المجتمع المدني أساس التنمية البشرية في العالم العربي "الجزء الثاني"

5- إستراتيجية العمل لدى المجتمع المدني:
يستند المجتمع المدني إلى مجموعة من الخطوات والمراحل الإجرائية في تنفيذ مهامه التنموية والبشرية كالبحث عن الظاهرة المتفشية سلبا في الوسط البشري، ودراسة المشاكل والآفات والتحقيق فيها قصد فهمها وتفسيرها، وإعداد الدراسات النظرية والميدانية لفهم هذه المشاكل فهما عميقا، وتحديد الحاجيات وحصرها، وتوقع المعيقات والمثبطات قصد توفير الإمكانيات المادية والمالية والبشرية الملائمة، وتسطير الأهداف البعيدة والوسطى والقريبة للتحكم في المشاكل والأزمات المرصودة، واستخدام أسلوب المشاورة والاقتراح والتنسيق، وتشغيل وسائل الإعلام للتوعية والتنبيه والإرشاد، واللجوء إلى الضغط في حال الرفض لمتطلبات المجتمع المدني، ويمكن أن يترتب عن هذا الرفض والمنع رفع القضية إلى القضاء والعدالة أو استخدام أسلوب الاحتجاج والمواجهة.
ومن بين المهمات التي يتكلف بها المجتمع المدني تحديث الوطن والأمة وإشاعة العقلانية وتحقيق التنمية البشرية والعمل على تحصيل التنمية المستدامة وتطوير المجال العلمي والمعرفي عن طريق تشجيع البحث النظري والتطبيقي ودعم التطور التكنولوجي وتنمية المجال الصحي والرفع من مستوى الدخل البشري.
6- الأدوار والمهام التي يقوم بها المجتمع المدني:
يرتكز المجتمع المدني على المشاركة الشعبية والفعل التطوعي لكل مواطن غيور على بلده لخدمة بيئته القروية والحضرية والجهوية ووطنه وأمته عن طريق تحقيق مشاريع إنسانية تساهم في تحقيق التقدم والازدهار قصد الخروج من التخلف والفقر ومشاكل البطالة.
وينبني المجتمع المدني أيضا على خدمة مصالح الأفراد والمجتمع ومصالح المواطنين عن طريق اقتراح منجزات تنموية تستهدف الرفع من قدرات المواطنين وتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية وتوعيتهم سياسيا لتحمل مسؤولياتهم التاريخية للمساهمة في تفعيل التنمية المستدامة.
ولا يمكن السير بالمجتمع المدني إلى آفاق أرحب في المجتمعات العربية إلا عن طريق العلم وتحسين الرعاية الصحية والرفع من الدخل الفردي، ولن يتم هذا الطموح المشروع والنبيل إلا بوجود استثمارات اقتصادية وأيد عاملة مؤهلة قادرة على تشغيل دواليب الاقتصاد وتسيير عجلة النمو الإنتاجي.
ومن هنا، لن ينبغي أن تقتصر أنشطة المجتمع المدني على ما هو مادي وبيولوجي واقتصادي، بل ينبغي أن تتجاوز ذلك إلى تحقيق المنجزات الثقافية والفكرية عن طريق محاربة الأمية بكل أنواعها (الأمية الأبجدية، والأمية الوظيفية، والأمية الإعلامية، والأمية اللغوية، وأمية نقص التكوين). وتزداد: "أهمية المجتمع المدني ونضج مؤسساته لما يقوم به من دور في تنظيم وتفعيل مشاركة المواطنين في تقرير مصائرهم، ومواجهة مايؤثر في معيشتهم ويزيد من إفقارهم، ولما يقوم به من دور في نشر ثقافة خلق المبادرة الذاتية، وثقافة بناء المؤسسات، وثقافة إعلاء شأن المواطن، والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل التاريخي، والمساهمة بفعالية في تحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات.". [10]
ويلاحظ أن أدوار المجتمع المدني متعددة ومتشعبة تنطلق مما هو محلي إلى ماهو جهوي ووطني وقومي وإنساني، وبالتالي، يخطط المجتمع المدني إستراتيجيته كلها لتنمية الإنسان باستخدام الطاقات البشرية لتحسين ظروف الإنسان ليتبوأ مكانته التي ارتضاها الله له أثناء استخلافه في هذه الأرض الطيبة المباركة عبادة وتعميرا وإنجابا.
ب- التنمية: الخصائص والمقومات:
1- مفهـــوم التنمية لغة واصطلاحا:
تدل التنمية لغة على الزيادة والنماء والكثرة والوفرة والمضاعفة والإكثار. بينما يختلف مفهوم التنمية الاصطلاحي من مجال إلى آخر، فيتخذ دلالة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو بيولوجية أو نفسية. ومن هنا، أصبح مفهوم التنمية مفهوما معقدا ومتشابكا يصعب تعريفه وتحديده بدقة.
هذا، وقد ارتبط مصطلح التنمية في البداية بالتقدم والتخطيط والإنتاج، ليصبح فيما بعد ذا أبعاد مادية ومعنوية. ولكن التنمية بالمفهوم العام هي تحسين ظروف المواطنين وتغيير مستوى معيشتهم عن طريق تحسين دخلهم الفردي والرفع من شروط الرعاية الصحية وتقديم أحسن منتوج في مجال التربية والتعليم والتثقيف عبر تكثيف برامج العمل ذات الطابع البشري والإنساني والأهلي، وإعداد مشاريع تنموية واستثمارات من أجل خدمة هؤلاء المواطنين والأجيال اللاحقة ضمن ما يسمى بالتنمية المستدامة أو الطويلة الأمد.
وترتبط التنمية أيضا بالتحديث والتغيير والعصرنة وتحقيق مؤشرات النمو الاقتصادي والرفع من الإنتاجية وتحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي والاعتماد على العقلانية والتصنيع من أجل اللحاق بالدول المتقدمة والدخول في سراديب العولمة التي لا تؤمن سوى بالمنافسة والعمل المتواصل واحتكار الأسواق.
وعليه، تدور التنمية البشرية حول تطوير: "المقدرة البشرية بسياسات وبرامج اقتصادية واجتماعية ودولية تعزز قدرة الإنسان على تحقيق ذاته. ويرتبط مفهوم التنمية في هذا السياق بتنمية الإنسان من حيث هو هدف ووسيلة، أو بتنمية قدرات الإنسان على سد حاجاته المادية والمعنوية والاجتماعية. وإذ تتركز إستراتيجيات تحقيق التنمية البشرية على إحداث تغييرات في البيئة القانونية والمؤسسية التي يعيش في كنفها البشر، يبقى الأساس في ذلك دائما توسيع خيارات الإنسان وبذلك يتسع فضاء حريته، وهو ما يتضمن البعد الاقتصادي للتنمية دون أن يقتصر عليها.
والخلاصة أن التنمية البشرية...توسيع لقدرة الإنسان على بلوغ أقصى ما يمكنه بلوغه من حيث هو فرد أو مجتمع ذو أفراد كثيرة وذلك بزيادة إمكانياته التي ليست القدرات الاقتصادية إلا مجرد جانب منها. ومن هنا لابد أن تكون السياسات التنموية بالضرورة متعددة الآفاق، لا اقتصادية فحسب." [11]
وهكذا، فالتنمية ذات أبعاد مادية اقتصادية، وأبعاد إنسانية بشرية قائمة على التثقيف وتطوير مؤهلات الكائن البشري عن طريق استثمار قدراته الذاتية للتأقلم مع وضعيات المجتمع المعقدة.
2- تاريخ مفهوم التنميـــة:
من المعلوم تاريخيا أن مفهوم التنمية لم يتم تداوله إلا مع منتصف القرن العشرين، وذلك مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية ومع استقلال جل الدول التي تنتمي إلى العالم الثالث أو إلى دول الجنوب، ومنها بعض الدول العربية التي كانت تعاني من التخلف على جميع المستويات والأصعدة.
ورغبة من هذه الدول في التحرر، تبنت عدة مقاربات اقتصادية وسياسية للخروج من شرنقة التبعية والتخلف قصد اللحاق بدول الشمال والدول المتقدمة، فظهر ما يسمى بالدول النامية أو البلدان السائرة في النمو، وطفحت على السطح إشكالية التخلف و التنمية، وأصبحنا اليوم نتحدث عن مفاهيم مقترنة بالمفهوم كالتنمية المستدامة والتنمية البشرية. بيد أن هناك العديد من الدراسات الاقتصادية التقليدية التي تحدثت عن التنمية، ولكن بمفهوم النماء والإنتاج والربح.
وعليه، فقد وظف مصطلح التنمية في الاقتصاد أولا ليعني إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين عن طريق التحكم في الموارد الذاتية وتوظيفها توظيفا حسنا لرفع من قدرات المجتمع قصد تحقيق الحاجيات المستلزمة، وإشباع رغبات المواطنين عن طريق تحسين ظروفهم المادية والمعنوية. بيد أن هذا المصطلح قد اتخذ في الستينيات من القرن الماضي بعدا سياسيا ليعني تطبيق الديمقراطية وإرساء ثقافة حقوق الإنسان وتنمية الموارد البشرية قصد اللحاق بالدول الصناعية الغربية.
وتنقسم التنمية إلى قسمين: تنمية مادية اقتصادية، وتنمية بشرية إنسانية. ويعني هذا أن التنمية ذات شقين: شق مادي تقني وشق ثقافي معنوي. وبالتالي، فالتنمية تسعى جاهدة إلى تأهيل الإنسان معنويا واجتماعيا وحضاريا وثقافيا وتقنيا عن طريق تطويع الاقتصاد لخدمة الإنسان.
3- أســس التنمية ومرتكزاتها:
لا يمكن تحقيق التنمية الحقيقية إلا بإرساء مجتمع الديمقراطية والعدالة ودولة الحق والإنسان والمواطنة الصالحة ونشر العلم بين كل أفراد الشعب وتوزيع الثروات بكل إنصاف وتشغيل العقل والمنطق وتغيير العقليات الموروثة وتحرير العقل من أي فكر مسبق وإعطاء الأولوية للتجريب العلمي والاختراع التقني عن طريق تطوير التعليم والتربية وإعلاء خطاب التسامح والانفتاح على الآخر وإرساء الفكر الفلسفي الايجابي الذي يساهم في اختراع النظريات وإثراء التجارب التطبيقية الناجعة لتحقيق مجتمع مزدهر يؤمن بالديناميكية والفعالية السياسية القائمة على المشاركة وخدمة الصالح العام . [12]
وتنبني التنمية في جوهرها على أربعة عناصر أساسية وهي: الإنتاجية والمساواة والاستدامة و تمكين المجتمع المدني بقوة التمثيل السياسي للمشاركة في اتخاذ القرارات الصائبة من أجل المساهمة في تحقيق التنمية البشرية الفضلى. [13]
لكن تبقى العقلانية والحرية والديمقراطية وتسييد خطاب حقوق الإنسان والارتكان إلى المبادرة الحرة من الأسس الفعالة لترجمة التنمية إلى الواقع الفعلي.

إضافة تعليق