المحرر الأدبي ودوره… بين النقد والتسويق

لا يزال دور المحرر الأدبي هامشيًا في العالم العربي، وقلما يستعين به الأدباء ودور النشر، على الرغم من أهمية ما يضطلع به من مهمات وأدوار ضرورية للخروج بمنتج إبداعي جيد، خاصة في الأعمال الروائية. وثمة خلط عند الأدباء العرب بين وظيفة المحرر الأدبي والمحرر الثقافي والمدقق اللغوي، يؤكد غياب ثقافة التحرير الأدبي عندهم، وعدم معرفة دوره وعمله على وجه التحديد. فالمحرر الأدبي ينطلق من أرضية نقدية، وكل عمله يعتمد على رؤيته النقدية وتقييمه للنص الذي بين يديه، ومن ثم يُعمل قلمه في النص بالتوافق مع الكاتب لتلافي الخلل، ورفع سوية النص. لذا توجهنا بالسؤال الآتي لنخبة من الروائيين والنقاد العرب، «هل يُعدُّ المحرر الأدبي ناقدًا أدبيًا؟ ولماذا؟» فكانت هذه المشاركات..

ناقد بالقوة 
مصطفى لغتيري ـ روائي مغربي

لا شك أن نشر كتاب ما عملية معقدة تتداخل فيها عوامل عدة، تبدأ بالمؤلف وتنتهي بالقارئ. لكنها تمر بمراحل مهمة وحاسمة، من بينها مرحلة المحرر الأدبي الذي يسهر على خروج الكتاب إلى القارئ في حلة مناسبة، لهذا فهو يعد من جنود الخفاء الذين يسهرون على العمل الأدبي ويجعلون ظهوره ممكنًا، مكملًا بذلك لمجهود المؤلف ومنقحًا له، وما الهيئة الأخيرة التي يرى فيها كتاب ما النور إلا نتيجة لعمل متعدد الأطراف، يمكن اعتبار المحرر الأدبي من أهمها، لأنه يشذب العمل ويقومه، خاصة من ناحية الأخطاء اللغوية، أو إثارة الانتباه إلى ارتباك ما في الصياغة أو في تطور الأحداث في العمل الأدبي، وإذا كان العديد من الكتاب لا يعترفون بدور هذا «الجندي المجهول»، فإن كتابًا آخرين يصرون على ذكر الدور المهم الذي يقوم به المحرر الأدبي، ومن هؤلاء غابرييل غارسيا ماركيز، الذي اعترف غير ما مرة أن مخطوطاته تكون مليئة بالهنات اللغوية، وأن المحرر الأدبي هو الذي يقومها ويجعلها في الصورة التي تظهر عليها أمام القارئ. 
وإذا كان المحرر الأدبي ينقح العمل الأدبي فإن من المفترض أن يكون ممتلكًا لتصور ما نحو الأدب عمومًا، ما يجعله ممتلكًا لرؤية تؤهله للتعامل مع النص الأدبي والحكم عليه كذلك، لكن ذلك يبقى في حدوده الدنيا، لأن عمله تقني في العموم، إلا في حالات نادرة. 
لكن ما يؤسف له أن جل دور النشر العربية لا تتوفر على المحرر الأدبي الذي يتابع النص خلال مراحل ولادته حتى يخرج مكتملًا، لذا نجد كثيرًا من النصوص الجميلة مليئة بالأخطاء اللغوية، التي كان يمكن تفاديها بمراجعة من المحرر الأدبي لو توفر، أو أن نقصًا ما يعتورها، ربما يكون العمل الأدبي أفضل لو تم الانتباه إليه. ولكن.. هل هذا العمل الذي يقوم به المحرر الأدبي يؤهله ليكون ناقدًا أدبيًا؟ أظن أن الأمر يحتاج إلى كثير من الحذر، ومع ذلك أستطيع أن أقول بلغة الفلسفة إن المحرر الأدبي ناقد بالقوة وليس ناقدًا بالفعل.

المحرر الأدبي أكثر من ناقد 
وارد بدر السالم ـ روائي عراقي

على الرغم من أن صفة المحرر الأدبي لم تأخذ صيغة التقليد الثقافي في أروقتنا الأدبية العربية، لأسباب تتعلق بالجينات الشرقية الرثة، وشيوع الأنا وفخامتها الأسطورية فينا، إلا أن مثل هذا التقليد باستقدام أو صناعة أو خلق جيل من المحررين الأدبيين نراه موضوعا فريدا في تبنيه الأثر السردي على سبيل المثال، وهو الأثر الذي يصلح أكثر من غيره لمبضع المحرر الأدبي، الذي سيكون بمهاراته الفردية وحسّه الإبداعي «كاتبًا ثانيًا» أو صــــانعاَ ماهرًا أو صائغًا دقيقًا، لمجمل أحداث السرد الذي يؤتَمن عليه.
فالمحرر الأدبي بهذه الصيغــة الفــريدة – كما يجري في الآداب الأوروبية – هو الكاتـــب الظـــل المتـــواري بحسه الجمالي والنقدي، وهو أكثر من ناقد وأحيانًا لا نغالي إذا قلـــنا إنه المخفـــي من الأثر الســـردي، الـــذي يظــــهر في وقـــته المناســـب، ونعتمـــد وجـــوب وجـــوده في آدابـــنا العربية لو ظهــر مثل هـــذا المحـــرر الـــذي يبتـــدع النص من جديد ويضفـــي عليه لمسات لا يراها الكاتب الأصلي، بل يبتكر طريقته الفذة في توجيه النص إلى جوهره الأساسي، بالإضافة أو التشذيب، وبالتالي فمثل هذا المحرر هو قارئ من درجة خاصة ومتميزة، وناقد أعلى شأنًا من الناقد المحترف و(مؤلف) مجهول لم يحترف الكتابة إنما احترف الفعل الإبداعي بنبوءة شخصية قادتها المعارف والثقافات والوعي الجمالي في تعقيب الأثر السردي.

يجب أن يكون ناقدًا 
محمد المشايخ ـ ناقد أردني

من أهم مواصفات المحرر الأدبي أن يكون ناقدًا، فقد سميت العملية التي يقوم بها للتعبير عن موقفه من نص تم إبداعه بالنقد، الذي يتطور إلى اتجاهين: أحدهما يتمثل في الحكم والتفسير، والثاني في الذاتية والموضوعية.
أما الحكم، فيعني أن يقول هذا حسن وهذا رديء، هذا جميل وهذا قبيح، وبالتالي يكون الحكم قاعدة أو معيارًا مرادفًا للتقييم والتقدير، أما التفسير فيعني أن يبحث في العوامل المؤثرة في النص، وفي عملية الخلق الأدبي. 
أما الاتجاه الثاني المرتبط بالذاتية والموضوعية، فيتضح من خلال مقولة إن النقد الذاتي يعني أن المحرر الأدبي ينطلق في الإعراب عن موقفه من النص من ذاته هو، مما يحس به ويشعر من جمال أو قبح. والمآخذ على هذا النقد أنه قد يميل بصاحبه إلى الباطل، مع الاعتراف بالحق، وقد يحكم على الجميل بالقبح لفرض خــــارج عن طبيعة العملية النقدية، ويحكم على القبيح بالجمال لصلته بصاحب النص. 
أما النقد الموضوعي، فيعني أن يزاول المحرر الأدبي- بصفته ناقدًا- مهمته بتجرد وكأنه غريب عن النص، فلا دخل لإحاسيسه الشخصية وما يحبه هو في النص وما لا يحبه، غير أن النقد الموضوعي،هذا قد ينطبق على أشياء مادية جامدة، أما الأدب فهو حي.

بين الكاتب والناقد
حجي جابر – روائيّ إرتيريّ

يبدو لي أنّ المحرر الأدبي يقع في منزلة متوسطة بين الكاتب والناقد. فهو غالبًا ليس بعيدًا كالناقد الذي يُنظر إليه ممسكًا بمسطرته وتفصله مسافة عن دقائق الصنعة، بحيث يصعب عليه النزول وجسر تلك المسافة عبر ممارسة الكتابة الإبداعية. لكنّ المحرر الأدبي في الوقت عينه ليس بالقرب الكافي على الأغلب لينتج إبداعه الخاص. هذه المراوحة بين القرب والبعد عن ممارسة الكتابة الإبداعية بشكل مباشر وفردي تجعل منه بالضرورة شخصًا على تماسّ مع شروط الكتابة من جهة، والنقد من جهة أخرى. قدرته على رؤية مواطن الضعف والوهن في أي نصّ أدبي تقرّبه من منزلة الناقد، كما أنّ انخراطه الفعلي في تقويم النصّ عبر الحذف والإضافة، لا تجعله بعيدًا من مهنة الكاتب الأول. بهذا أجد من الصعوبة أن يتصدى لهذه المهمة من لا يملك موهبة الكتابة في الأساس، وإلمامًا بشروط النقد الأدبي. لهذا ربما لا تزال مهنة المحرر الأدبي في الوطن العربي ضمن أضيق الحدود، إضافة إلى أسباب أخرى، منها عدم اكتراث دور النشر بهذه المهنة أو الإحجام عن زيادة الأعباء المالية. كما يُسهم في عدم ازدهار هذه المهنة رفض الكتّاب أن يقوم آخرون بإعادة كتابة وتقويم أعمالهم، أو في أحسن الأحوال رفض ظهور ذلك على الملأ. بينما نرى في أماكن أخرى من العالم كيف أنّ صنعة المحرر الأدبي معترف بها ولا تستدعي الخجل.

الحس النقدي 
هيثم حسين ـ ناقد وروائيّ سوري

في الواقع يكاد المحرّر الأدبيّ يغيب عن عالم النشر العربيّ، فهناك كثير من دور النشر العربية لا تولي أيّ اعتبار لدور المحرّر الأدبيّ، وتجده عبئًا على الدار من الناحية المالية، وتستعيض عنه بمدققين لغويين يراجعون النصوص لغويًّا، ويقومون بتنقيحها، بدون أن يدلوا بأيّ ملاحظات في صلب التحرير وبنية النص.
أعتقد أنّه لا بدّ أن يتحلّى المحرّر الأدبيّ بحسّ نقديّ، ناهيك عن الحسّ الإبداعيّ، ولا بدّ كذلك أن يتحلّى بكثير من الحرفيّة التي تمنحه القدرة على التضحية بالجانب الإبداعيّ لديه، وتسخيره في خدمة إبداع شخص آخر، بحيث يكون المحرّر هو الجنديّ المجهول في عملية النشر، وإخراج الكتاب بالحلّة المأمولة.
المحرّر الأدبيّ يناقش الكاتب في بنية النصّ، يقترح عليه تعديل صياغات أو مقاطع، أو حتّى إدخال محاور أو حذف محاور أخرى، ويكون ذلك بالتوافق مع الكاتب، وإذا اقتنع بذلك فإنّه يقدم عليه، وهنا يخرج الكتاب من حدوده الفرديّة ويغدو مبثوثًا بأفكار المحرّر واقتراحاته، ومتّكئًا عليها، تلك الأفكار التي تنبني بدورها على أفكاره وتحاول تعزيزها أو تطويرها أو إثراءها بصيغة ما.
وهنا لا بدّ للكاتب أن يتحلّى بالمرونة كي يتقبّل اقتراحات المحرّر ويحاوره فيها، ولا ينغلق على ذاته ونصّه كأنّه كتاب مقدّس لا يمكن المساس به أو تعديله. وينبغي عدم تهويل دور المحرّر، وإسباغ القدسيّة عليه، بحيث يتمّ الإيحاء أنّه بدون المحرّر سيكون الكتاب فاشلا أو سيبقى متواضعًا، كما ينبغي عدم الاستهانة بدوره في الارتقاء بالكتاب والدفع به ليكون أكثر تماسكًا وضبطًا وتأثيرًا. هو حلقة مهمّة في صناعة النشر، معه وببصمته يكون الكتاب أقرب للمثال المأمول، ومن دونه قد يكون متخلّلًا بثغرات وهنات تصيبه في مقتل.

تسويق الأدب 
أحمد طوسون – قاص وروائي مصري

المحرر الأدبي لا يعد ناقدًا أدبيًا بحال من الأحوال، فالنقد عملية تكمل العمل الأدبي وتجلي للقارئ مواطن الجمال والضعف في النصوص، وتعينه على الاختيار من بينها مع تعددها واختلافها، بدون أن يكون بقدرة الناقد الافتئات على الكاتب بالتعديل في النص، أما المحرر الأدبي فهو أشبه بعامل عرض يغلف العمل الأدبي بورق السولفان الأحمر ليكون جاذبًا للقراء، فبحكم خبراته يتداخل مع الكاتب في صياغة العمل الأدبي ليتوافق مع شريحة أكبر من الجمهور، وغالبًا ما تكون تدخلاته ضد العمل الأدبي وليس لصالحه، فالأدب يقوم بالأساس على الفردانية، وأسلوب وصياغة كل كاتب هو أهم ما يميز كتاباته، وكثيرًا ما تكون تدخلات المحرر الأدبي لأغراض ضد الفن، كمراعاة عدم خروج النص عن تابوهات بعينها، أو الحفاظ على الأشكال الأدبية السائدة التي اعتادها الجمهور، ومراعـــاة ذائقـــة القـــراء، لأن همه الأكبر التسويق وليس الإبداع، فهو يتعامل مع المنتج الإبداعي كسلعة، بينما المبدع مخلص للفن بغض النظـــر عن فكــرة الترويج والتسويق للعمل، وهذه الظاهرة تنتشر في الغرب، ولعــل صورتهــا الأوضح في العالم العربي تظهر في مجال أدب الطفل، بينما تخفــت بشـدة في المجالات الأدبية الأخرى لتضيق إلى أدنى درجاتها، فيكاد يتشابه دور المحرر الأدبي مع المراجع اللغوي، ولكن من حيث الصياغة، بينما يتسع في مجال أدب الطفل ليصل إلى التدخل في الفكرة الرئيسية للنص، ما يشكل خطرًا كبيرًا على النصوص ويقف عائقًا أمام خروج نصوص تتجاوز الذهنية التقليدية للكتابة للطفل.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.