المؤرخ وجيه كوثراني: الكتابات التاريخية في العالم تأثرت كلها بالإيديولوجيات

أصدر الباحث والمؤرخ اللبناني، الكثير من المؤلفات التي تبحث في التاريخ السياسي والاجتماعي لبلاد الشام، ركز فيها على جدلية العلاقة بين المفكر وصاحب السلطة على مدى التاريخ العربي،
منها (بلاد الشام) و(الخطاب السياسي والتاريخ)، و(السلطة والمجتمع والعمل السياسي)، و(التاريخ ومدارسه)، وأخيراً كتاب (تأريخ التاريخ).
فما الفرق بين تأريخ التاريخ، وأسطرة التاريخ؟ وماالمدارس التاريخية الغربية التي تأثر بها المؤرخون العرب؟ وكيف يفسر اتباع بعض المؤرخين للمنهج الخلدوني في الكتابة التاريخية؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على الدكتور كوثراني فكان الحوار التالي:
أسطورة وتأريخ
في الثقافة اللاتينية، هناك كلمة أسطورة، المشتقة من (أسطور) وتعني بالعربية المبصر، وأسطورن، هو المبصر والمدون للأحداث، وهو الذي يكتب، وبهذا المعنى استخدمه هيرودس، وأعتقد أن كلمة أسطور، ليس لها علاقة بالأسطورة في معناها العربي، أي الخرافة أو التخيل، في حين أن كلمة تأريخ باللغة العربية تعني التوقيت الزمني، ومنها كلمة أرخ التي استخدمها الخليفة عمر بن الخطاب عندما تساءل عن وقت من الأوقات، فقال لكاتبه (أرخ) بمعنى (وقّتْ)، والسؤال، لماذا استخدم العرب التأريخ ولم يستخدموا الأسطور، أو الأسطورة التي لا تعني الخرافة، رغم ورودها في القرآن الكريم (سطر، يسطر)، وقد وردت في لسان العرب، وفي اللغات السامية القديمة، ومنها اللغة الحميرية، باعتقادي أن هذا التحميل الخرافي، واللاواقعي أتى من المفسرين العرب للقرآن الكريم، فقد فسروا بعض الآيات القرآنية (ماهي إلا أساطير الأولين)، فسرت أباطيل، وأرى أن هناك مزجاً غير صحيح بين كلمة أساطير وأباطيل في ثقافتنا العربية، وتراثنا العربي، ولولا هذا التفسير الخاطئ لكان بالإمكان استخدام كلمة (إسطار) أو (أسطور) بمعنى تأريخ، وهناك فرضية تحتاج إلى تدقيق وإثبات، وهي أن تكون كلمة (أسطور) أو (أسطورة) اليونانية أخذت عن لغات سامية، أنا أرجح ذلك، ولكن هذه الفرضية تبقى فرضية، لحين إثباتها فونولوجياً، وإركيلوجياً.
برأيك، إلى أي مدى تأثرت كتابة التاريخ الحديث بالإيديولوجيات التي ظهرت في القرن العشرين؟
أعتقد أن كل الكتابات التاريخية في العالم سواء عند العرب، أو عند الشعوب الأخرى، تأثرت بالإيديولوجيات على اختلاف مذاهبها والبيئات التي نشأت فيها، والعرب دخلوا الحداثة منذ عصر النهضة من عدة أبواب، أو مداخيل، أهمها مدخل الدولة- الأمة، ومع نهاية وأفول السلطنة العثمانية حدثت تشكيلات اجتماعية وسياسية تكوينية لدولة محدثة في المنطقة العربية، سميت الدولة الوطنية، أو الدولة القطرية، فمنذ أن بدأت حركات الاستقلال، في ثلاثينيات القرن الماضي، بدأت حركة تأريخ للمنطقة، تأثرت بالفكر القومي على اختلاف ألوانه، وبدأت كل دولة قطرية تبحث عن تاريخ قومي ووطني لها، فبدأ تشكّل إيديولوجي، تاريخي للكتابة التاريخية العربية، وأهم معالمه، التاريخ القومي العربي، وقد تمت الإشارة في الكتاب (تأريخ التاريخ) إلى مجمل الإيديولوجيات التي تأثرت بها الكتابة التاريخية.
ماذا عن تأثر بعض المؤرخين، بالمدرسة الخلدونية؟
ترك ابن خلدون بصمة واضحة في التراث التاريخي العربي، وأنجز فكرتين تاريخيتين أساسيتين في المنهج، أولهما: وسّع حقل التاريخ، بمعنى أنه تجاوز نطاق الحدث للتاريخ، بحيث أصبح التاريخ كطبائع العمران، أي تلاؤم الخبر مع قوانين الطبيعة، وثانيهما: طوّر المفهوم العقلاني للفكر والبحث، وطبقه في ميدان الكتابة التاريخية، وأدخل مصطلحات تراثية استخدمت للتعبير عن مظاهر وحالات اجتماعية عربية، مثل (طبائع العمران، ونظرية العصبية).
وماذا عن تأثر المؤرخين العرب بالمدارس الغربية؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال عبر ثلاثة مداخل، أولاً: من باب نقد الفكر التاريخي العربي المعاصر، فنرى المؤرخين العرب قلدوا كثيراً، المدارس الغربية، وليس في هذا التقليد سلبية كبيرة، تأثروا بداية بالمدرسة الوضعانية التاريخية، التي تنسجم إلى حد كبير مع التراث العربي التاريخي القائم على الإسناد، وهم كالغربيين عدّوا أن الوثيقة مقدسة، وهي التي تقدم المعطى التاريخي الموثوق فيه، في حين ينبغي قراءة الوثيقة، قراءة مركبة تدخل فيها منظورات عديدة، إلى جانب أن الوثيقة ليست هي المصدر الوحيد للخبر التاريخي، أو المعطى التاريخي، هناك التاريخ الشفهي، والذاكرة، والرسوم، وغيرها من المصادر التي تُضاف إلى الوثيقة، وهناك أيضاً، المدرسة الغائية، والتبسيطية، والمدرسة البنيوية التي تعتمد على الأثنولوجيا والألسنية، وهي أكثر مصداقية بين المدارس التاريخانية.
كيف تنظر إلى مصداقية الكتابة التاريخية المستقبلية، في عصر الاتصالات، والإنترنت؟
بدأت حركة التأريخ العربي المعاصرة، من سبعينيات القرن العشرين، نشطة ومزدهرة، وبرزت العديد من الكتابات التاريخية الاجتماعية، والثقافية، تناولت قضايا ومسائل حساسة، كانت بعيدة عن حقل الكتابة التاريخية، والنهضة التاريخية لاتزال مستمرة، رغم المآزق والمعوقات، ولم تعد تقتصر على كتاب التاريخ، بل شملت باحثي الفلسفة، وباحثي علم الاجتماع الذين يدرسون الظواهر بامتدادها الزمني، ودخل إلى الكتابة التاريخية، كتابة الأفكار، ومؤرخو الأفكار، هذا الإنجاز الإيجابي في الكتابة التاريخية، لابد أن يدخل اليوم في مناهج التعليم الجامعي لاستثماره، في الكتابة التاريخية، وتوظيفه في وسائل الاتصال الحديثة.

إضافة تعليق