المجتمع المدني وأبعاده الفكرية مواجهة بين رؤيتين ثقافيتين

أصبحت قضية المجتمع المدني تطرح في الأدبيات السياسية وفي الجدل السياسي الدائر من دون أن يكون هناك ثمة اتفاق على دلالات المصطلح ومضمونه، الأمر الذي زاد من القضايا الخلافية حوله ويقدم كتاب (المجتمع المدني وأبعاده الفكرية) الذي صدر عن دار الفكر بدمشق ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد رؤيتين جديدتين للدكتور الحبيب الجنحاني والدكتور سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، يحاولان فيها مقاربة المفهوم وتوظيفاته ومدى قدرته على الاستجابة لحاجات مجتمعية تختلف عن المجتمع الذي ظهر فيه هذا المفهوم وأعطاه معناه ودلالاته.
بداية يتحدث الدكتور الجنحاني عن المجتمع المدني بين النظرية والممارسة. ويكشف العنوان عن فجوة ما قائمة بين الجانب النظري وجانب التطبيق العملي.. فالمفهوم كما هو أولاً دخيل على تراث الفكر السياسي العربي الإسلامي وقد برز في الخطاب السياسي العربي في العقود ,ومن أجل استيعاب معنى ظهور هذا المفهوم في الغرب ودوره في تطور الفكر السياسي الاقتصادي الأوروبي يعود الباحث لدراسة نشأته التي يرى أنها شهدت مرحلتها الأولى مع عصر الأنوار والذي مهد للثورات البرجوازية الأوروبية وقد برزت مدرستان في القرن 19 أهمها المدرسة الليبرالية والمدرسة الماركسية ولذلك ارتبط ظهور المفهوم ونشأته في ظل احتدام الصراع الاجتماعي والسياسي الأوروبي.
يوضح الباحث أن المجتمع المدني والدولة ليسا مفهومين متقابلين؛ فالدولة هي الوجه الآخر للعملة في علاقتها بالمجتمع المدني، ثم يلجأ إلى تحديد أبرز سمات المجتمع المدني وقيمه وعندما يتحدث عن المفهوم عربياً يقدم عدداً من الملاحظات حول العلاقة المتداخلة بين المجتمع والدولة اللذين يعتبران مفهومين حديثين وحول تاريخ ظهور مفهوم المجتمع المدني في مطلع السبعينيات بعد أن تحمست له الجمعيات الأهلية العربية لأنها تمثل نواته إضافة إلى وجود هوة بين التجارب الديمقراطية الهشة والمقيدة والجمعيات الأهلية، كما يقدم عدداً من الملاحظات الأساسية على واقع استخدام المفهوم وعلاقة القوة السياسية والثقافية والاقتصادية العربية معه.
من جهته يقدم الدكتور سيف الدين إسماعيل منظوراً إسلامياً في مقاربة هذا المفهوم تركز على البحث في محتواه وطبيعته ولذلك يلجأ إلى القراءة المتكافلة كما يسميها وهي تشتمل على ثلاث مستويات: الأول نظري منهجي يجعل من المفهوم محوراً له، والثاني دراسة تاريخية معاصرة له تتناوله ضمن منظومة المفاهيم العولمية.. أما الثالث فهو القراءة المركبة ثم يقوم الباحث بدراسة هذه المستويات حيث تشير إلى وضوح مفهوم المجتمع وغموض صفته (المدني) ما يقود إلى مأزق منهجي يتمثل في تنوع العناصر والاجتهادات.
ويطالب إسماعيل أن تقوم الرؤية النقدية لهذا المفهوم لا على صورته الأولى بل على نقل هذا المفهوم في الوسط الأكاديمي والثقافي العربي لأن نقل المفهوم كما يرى الباحث يمثل تجديداً لعقيدة سياسية وشعارات الحرب العقائدية والسياسية الراهنة في المجتمعات العربية.
ونظراً لإشكالية النقل يقدم الباحث رؤية للخروج من هذا المأزق يأتي في مقدمتها تحديد المفهوم بشكل إجرائي يعبر عن حقائقه وجوهره، وعن الغاية والدور منه ثم يتناول المفهوم من خلال قراءة تاريخية معاصرة تتضمن إعادة تعريف مفهوم السياسة وتحقيق فروض الكفاية واستثمار فاعلية التكوينات المؤسسية إسلامياً.. وهنا يبحث في واقع الحركات الإسلامية بين مقولتي المجتمع المدني ومؤسسات الأمة.. وفي الختام يتحدث عن معنى تكافل القراءات التي تستدعيها حالة التعقيد والتداخل في معنى المفهوم ودلالاته ويختمها بتقديم منظور إسلامي لمفهوم المجتمع المدني والأهلي.
ويضم القسم الثاني من الكتاب رد الدكتور الحبيب الجنحاني على ما قدمه الدكتور سيف الدين اسماعيل الذي تناول المفهوم من منظور إسلامي جعل من الصعب اقتطاع المفهوم من سياقه التاريخي وإسقاطه على المجتمع الإسلامي كما وضع مؤسسات الأمة مقابل مؤسسات السلطة ما دفع الجنحاني إلى تأكيد اختلاف هذه الرؤية في حين أن الدكتور إسماعيل يقدم موقفاً نقدياً لمجمل آراء الدكتور الجنحاني حتى خارج متن البحث ثم يقدم نقداً منهجياً لطروحاته التي اشتملت على رؤية معتمة . وهي أسئلة لا تزال مثار جدل واسع بين تيارات الفكر العربي المختلفة ونخبه الثقافية والسياسية.
واحتوى الكتاب على ملحق للتعريف بأهم المصطلحات التي وردت في الكتاب.

إضافة تعليق