المدونات الإلكترونية حيوية الثقافة والإعلام

يتفق الباحثون والإعلاميون على تعريف المدونة الإلكترونية، أنها موقع إلكتروني للكتابة الخاصة بالتعبير عن آراء أصحابها في المجالات المختلفة. وينظر إليها البعض على أنها إعلام بديل ينافس الإعلام التقليدي. وفي هذا السياق، قسم الباحث، الدكتور جمال الزرن، الأستاذ في جامعة منوبة التونسية، في بحث له، نشره عام 2007، تطور المدونات، مراحل متعددة.ويجدها كثيرون صورة حيوية للثقافة والاعلام، في وقتنا الحالي.واللافت أن هذه المدونات، باتت، أخيراً، تشهد رواجاً وشعبية كبيرين، من مختلف الكتاب، وتؤدي دوراً تأثيرياً نوعياً. وغدت موئلاً للباحثين والكتاب، يمدونها بمقالاتهم ودراساتهم، وكذا أصبحت الوسائط والمنافذ الفكرية والإعلامية، تعتمدها مصدراً رئيساً لأي من الأبحاث. وبناءً على هذا الأساس، أخذت آراء كثيرة، تخمن وتبحث مدى إمكانية اعتبار أو حلول هذه المدونات، كبديل لدور النشر، في المستقبل.
لا تنفك الأبحاث المتخصصة، تبرهن مدى الدور الحيوي الذي غدت تلعبه المدونات الإلكترونية في الساحة الفكرية والثقافية. ولم يكن هذا ليتعزز بوضوح وقوة كبيرين، إلا عقب أن شرعت تمارس دوراً فريداً، يشهد له الجميع. وذلك خاصة بعد أن عرفت تطورات مرحلية متنوعة. فكما يوضح الدكتور جمال الزرن، أنها شهدت قفزات تطويرية لافتة. وكانت المرحلة الأولى من تطور المدونات: ا
لانطلاق، إذ يؤرخ الزرن لظهور المدونات في منتصف تسعينات القرن الماضي، وتحديداً عام 1994، على يد المدون الأميركي جورج بار، الذي كان وراء نشر فضيحة الرئيس كلينتون مع مونيكا. وأما المرحلة الثانية فهي: (الميلاد الحقيقي). إذ يرى الزرن أن الولادة الفعلية المؤثرة للمدونات، جاءت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حين بدأ الصحافيون دخول هذا المعترك. ك
ذلك أدت الحرب على العراق في 2003، إلى انتشارها أيضاً. وأطلق عليها البعض في ذلك الوقت: "مدونات الحرب العنصرية"؛ لتصبح المدونات جهة مميزة من منافذ الاتصال المؤثرة.
وذلك وفقاً لبحث الزرن. وفي المرحلة الثالثة: (مرحلة النضج)، تحولت المدونات في منتصف 2004، إلى ظاهرة عالمية منتشرة في 2005، وظهرت مجموعة جديدة مميزة على شبكة الإنترنت، تختلف عن بقية المواقع الكلاسيكية ومواقع الدردشة والمواقع الشخصية.
بريق الورق
تؤكد الكاتبة السعودية نور عبدالمجيد، أن المدونات الإلكترونية، تفتح أبواب الفرص أمام الكثير من الشباب الموهوبين، وغير القادرين على الوصول إلى دور النش.
مضيفة أنه مع تمكّن البعض من الوصول إلى دور النشر، تظل تقف في وجوههم العديد من المشكلات، كأن تطلب الدار من الكاتب، مبلغاً كبيراً من المال. أو لا يحقق الكتاب، بعد طبعه، الانتشار المطلوب. ويصبح الخيار الوحيد أمام هؤلاء الكُتّاب الجدد، اللجوء إلى المدونات الإلكترونية؛ لما تحققه من انتشار واسع، آملين تحقيق ما لم تستطع الكتب المطبوعة فعله.
وتعود نور لتشير إلى أن أمل كل كاتب، هو أن يمسك بيده كتابه، لافتة إلى أهمية اعتبار المدونات الإلكترونية مرحلة وخطوة أولى، مضيفة، أنه مهما بلغنا من تقدم وتطور تكنولوجي، وازدادت إعداد المستخدمين لهذه التقنيات، سيظل للكتاب الورقي بريق ورونق خاصين. فالكاتب الحق لن يكتفي بنشر أعماله على المدونات وإنما يظل يسعى لتحويلها لأعمال مطبوعة.
وعن المدونات التي تهتم بالتغطية الإخبارية لآخر الأحداث، تقول نور، إنها تعشق الدخول إلى هذه المدونات، لافتة إلى معرفتها أن بعضها ربما لا تتحرى الدقة.. ولكن، كما تشير، حتى الصحافة المطبوعة تنشر في كثير من الأحيان، أخباراً ومعلومات مغلوطة. إلا أن ما يتوافر في هذه المدونات، والذي يميزها عن الصحافة المطبوعة، أنها آنية. فكل دقيقة يمكن أن نجد أخباراً جديدة. لكننا لن نستطيع أن نرى جريدة جديدة.
وتتمنى نور أن يصار إلى إيحاد نقابة للمدونين، لتنظم عمل هذه المدونات. لكن التساؤلات الذي تطرحها نور هنا، مفادها: من الذي سيؤسس هذه النقابة، وأي توجهات سيتبنى.. وما الأسس التي ستحكم الكتابة داخل هذه المدونات؟ ولكنها تؤكد أن النقابة ستكون مكاناً يرجع إليه الجمهور في حالة نشر أخبار مغلوطة.
صعوبات
"لم أكن يوماً من الذين يفضلون أو يزورون المدونات الإلكترونية. ولكني اطلعت على تجارب الكثير من زملائي. فكان أن أعجبت بها".. هكذا بدأت الكاتبة والصحافية شروق إلهامي حديثها، مؤكدة اقتناع الكثير من أصدقائها من الكتاب الشباب، في أن المدونات هي البديل الأفضل عن الجريدة الرسمية، أو دور النشر المختلفة، خاصة وأننا نعيش الآن عصر التطور التكنولوجي.
وكذا أصبح الإنترنت شيئاً أساسياً في حياتنا. ولا يمكن الاستغناء عنه، مبينة أنه من خلال المدونات، تمكن زيادة المعرفة والتثقيف لدى كثير من الشباب، والذي لم يعد تستهويه قراءة كتاب أدبي أو حتى جريدة ورقية، بينما لا يفارقون مواقع التواصل الاجتماعي والجلوس لمتابعة الإنترنت.
تضيف شروق، إن هناك تجارب لمدونات حققت نجاحاً مدوياً ولفتت إليها أنظار دور النشر، لتحويل التجربة إلى كتاب مطبوع، مثل تجربة غادة عبدالعال، صاحبة مدونة "عايزة اتجوز". إذ تحوّلت إلى كتاب حقق انتشاراً واسعاً، ثم تحوّل الكتاب إلى عمل تلفزيوني شهير، يحمل الاسم نفسه، للنجمة هند صبري.
وتشير شروق إلى أن للورق متعة مختلفة، ولكن ما يقف حائلاً أمام الشباب، هي دور النشر والصعاب التي يحتمل أن تواجه الكاتب في تعامله معها. وتتابع: "إن أول تجربة لي كانت مع دار للنشر، احتالت علي. فبعد أن أعطتهم مبلغاً يغطي تكاليف طباعة كتابها، اختفت هذه الدار فعرفت أنها وقعت فريسة لعملية نصب ممكن أن يتعرّض لها أي كاتب شاب، لقلة خبرته في التعامل مع دور النشر. وهذا لأن دور النشر الكبرى تفضل التعامل مع أسماء كبيرة، بهدف ضمان الانتشار وتحقيق النجاح".
وعن تقديم بعض هذه المدونات، صحافة بديلة عن الورقية، تشدد شروق على أن الصحف الورقية جعلت الشباب يلجؤون إلى هذه الخطوة لعدم اهتمامها بالتعبير عن رأي الشباب، وعدم إتاحة الفرصة أمامهم لكتابة المقالات، من خلال صفحات شبابية تنشر آراءهم السياسية.
مواهب
يرفض الكاتب والسيناريست شريف عبدالهادي، اعتبار المدونات الإلكترونية بديلاً أو حلاً أمثل للمشكلات التي تقابل الكتاب الشباب ومصدرها دور النشر، ذلك نتيجة ظروفهم الاقتصادية التي لا تسمح لهم أيضاً، بإنتاج أعمالهم الأدبية والثقافية. ويوضح أنها خطوة جيدة لو اعتبرناها مكملة وأولية للمواهب التي لا تستطيع إيصال إبداعها إلى الجمهور بشكل يتناسب وموهبتها، وحتى لا تصبح أعمال أصحاب هذه المواهب حبيسة الأدراج.
يشير عبدالهادي إلى الأسباب الأخرى التي ربما تدفع الشباب إلى المدونات الإلكترونية: "إنها كثيرة جداً، ومنها: قلة عدد دور النشر، ضعف التوزيع، اتجار بعض هذه الدور بأحلام الشباب - كأن تطلب من الكاتب أن يدخل شريكاً في الإنتاج.
وبعد التوزيع يحصل على نصيبه. وبالطبع، فإن الدار هي التي تطلع على أرقام التوزيع ولا يستطيع الكاتب معرفة الحقيقة. ويصدق ما تعرضه الدار عليه أو تكون الدار أشد سوءاً، بأن تجعل الكاتب يتحمل تكاليف الإنتاج كاملة، وتقنعه أن ما دفعه هو نصف التكاليف. ومن ثم تشاركه في الأرباح.
موهبة أم وهم
يستكمل عبدالهادي كلامه قائلاً: إن كل ما سبق من أمور قد تحبط الشباب في بداية حياتهم لابد أن يكون لها حل له أهمية كخطوة متقدمة في مشوارهم دون أن يصبح بديلاً، مضيفاً أن الكاتب يمكنه الاستفادة بالمزايا التي ستحققها له المدونة.
حيث جذب الجمهور وتعريفه بأعماله وأسلوبه والتعرف بآراء الجمهور في أعماله فيستطيع بذلك تحقيق نجاح وشهرة قد يكونا السبب في تهافت دور النشر عليه لطباعة أعماله ورقياً، متابعاً أن هناك مدونات حققت لأصحابها شهرة ونجومية أكثر من الكتب المطبوعة.
وبعدها تحوّلت إلى كتب ورقية وحققت النجاح نفسه لرغبة الجمهور في الاحتفاظ بنسخة ملموسة من هذا العمل الناجح، لافتاً إلى أن مميزات العمل المطبوع متعددة أهمها القراءة في أي وقت ومكان وبأي وضع عكس المدونات والتعامل مع الإنترنت بشكل عام حيث يتطلب وضعية معينة ومتطلبات خاصة.
وسيلة إعلام وتثقيف
لم تعد المدونات الإلكترونية وسيلة إعلامية عادية. فهناك مدونون كثر، عربياً وعالمياً، باتوا يلعبون دوراً تأثيرياً فريداً من نوعه. على الصعد كافة. أخذوا معه يوسعون حلقات نقدهم ومتابعاتهم، لتطال مسؤولين على مستوى عالٍ. وبذا غدوا مؤثرين أكثر من أي وسيلة إعلامية أو ثقافية أخرى. وعلى هذا الأساس، أسماء متعددة اشتهرت في الساحة العربية والعالمية، لمدونين أصبح يشار إليهم بالبنان. وغالبيتهم من الشباب.
دور حيوي لا تكبله إنتقادات مغلوطة
يشدد كتاب كثر، على أهمية الدور الذي باتت تلعبه المدونات الإلكترونية في الساحة الثقافية والفكرية. إذ لم تعد مقصورة على التأثير على شريحة محددة. وهكذا يرون أن انتقاد كتاب وقراء لها، متهمين بعضها بأنها دون المستوى، أمر غير محق. إذ إن الجمهور هو الحكم. فالكاتب يُخرج ما لديه من نص ومن إبداع وتنتهي بذلك علاقته بما كتب؛ ليأتي دور الجمهور فيكون الحكم. ومن ثم يعرف الكاتب إذا كان موهوباً أو موهوماً.

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.