يوجد أي إبداع، أي تواصل، وأية أفعال لها معنى على الإطلاق.
لقد بحثت في هذه الأفكار التقليدية مطولاً بعض الشيء، ليس بسبب اهتمامات تاريخية، بل لأنني أعتقد أنها ثمينة وصحيحة في العمق، ولأنها تقدّم درباً نستطيع اتباعه وينفعنا. يجب أن يكون الفعل الاجتماعي مصحوباً برؤية للمجتمع القادم، وبحكم واضح على قيم هذا المجتمع. يجب أن نستقي هذه القيم من مفهوم ما لطبيعة الإنسان، وبإمكان المرء أن يبحث عن أسس تجريبية لهذه الطبيعة كما تظهر في سلوكه وفي إبداعاته المادية والفكرية والاجتماعية. لقد بلغنا، ربما، مرحلة في التاريخ حيث من الممكن جدياً أن نفكر في مجتمع نستبدل فيه الروابط الاجتماعية المشكّلة بحرية بقيود المؤسسات التسلطية، بالمعنى الذي أعطاه همبولت كما رأينا لهذه الروابط، وفي الأفكار التي تطورت بشكل أكمل في تقاليد الاشتراكية التحررية في السنوات التي تلت.
خلقت الرأسمالية اللصوصية نظاماً صناعياً معقداً وتكنولوجيا متقدمة؛ كما سمحت بمقدار معقول من الممارسات الديمقراطية وتبنّت قيماً ليبرالية معيّنة، ولكن ضمن حدود يجب التخلي عنها وتغييرها الآن. هي ليست بنظام مناسب لأواسط القرن العشرين. وهي ليست قادرة على إشباع حاجات الإنسان التي لا يمكن التعبير عنها إلا بمصطلحات جمعية، ومفهومها عن الإنسان التنافسي الذي يسعى فقط إلى مضاعفة ثروته وسلطته، والذي يُخضع نفسه إلى علاقات السوق، إلى الاستغلال والسلطات الخارجية، هو لا إنساني وغير مقبول إلى أبعد الحدود. الدولة التسلطية ليست بديلاً مقبولاً؛ ولا تستطيع الدولة الرأسمالية العسكرية التي تنشأ في الولايات المتحدة أو دولة الرفاه المركزية البيروقراطية أن تكون هدفاً للوجود الإنساني. التبرير الوحيد للمؤسسات القمعية هو العجز المادي والثقافي. ولكن مثل هذه المؤسسات، في مراحل معينة من التاريخ، تؤبد وتنتج مثل هذا العجز، بل وتهدد حتى البقاء البشري. يستطيع العلم والتكنولوجيا الحديثان أن يحرّرا الإنسان من ضرورة العمل التخصصي الممل. من حيث المبدأ، يستطيعان أن يزودانا بأساسات تنظيم اجتماعي عقلاني مبني على التفاعل الحر وعلى الحكم الديمقراطي، إن امتلكنا الإرادة للوصول إليه.
رؤيا التنظيم الاجتماعي المستقبلي تُبنى بدورها على مفهوم الطبيعة البشرية. إن كان الإنسان فعلاً قابلاً للتشكيل بشكل لانهائي، وكائناً مطواعاً بشكل كامل، دون أية بنية فطرية في العقل ودون أي حاجة جوهرية ملازمة لمزايا ثقافية واجتماعية، لكان موضوعاً مناسباً «لتشكيل السلوك» من قبل الدول التسلطية، ومدراء الشركات، والتكنوقراط، واللجان المركزية. سيأمل أولئك اللذين يتمتعون ببعض الثقة بالجنس البشري أن الأمر ليس كذلك وسيحاولون تحديد المزايا البشرية الرئيسية التي تزودنا بإطار للتطور الفكري، ونمو الوعي الأخلاقي، والإنجازات الثقافية، والمشاركة في المجتمع الحر. بشكل مشابه جزئياً، تتحدّث التقاليد الكلاسيكية عن العبقرية الفنية التي تعمل من داخل، وتتحدى بشكل ما، إطار القوانين. هنا نلمس أموراً محدودة الفهم. يبدو لي أننا يجب أن نبتعد، بشكل حاد وجذري، عن معظم العلوم السلوكية والاجتماعية الحديثة، إذا أردنا أن نفهم هذه الأمور بشكل أعمق.
هنا أيضاً، أعتقد أن التقاليد التي استعرضتها تقدّم لنا بعض الفائدة. كما قد لاحظنا، أولئك الذين كانوا مهتمين بتميز وإمكانيات الإنسان انتهوا إلى البحث في ميزات اللغة. أعتقد أن دراسة اللغة باستطاعتها تزويدنا بومضات لفهم السلوك المحكوم بالقواعد وإمكانيات الأفعال الحرة والخلّاقة ضمن منظومة القواعد التي، جزئياً على الأقل، تعكس خواص التنظيم العقلي البشري. يبدو لي من العادل القول أن بعض جوانب دراسة اللغة المعاصرة تشكل عودة لمفهوم همبولت لشكل اللغة: نظام من العمليات التوليدية مزروع في الخواص الفطرية للعقل ولكنه يسمح، بحسب كلمات همبولت، باستعمال لا محدود معتمداً على وسائل محدودة. لا يمكن وصف اللغة بأنها نظام من السلوكيات المحددة. بدلاً من ذلك، لفهم استخدام اللغة، علينا أن نكتشف الشكل المجرد الهمبولتي للغة، أي القواعد التوليدية، بالمصطلحات الحديثة. أن تتعلم اللغة يعني أن يشكل المرء بنفسه هذا النظام المجرّد، بشكل غير واعٍ بالطبع. يستطيع عالم اللغات وعالم النفس دراسة استعمال واكتساب اللغة فقط بقدرتهما على الوصول إلى خواص هذا النظام الذي أتقنه من يعرف اللغة. أكثر من ذلك، يبدو لي أننا نستطيع الدفاع عن المقولة التجريبية القائلة بأنه يمكن اكتساب هذا النظام، تحت شروط معطاة من الوقت والقابلية، فقط عن طريق عقل ذي خواص محددة والتي نستطيع الآن، بشكل أولي، وصفها ببعض التفصيل. طالما أننا نقصر أبحاثنا، مفهومياً، على السلوك وتنظيمه وتطوره من خلال تفاعله مع البيئة، لن نفهم خواص اللغة والعقل هذه. من حيث المبدأ، يمكن دراسة جوانب أخرى للنفس والثقافة البشرية بذات الأسلوب.
نستطيع إذن أن نتصور تطوير علم اجتماع قائم على قضايا تجريبية موثوقة في الطبيعة البشرية. بالضبط كما ندرس مجموعة اللغات البشرية المتوفرة، ببعض النجاح، نستطيع دراسة أشكال التعبير الفني، أو المعرفة العلمية التي بمتناول البشر، وربما حتى مجال الأنظمة الأخلاقية والبنى الاجتماعية التي يستطيع البشر العيش والعمل فيها، بالنظر إلى حاجاتهم وقدراتهم الداخلية. ربما يقوم المرء أيضاً بإعداد مشروع لفكرة تنظيم اجتماعي، تحت ظروف معطاة لثقافة مادية وروحية، يشجع ويتلاءم مع الحاجات الإنسانية الرئيسية، كالمبادرة العفوية والعمل الخلاق والتضامن والسعي إلى العدالة الاجتماعية، إن كانت هذه الأمور تنتمي إلى تلك الحاجات.
لا أريد أن أبالغ، ولا أشك في أنني قد بالغت، في دور دراسة اللغة. اللغة هي منتوج الذكاء الإنساني والذي يشكل، حالياً، المادة الأكثر قابلية للبحث. هناك تقاليد غنية ترى في اللغة مرآةً للعقل. بدرجة ما، هناك حقيقة ورؤيا مفيدة في هذه الفكرة.
ما زلت حائراً، وفضولياً، في موضوع «اللغة والحرية»، كما كنت في بداية البحث. في هذه الملاحظات المختصرة والتخمينية هناك فجوات كبيرة لدرجة أن المرء قد يتساءل ما الذي سيتبقّى إن أزلنا التخمينات غير المؤكدة والمجازات. من الهام أن نصحو– وأعتقد أننا يجب أن نصحو- على فكرة أن التقدم الذي أحرزناه في معرفتنا بالإنسان وبالمجتمع، أو حتى في وضع صياغة واضحة للمشاكل التي يجب أن تُدرس بجدية، صغير جداً. ولكن هناك، برأيي، بعض الخطوات الهامة في هذا المجال. أحب الاعتقاد بأن الدراسة التفصيلية لأحد مظاهر السيكولوجيا البشرية، أي اللغة البشرية، قد تساهم في تأسيس علم اجتماع إنسانوي قد يستخدم أيضاً كمرجع في المعركة الاجتماعية. بالطبع، من النافل القول أن المعركة الاجتماعية يجب ألا تنتظر تأسيس نظرية متكاملة عن الإنسان والمجتمع، ولا يجوز أن تتحدد صحة تلك النظرية بآمالنا وأحكامنا الأخلاقية. كلا الأمرين، النظرية والفعل، يجب أن يتقدّما بأفضل ما يستطيعان، منتظرين اليوم الذي يزودنا فيه البحث النظري بدليل موثوق للصراع الدائم، والمحبط أحياناً، ولكن غير الميؤوس منه أبداً، من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية. 7
هوامش
1.? راجع مقالي في الجمهورية «مشكلات المعرفة والحرية». (م).
2.? حول المشكلة الأخلاقية في النسبوية، راجع مقالي في الجمهورية «أخلاق مشتركة لعالم متناثر» (م).
3.? قارن مع برودون، بعد قرن من الزمان: «لا ضرورة لأي نقاش مطوّل لتوضيح أن سلطة نكران تفكير وإرادة وشخصية الإنسان هي سلطة حياة أو موت، وأن استعباد الإنسان اغتياله».
4.? أي وجهة النظر أن الإنسان «يبلغ أقصى ما يمكن تحقيقه من خلال أفعاله، عندما يكون أسلوب حياته متناغماً مع شخصيته»، أي عندما تنبع أفعاله من حوافزه الداخلية.
5.? ولكن روسو كرّس نفسه، كرجل فقد «بساطته الأصيلة» ولا يستطيع أن يعيش بعد الآن «دون قوانين ومعلمين»، «من أجل احترام الرابط المقدس» لمجتمعه و«بتدقيق يطيع القوانين، والأشخاص الذين كتبوها ووضعوها»، بينما يحتقر «الدستور الذي لا يمكن الحفاظ عليه إلا بفضل كل هؤلاء الناس المحترمين…والذي، بالرغم من كل عنايتهم، لا يؤدي إلا إلى الكوارث أكثر من الفوائد».
6.? كمعظم اليسار الغربي، كان تشومسكي معجباً بتجارب الكيبوتز الإسرائيلي. لاحقاً، مع انخراطه في معارك فكرية أوسع في وجه الإمبريالية الأمريكية والأساطير الإسرائيلية، اختفت كافة الإشارات إلى مثل هذا الإعجاب. لا أعلم إن كان قد طرح موضوع هذا الإعجاب المبكر في كتاباته اللاحقة. (م
7.? لم تُفصّل المراجع الانكليزية في هذا النص مراعاةً للمساحة، وسيتم إدخالها ضمن كتاب سيُنشر مستقبلاً يحتوي ترجمات لتشومسكي.

إضافة تعليق