المؤتمر الدولي الأول لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها

تتوفر دار الفكر منذ مدة غير يسيرة على إنجاز سلسلة تعليم اللغة العربية لغير العرب، صدر منها جزء، وجزء آخر تحت الطبع، وسينجز الجزء الثالث قريباً إن شاء الله.

والدار إذ تنشر الكلمة الآتية عن المؤتمر لترجو أن يكون لسورية دور رائد في هذه القضية الهامة.

ماذا عن المؤتمر الدولي الأول

لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها؟

أخذ إقبال العرب على تعلم اللغة العربية في هذه الأيام يزداد اطراداً في أنحاء العالم كله من أمريكا حتى اليابان؛ ولعل أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001 هي التي دفعت العديدين من الأجانب إلى الإقبال على الثقافة الإسلامية، وأهلها ابتداء من لغتها.

هذا ما أشارت إليه مديرة الدورات العربية بمعهد الطلاب الشرقيين والأفارقة بجامعة لندن، حين ذكرت أن هذا المعهد الذي كان يفتح أبوابه ثلاث ساعات في اليوم أصبح بعد الأحداث المذكورة يستقبل طلاباً على مدار 12 ساعة يومياً، بما في ذلك يوم الجمعة، وأن الإدارة تردّ من الطلاب أكثر مما تقبل، على الرغم من ارتفاع الرسوم الباهظة فيه.

وليس هذا المعهد هو الفريد الذي يلقى رواجاً، ولكنه واحد من كثير من المعاهد والجامعات التي تزداد في العالم يوماً بعد يوم، سواء في البلاد العربية أم في البلاد الأجنبية.

على أن غالب هذه المعاهد تتعرض لمشكلات جلّى طرحها المتحدثون في المؤتمر الدولي الأول لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، الذي عقدته جامعة دمشق في مركز تعليم اللغات أيام 27و28و29 أيار (مايو) 2004 ليجمع باحثين ومتخصصين قدموا له من مختلف أنحاء العالم، جاؤوا من أكثر من عشرين جهة ما عدا المشاركين السوريين؛ تقاطروا من روسيا، وفرنسا، والأردن، وإنكلترة، والسعودية، وتونس، الإمارات العربية، وبلغاريا، وأمريكا، والصين، وكولومبس، وفنلندا وبلجيكا، والسودان، وغيرها..

ولقد تحدث هؤلاء عن أعمالهم في خدمة اللغة العربية للناطقين بغيرها، وقدموا تجاربهم في أوراق بحثية تتصل بالمناهج والكتب، ووسائل التعليم، وقابليات الطلاب، وشرائحهم.. وذكروا ما يعانون من صعوبات مهنية في ظروف يواجهون فيها عوائق تتلخص فيما يأتي:

1-غالب المعلمين في المعاهد الأجنبية غير عرب، وهؤلاء لا يقدمون اللغة كأبنائها.

2-قلة المصادر والمراجع اللازمة للطلاب.

3-عدم ممارسة الطلاب للغة الشفهية اليومية في المحيط (ما عدا الطلاب الأجانب في البلاد العربية).

4-الاختلافات الصوتية بين العربية وسائر اللغات.

5-الازدواجية ما بين العربية الفصحى والعامية.

6-شكوى المدرسين من المناهج الموضوعة بين أيديهم.

ومهما يكن من أمر هذه الصعوبات، فقد ذكر المؤتمرون أن المعاهد التي يعلمون فيها آخذة بالنمو كما أشرنا، كما هي آخذة بالصمود في وجه العقبات المذكورة.

ومن خلال أوراق الباحثين يخرج المراقب بملاحظات عديدة مفيدة لكل من يهمه موضوع تعليم العربية للأجانب؛ فأولى هذه الملاحظات تلك الأهمية التي أخذت تتبوؤها العربية في العالم بوصفها لغة ثلاث مئة مليون، يتخاطبون بها، ويكتبون، وبوصف بلاد أهلها بلاداً ساخنة، متنازعاً عليها.. ولذا تُوجه إليها تهم تثير العالم كله وترعبه ربما.

وثانية الملاحظات أنّ العربية تعاني الجحود من أهلها، فضلاً عن التقصير الذي لا نجده عند المتحدثين باللغات الأخرى؛ ومثال هذا ذكرته الباحثة الصينية فقالت: إن كلية اللغة العربية في جامعة بكين أرادت مرة أن تقيم أمسية للشعر العربي، ولما كانت المراجع اللازمة تنقصها فقد استعانت بالسفارات العربية على الموضوع. فما أنجدتها واحدة منها فضلاً عن أن أحداً من العرب لم يشارك فيها.

وثالثة الملاحظات، متفرعة عن السابقة، وهي أنّ الله هيّأ ناساً لخدمة العربية من غير أهلها، يؤلفون كتباً لتعليمها، مثلما ألف الدكتور فان مول كتاباً سماه "لا مفر" لتعليم العربية في بلجيكا بجامعة لوفان الكاثوليكية.

ورابعة الملاحظات هي اختلاف الطريقة التي يتبعها كل معهد في التعليم، ولا أقصد الأسلوب التربوي، فبعضهم يعلم العربية مستعيناً بالإنكليزية أو اللغات المحلية، ليس خلال الدرس، وإنما يكون ذلك مطبوعاً في الكتاب المقرر. وآخرون يعلمون اللهجات العامية المصرية أو الشامية أو المغربية.. وهكذا وفئة ثالثة تبدأ بتعليم العربية في المرحلة الأولى بعيداً عن الحركات، فهي تسكن الكلام أبداً بحجة صعوبة تلك الحركات الإعرابية، وتجتنب المثنى ونون النسوة.

ومن أهم الملاحظات كثرة السلاسل التعليمية التي تصدرها المعاهد المعنية، وكلها فيما يبدو ما يزال في مراحل تجريبية، وإن كان بعضها أوسع انتشاراً من بعض.

وآخر الملاحظات أن الآراء انقسمت في مواقفها خلال النقاش إلى قسمين من مسألة العامية والفصحى وهي المسألة التي ما يزال يصطرع حولها الناس ويختصمون، ولا داعي لذكرها هنا وهي نفسها انقسمت إلى قسمين في مسألة قداسة العربية، فجماعة ترى وجوب فصلها عن القرآن الكريم، واعتبارها كأي لغة.. بينما يعتقد المحافظون أنها لغة لها خصوصيتها المقدسة ومكانتها المتميزة التي لا ينبغي لأحد أن يتلاعب بها أو يعرضها للمساس.

ولاحظت إحدى الباحثات أن طلاب المعاهد هذه ينقسمون إلى ثلاث شرائح هي التي تقصدها:

1-شريحة طلاب يريدون تعلم العربية لأغراض الثقافة العامة. وربما يتشعب من هؤلاء جماعة تريد أن تتخصص باللغات الشرقية.

2-فئة أتيح لأفرادها العمل في بعض البلاد العربية ، وهؤلاء مستعجلون ليس لديهم وقت واسع، ويفضلون العامية.

3-طلاب من أصول عربية لا يعرفون عنها شيئاً..

إذن، ومن كل ما تقدم، تظهر أهمية هذا المؤتمر الأول الذي سيكون بداية مؤتمرات سنوية تبشر بخير، وتفيد في تطوير هذه المعاهد، وتعينها على تجاوز صعوباتها، إن رغب المشاركون في الأخذ بالسبل الكفيلة بخدمة العربية لدى الأجانب المقبلين عليها.

والسؤال الآن:

أين نحن من العربية أيها العرب عموماً؟ وأيها السوريون خصوصاً؟

لاشك أن جهوداً عربية مخلصة تبذلها الجهات الرسمية وشبه الرسمية والخاصة في الجامعات العربية والمؤسسات الثقافية في بلدان العروبة.

وتعد سورية من أوائل الدول التي تنبهت لأهميته هذا الموضوع فأسست في ستينات القرن الماضي معهد تعليم اللغة العربية للأجانب وكان من المعاهد الناجحة، وتطور مع الأيام ، وازداد الإقبال عليه سنة بعد أخرى حتى أصدرت الدولة قانوناً خاصاً به.

ثم شفعت ذلك بمركز تعليم اللغات، فكان "قسم اللغة العربية للناطقين بغيرها" من الأقسام المتميزة فيه.

إن المطلوب منا تجاه لغتنا، تلقاء هذه الظروف التي أشرنا إليها كبير جداً، والمسؤولية عظيمة ينبغي أن نتحملها بأمانة عالية.

والمرجو من معاهد تعليم العربية لغير الناطقين بها في سائر بلاد العروبة أن تكون مراكز داعمة لنظائرها في البلاد الأجنبية؛ ترفدها بالخبرة والمناهج والمراجع والمعلمين؛ ذلك لأن القضية قضيتنا، واللغة لغتنا، وأمرها يهمنا فإذا نحن تخلينا عنها فإنّ الله سيحاسبنا على تضييع الأمانة. ولن يكون لنا احترام في عيون الشعوب التي تدأب اليوم على خدمة لغاتها بشتى الوسائل.

د. نزار أباظة
5/6/2004م

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
9 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.