المجتمع المدني والدولة..

دراسة في بنية ودلالة المجتمع المدني والدولة وعلاقتهما بالديمقراطية
لماذا أصبحت سيادة الدولة مهددة في ظل العولمة؟ وماهو دور المجتمع المدني ومنظماته في بناء الدولة ودعمها أو تقويضها وإضعافها؟
وهل يعد الضعف في مؤسسات الدولة من مصلحة المجتمع؟ وهل يعد تراجع دور المجتمع المدني من مصلحة الدولة؟ وكيف يمكن أن يتحقق التوازن بين قوى المجتمع المدني والمؤسسات الديمقراطية، لتشكيل دولة قوية؟ أسئلة طرحها الدكتور سهيل عروسي في كتابه المجتمع المدني والدولة، محاولاً الإجابة عنها من خلال دراسة بنية ودلالة المجتمع المدني والدولة وعلاقة كل منهما بالديمقراطية، فاستعرض في الفصل الأول تطور الفكر السياسي بشقيه الدولة التي تشغل حيزاً واسعاً ومهماً في مراحل تطور الفكر السياسي، باعتبارها المحل القانوني لممارسة النشاط السياسي عبر الديمقراطية، والمجتمع المدني وما يقوم به الناشطون الاجتماعيون، مشيراً إلى أن الحديث عن الدولة لايمكن بطبيعة الحال دون التوقف عند أهم المفكرين كابن خلدون ومكيافيللي، وهيغل فلكل منهم مساهمته في نسق من أنساق فكر الدولة ارتبط باسمه بشكل أو بآخر. ورأى الدكتور عروسي أن الميثولوجيا (الأسطورة) تشكل مرحلة الطفولة في الوعي البشري، وكذلك الحلم بالعدالة والمساواة، وبمدينة فاضلة لاظلم فيها ولاعدوان، وإذا وجدنا عند الشاعر اليوناني (كراتينس) ملامح المدينة الفاضلة، فإننا مع أفلاطون أمام مدينة فاضلة متكاملة (كاليبوس) المتباينة بين (الجمهورية، السياسية، القوانين) واتفق تلميذه أرسطو معه في أن الهدف النهائي للدولة هو هدف أخلاقي، ولكن ليس عبر الدولة الفاضلة (كاليبوس) بل عبر الدولة الدستورية، حيث العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة أحرار وليست علاقة أسياد وعبيد. ولم يكن الشرق العربي الإسلامي أقل قدرة على التخيل، حيث قدم الفارابي تصوره عن المدينة الفاضلة فهي كالبدن، بناء متماسك تماسك أعضاء البدن وموجودات الكون، أما الرئيس الفاضل فيجب أن يكون فيلسوفاً، وعالماً حافظاً لما سنّه الأولون من شرائع وقادراً على استنباط شرائع في الأمور التي لم يصلوا إلى تشريعها، وتلائم أوضاعاً حاضرة مستجدة، وأن يكون جيد الإرشاد فيما وصل إليه من شرائع وأخيراً قوي البدن عالماً بصناعة الحرب قادراً على قيادتها. ويتفق الفارابي مع أفلاطون في ترتيب مجتمع المدينة الفاضلة، والعلاقات بين أفرادها القائمة على مدى قدرة كل فرد من حيث الاستعداد الطبيعي والملكة الإرادية معاً، وأن يصل رتبة العقل المستفاد، ويكون له نوع اتصال بالعقل الفعال، وأن يصلح لقيادة مجتمعه نحو الغاية المطلوبة لذاتها وهي السعادة التي يجب أن تتحقق أولاً في الحياة الدنيوية أي العالم الواقعي. أما ابن خلدون فقد اعتبر أن فكر البادية السياسي هو مركز الثقل السلطوي وهذا ما يجعله يسجل اختلافاً عن أفلاطون وفلاسفة اليونان الذين انطلقوا من المدينة كوحدة سياسية، بينما انطلق هو من البادية كوحدة سياسية، فتحدث عن الدولة من موقع العالم وليس الفقيه، وهذه مأثرته الكبرى التي أسست فيما بعد لمفكري الغرب ركائز ومنطلقات أسهمت في قيام الدولة الحديثة. ويتابع المؤلف بحثه في تطور الدولة والمجتمع المدني عبر (بودان، هوبز، لوك، مونتسكيو، روسو، هيغل، ماركس). فيرى بودان متحيزاً للنظام الملكي باعتباره الأكثر تطابقاً مع الطبيعة، فقوانين الطبيعة ـ حسب بودان ـ فوق قوانين السيادة، وهو بذلك يختلف عن «توماس هوبز» الذي لم يكن مخلصاً لشخص الملك ولا لمبدأ الملكية ذاته، بل كان مخلصاً للسلطة ويبين منفعتها لامهابتها، ويعتبر أن المجتمع المدني هو المجتمع القائم على التعاقد، والموجود الممكن الوحيد للمجتمع عند «هوبز» المجتمع المدني أي المجتمع السياسي المنظم في دولة، كان وهو بذلك لايهتم بكون الدولة ديمقراطية أو ليجاركية أو ملكية، ما دامت تملك السيادة تجاه مواطنيها وعلاقاتها مع الدول الأخرى. ويخلص المؤلف إلى أن شرط المجتمع المدني ليس مؤسسة حكم، إنه نوع من النشاط التطوعي يقوم أساساً على ثقافة التطوع، ويعمل عبر الناشطين الاجتماعيين والثقافيين على إذكاء روح العمل الجماعي وسد الفراغات التي لاتستطيع الدولة ملأها بسبب تشعب مهامها، وربما تشتتها في ظروف العالم الثالث، إنه المعاون الثقافي والاجتماعي للدولة، كما أن الدولة هي المعاون السياسي للمجتمع المدني. ومن هذا التعريف يشير المؤلف إلى القواسم المشتركة التي اتفق عليها رواد المجتمع المدني (هيغل، ماركس، غرامشي) والتي لخصها في ضرورة التشديد على الفصل بين الدولة والمجتمع، أو بين مؤسسات الدولة والمؤسسات المجتمعية بوصفه شرطاً معطى تاريخياً، أو وعياً اجتماعياً معطى أو متطوراً تاريخياً. ووعي الفرق بين آليات عمل الدولة وآليات عمل الاقتصاد، وتمييز الفرد بوصفه مواطناً والتشديد على الفرق بين الديمقراطية التمثيلية في الدولة الليبرالية، والديمقراطية المباشرة. وفي تناوله للمجتمع المدني العربي نراه يقف عند محطتين أساسيتين، الأولى وهي محطة عقيدية، ويعني بها الإسلام كمنظومة دينية، فكرية، سياسية. والثانية، محطة اجتماعية ـ سياسية، ويقصد بها الدولة من حيث طبيعة تكوينها ومفردات قوتها. ويرى أن الحديث عن المحطة الثانية بغير منظار المحطة الأولى هو نوع من الجهل السياسي بالطبيعة التكوينية للمجتمع العربي التي يشكل الاسلام لحمتها وعنوانها الرئيس. فللدين الإسلامي دور محوري في منظومة العلاقات والتفاعلات الاجتماعية في الوطن العربي. وهو مكون هام من النسيج الاجتماعي و الثقافي والسياسي، فلا يمكن بناء مجتمع مدني في الوطن العربي بعيداً عن الإسلام، وذلك بناء على غرار ما حدث من خبرات بناء المجتمع المدني في الغرب حيث كانت العلمنة أحد المكونات الأساسية لبناء المجتمع المدني. مشيراً إلى أن هناك جملة من الإشكاليات التي تعوق بناء المجتمع المدني العربي وأبرزها ضعف وهشاشة الدولة في العديد من الأقطار العربية، وعدم تأسيس شرعية ثابتة ومستقرة للدولة، وتعثر الدولة القطرية في إنجاز الأهداف والطموحات الكبرى للعرب، فضلاً عن زيادة تبعية الدولة العربية للخارج وتعثرها في الخروج من الإطار التقليدي ومفاصله المتجسدة في المكونات ما قبل الهوية الوطنية (العشائرية ـ الطائفية) والدخول إلى عالم الحداثة بمعناها المعرفي. وهذا ما انعكس على المجتمع العربي الذي يعاني من هشاشة نسيجه الاجتماعي. و للخروج من هذه الإشكاليات لابد من السعي نحو تمكين المجتمع والدولة معاً، وحسب المؤلف فإن ذلك لايتم إلا عبر التعامل مع الغرب عبر مقولة الخاص والعام. فما هو خاص فهو له وعليه، وما هو عام فهو من الإنسانية ولها. والتوقف عن تكرار أن عدم تقدم المجتمع المدني يعود إلى المجتمع الأهلي التقليدي المليء بالعوائق، بالإضافة إلى عقلنة تعامل الدولة في المجتمع العربي مع الإسلام والسعي نحو تمكين الدولة والمجتمع المدني، وعلى الدولة العربية أن تعمل على أن تكون التعبير السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي لمختلف فئات المجتمع، وأن تكون على مسافة واحدة من جميع مكونات المجتمع العربي عبر تخفيف آليات القوة من جهة، وفتح النوافذ أمام المجتمع المدني من جهة أخرى. ولايمكن أن يتم ذلك إلا عبر الديمقراطية التي تناولها الباحث في الفصلين الأخيرين من الكتاب، معرفاً الديمقراطية كمؤسسة وممارسة أولاً، ثم علاقة الشورى بالديمقراطية، معتمداً على آراء المفكرين ورجال السياسية في هذا المجال مؤكداً أن انتاج خطاب ديمقراطي حقيقي يقتضي النظر إلى جوهر الديمقراطية بأبعادها الثلاثة: التداول السلمي للسلطة، احترام حقوق الإنسان، التعددية السياسية، حيث تشكل العناوين البارزة لمناشط وفعاليات المجتمع المدني، فقوة الديمقراطية تكمن في ممارستها وليس في قوة نصوصها، ونحن في هذه المرحلة بالذات أحوج ما نكون إلى الديمقراطية القائمة على ضرورة احترام المصالح الاجتماعية المختلفة لمجموع الفئات المشتركة في البنيان الاجتماعي الوطني، والسعي إلى ربط مشكلة الديمقراطية بالمشكلة القومية أولا، وربط الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية ثانياً، فضلاً عن ضرورة تكملة معاصرة المجتمع من خلال إعلان مبادىء فصل الدين عن الدولة، أي إعلان مبادىء العلمنة، وضرورة الأخذ بمبادىء الديمقراطية السياسية الكاملة، وأن تكون ناتج اختيار حر للجماهير من خلال ممارسات سياسية وصحيحة، وأخيراً إعادة النظر في نظم الحياة الاجتماعية.. وعن علاقة الشورى بالديمقراطية يرى المؤلف أن الواقع على مستوى الساحة السياسية الاسلامية في العالم نظير أن مفاهيم الشورى تتحرك على مستوى النخب الإسلامية في الحوارات الدائرة ليس إلا، ولم تستطع أن تشكل القاعدة الفكرية العملياتية لأي حزب في ممارسته للديمقراطية، ما يعني بوضوح أن الشورى لا تستطيع أن تقدم برنامجاً مدنياً مكتملاً بالغايات والوسائل، وأن قبول الإسلام السياسي مبدأ الانتخابات بدل البيعة هو اعتراف ضمني وذكي بانتهاء الوظيفة التاريخية لهذا النص الذي بقي في النصوص تجسيداً لمرحلة قصيرة مضت.
الكتاب: المجتمع المدني والدولة
المؤلف: د. سهيل عروسي
الناشر: دار الفكر/ دمشق 2008.
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاربعاء 17 كانون الأول 2008
عزيزة السبيني

إضافة تعليق