المثقف العربي بين المركز والأطراف و?«حرية» الهامش

الكلام على المثقف العربي بين المركز والاطراف والهامش كان يبدو عادياً قبل ربع قرن، فالمثقف العربي صار اليوم تعبيراً إشكالياً والمركز العربي مثله، وكذلك الاطراف العربية. وحده الهامش واضح، وهو لم يتغير في المدى المنظور، وربما لن يتغير، لأنه يشكل موقع الفرد الحر الذي لا يطمح الى سلطة فيأمن بالتالي تدخل السلطات في شؤونه.

في اربعينات القرن الماضي، حصلت مناقشات بين مسؤولين عن تخطيط التعليم العالي في بلد عربي، وتركزت على وجود ادب عربي واحد ام آداب عربية عدة.

كانت الحماسة القومية العربية في اواسط القرن الماضي هي التي تأخذنا الى التوحيد القسري، وتشعرنا بالإثم اذا اعترفنا بالتنوع على رغم غناه وجفاف التوحيد المفروض وسقوطه في فضاء كلاسيكيات مضى عهدها.

وحين نتناول المركز العربي، نلاحظ ان الكلام عليه بدأ مع ما سمي عصر النهضة بوصول نابليون بونابرت الى مصر مصطحباً معه جنوده وعلماء في ضروب المعارف والصناعات المتقدمة في عصره، كرمز للقاء العربي مع الحداثة الاوروبية، لا يغيب عنه عنصر الارغام. هكذا اعتبر المؤرخون مصر مركزاً ثقافياً عربياً، وما لبث لبنان ان اصبح المركز الثاني بسبب اتصاله بأوروبا التي وفدت الى جبله في شكل ارساليات أسست مدارس كثيرة.

المركز الثقافي العربي يعني هنا مكان استيعاب الحداثة التي دفعت المراكز التقليدية الى مزيد من العزلة. هكذا اصبحت مصر ولبنان مركزين رائدين للتعليم الحديث والطباعة ونشر الكتب العربية، فضلاً عن طباعة أمهات المخطوطات.

ثمة شيء واضح من الإرغام في وصف المركز والاطراف، لأن عاصمة السلطنة العثمانية الاستانة هي المركز الاصلي الذي تفككت اطرافه ببطء استغرق نحو مئة سنة، ولأن المركزية المصرية واللبنانية قامت على إحياء اللغة العربية والتأثر بالحداثة الاوروبية، فيما اهملت علاقات العرب الثقافية بآسيا القريبة وبأفريقيا السمراء على الضفة الثانية للصحراء الافريقية، من دون ان ننسى علاقات بين المغرب الاقصى وإسبانيا قامت على تأثير متبادل من إرث الاندلس.

لأن اوروبا مركز العالم الحديث، صار المتأثرون بها مركزيين في منطقتهم. وما حدث للعرب حدث مثله لأمم كثيرة.

كان لا بد لمقولة المركز والاطراف ان تضعف بعد الحرب العالمية الاولى حين حطمت اوروبا نفسها بنفسها في صراع مصالح طاول العالم، ثم تحطمت مجدداً في الحرب العالمية الثانية. هاتان الحربان ادتا الى فقدان اوروبا مركزيتها العالمية الى حد بعيد لمصلحة مراكز جديدة بدأت في الولايات المتحدة لتصل الى اليابان والصين ثم الى بلدان اخرى، مع وضع خاص للاتحاد السوفياتي السابق الذي حقق انجازات علمية مشهودة، خصوصاً في الصناعات العسكرية، فيما بقي التخلف لصيقاً بحياة مواطنيه.

ورافق تعدد المراكز العالمية تعدد في المراكز العربية، فانتشرت ابعد من مصر ولبنان مؤسسات التعليم العالي الحديثة، ومعها الطباعة، كما تحققت مظاهر التنمية على انواعها مترافقة مع الاستقلال عن الاستعمار والانتداب وترسيخ علاقات دولية قائمة على الاحترام المتبادل وتفهم المصالح، مع صفات تفضيلية للعلاقات العربية-العربية جرى التعبير عنها بتشكيل جامعة الدول العربية ومؤتمرات القمة. وواجهت هذه العلاقات التفضيلية تحديات عدة مشتركة، خصوصاً مأساة فلسطين وقضايا التنمية والصراعات مع كتل اقليمية أو عالمية، لكنها حققت قدراً من التنسيق بين المؤسسات الثقافية العربية.

وعلى رغم ذلك، لم تنطو مقولة المركز والاطراف، بل اتخذت مظاهر عدة داخل اي اطار سياسي أو اجتماعي او اقتصادي أو ثقافي، فقد شهدت مصر مثلاً انتقال المثقفين وطلاب الثقافة من الارياف الى القاهرة لتتشكل فيها شخصياتهم وتتفاعل ابداعاتهم. ونسجل هنا التراجع في مدينة عريقة في ثقافتها الكوسموبوليتية هي الاسكندرية لمصلحة مركز القاهرة، بعدما فقدت زهوها برحيل الجاليات الاجنبية والعربية (الشامية).

وترك المثقفون النازحون الى القاهرة ثقافتهم الريفية مهملة في أمكنتها المهجورة ليحملوا، في مكانهم الجديد، مشعل الحداثة الغربية متفاعلين مع فكرها وأدبها ومعتمدين مناهج النقد الحديثة (محمد مندور ولويس عوض ومن بعدهما جابر عصفور)، بعدما انطوت صفحة مثقفين كانوا يوازنون في نقدهم بين التحديث والإحياء مثل عباس محمود العقاد وطه حسين على اختلاف ما بين الشخصين.

ومع تمكن الناصرية من التحكم بالمجتمع المصري وفد الى القاهرة ما يمكن تسميته ثقافة ريف الريف، اي القرى الصغيرة، مع شعراء مثل أمل دنقل ومحمد عفيفي مطر وعبدالرحمن الابنودي وقصاصين مثل يحيى الطاهر عبدالله وخيري شلبي. وتوافق نتاج هؤلاء مع ثمرات ديموقراطية التعليم التي وسعت مساحة القراء وأدت الى تراجع مؤسف في إتقان اللغات الاجنبية.

لقد اكتمل ترييف المدن في بلادنا العربية وتمدين الريف، حتى فقد كل منهما ميزاته ودخل في حال التباس، بل إن صورته تشوهت. وحاولت مصر منذ عهد انور السادات ضبط التداخل بين المدينة والريف فعززت قصور الثقافة في القرى الكبرى، مصدرة جرائد ومجلات تعنى بالمجتمعات المحلية، كما نظمت مؤتمرات خاصة بأدباء الاقاليم، لكن هذا الجهد لم يؤت النتيجة المرجوة.

وتعود مقولة المركز والاطراف لتتشكل من جديد في ما يسمى ثقافة الضواحي، نعني هنا الأحياء الشعبية أو العشوائيات في ضواحي المدن أو في مساحات مهملة في قلب هذه المدن، ويصل الامر الى تجاور الضاحية والقلب في مكان واحد، عبرت عنه رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الاسواني، حيث تشكل اكواخ صغيرة على سطح بناية حديثة ما يشبه ريفاً ومدينة في مكان واحد. ويبدو ان مقولة المركز والاطراف صارت اليوم اكثر تعقيداً مع نمو تكنولوجيا الاتصال وفتح باب العالم الافتراضي امام الجميع، فيتجاور الكلام المعرفي المسؤول مع كلام ملقى على عواهنه، ينشر الإشاعات ويوزع التهم والمدائح، محاولاً توسيع مساحات التعصب والتحامل. من هنا كان طغيان مواقع التطرف العربية والاسلامية على الشبكة العنكبوتية.

وبتحولات مقولة المركز والاطراف، أو شبه غيابها، سقطت تصنيفات ثقافية اعتدنا عليها، مثل ان مصر تكتب ولبنان يطبع والعراق يقرأ. صار الجميع يكتب ويطبع ويقرأ، بل إن عدد القراء، نسبة الى الحجم السكاني، يزيد في دول مجلس التعاون الخليجي عما هو في الدول العربية الاخرى، كما افادني ناشرون لبنانيون، في غياب احصاءات عن النشر العربي.

نحن جميعاً في قلب العولمة ولا نستطيع التأكيد ان التغيير يحدث بطريقة خطية، انه في احيان كثيرة يشبه الفوران.

كلنا في المركز وكلنا في الاطراف وكلنا في الهامش، في آن معاً.

او اننا جميعاً في الهامش نرى نتاجنا الثقافي في خطين متوازيين، خط المبدع الفرد الذي يعي فرديته فيتخفف من الانتماء الى شلة أو حزب أو مؤسسة، وخط عملية الانتاج الثقافي التي تتطلب مؤسسة لا غنى عنها لصدور الكتاب أو الفيلم أو المسرحية أو العمل التشكيلي أو التخطيط الهندسي.

هذا الهامش المبدع مهدد بالسقوط في أحيان كثيرة مع سيل المادة الثقافية المتسرعة التي يبثها التلفزيون، ومع أحاديث الدعاة العصبيين التي تسدل الستار على الفكر المسؤول وعلى الايمان الصافي، ومع اغنيات ما ان نسمعها حتى ننساها.

ويدفعنا تمجيد الهامش الى احترام اللحظة الابداعية للفرد، لكننا مدعوون الى استكمال بنيتنا الثقافية التحتية والاستمرار في تغذيتها. نحو 40 في المئة من العرب اليوم هم دون الخامسة والعشرين من العمر، ومطلوب ترغيبهم بالمنتج الثقافي لئلا ينزلقوا الى الوجبات السريعة التي تقدمها المواقع الالكترونية او يلبوا نداءات ثأر متبادلة مضى عهدها وليست لها صلة بعيشنا المادي والمعنوي ولا بإيماننا. انها مجرد اوهام ذات أنياب ما اكثرها اليوم وما اخطرها.

 

 

* موجز محاضرة ألقاها الكاتب أخيراً في «مركز الشيخ ابراهيم آل خليفة» في المحرق-البحرين

 

إضافة تعليق

5 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.