المرأة مطالبة بالاحتشام والوجه ليس بعورة

أكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر والعميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، د . محمد رأفت عثمان، ضرورة العودة إلى تعاليم وأحكام الشريعة الإسلامية في ما يتعلق بالعلاقة بين الزوجين، وحذر من مخاطر الزواج العرفي وإهدار حقوق ثمرة هذا الزواج غير الموثق .

وأرجع عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ما نعانيه الآن من جرائم وانحرافات أخلاقية وسلوكية في محيط الأسرة إلى تجاهل القيم والأخلاقيات الإسلامية والواجبات والحقوق المتبادلة بين كل أفراد الأسرة . ورفض العالم الأزهري الذي عرف بحرصه الشديد على الثوابت الشرعية، الغيرة المفرطة بين الزوجين التي تترتب عليها جرائم وأحداث عنف، موضحا أن الغيرة الزوجية المحمودة مطلوبة ومرغوبة شرعا بعيدا عن الظنون والأوهام . ودان د . عثمان سلوك الأب الذي يجبر ابنته على الزواج بمن لا تريده، مؤكداً أن هذا السلوك من جانب الأب مرفوض شرعا، ويبطل عقد النكاح، ونصح كل فتاة ترغم على الزواج بإنسان لا تريده أن تلجأ إلى كل الطرائق المشروعة للتخلص من هذا الزواج، من دون ارتكاب جرائم يرفضها ديننا ويعاقب عليها القانون . وفي ما يلي حوارنا مع د . عثمان:

ارتفعت أصوات البعض تطالب بسن تشريعات حازمة لمواجهة مخاطر الزواج العرفي بعد أن تعددت قضايا النسب داخل المحاكم المصرية، هل تؤيد هذا المطلب؟

- عقد الزواج العرفي مع صحته من الناحية الشرعية من دون توثيق أمام المأذون، استغل من قبل من لا ضمير لهم لارتكاب جرائم أخلاقية وأعمال منافية للآداب والقيم والتقاليد الإسلامية التي تربينا عليها، ولذلك أصبح هناك مبرر شرعي لمنع هذا الزواج، ولو تركنا التجاوزات التي تحدث مع البعض جانبا ونظرنا إلى الزواج العرفي من ناحية الحقوق والواجبات نجد أن توثيق الزواج مصلحة للزوجة، يؤكدها الشرع حفاظا على حقوقها والتزاما بواجباتها، ومن الناحية القانونية اشترط القانون توثيق العقد لسماع دعوى الزوجية عند الإنكار أو الإقرار بها، والدافع إلى هذا هو أن الحوادث دلت على أن عقد الزواج، وهو أساس رابطة الأسرة، لا يزال في حاجة إلى الصيانة والاحتياط، فقد يتفق اثنان على الزواج من دون وثيقة، ثم يجحد أحدهما ويعجز الآخر عن إثباته أمام القضاء، وقد يدعي البعض زورا وبهتانا أو نكاية وتشهيرا ابتغاء غرض آخر، واعتمادا على سهولة الإثبات بالشهود، فاشتراط هذا إظهار لشرف هذا العقد وتقديس له عن الجحود والإنكار ومنع لهذه المفاسد .

شرط مرفوض

ما زالت بعض الجمعيات المعنية بحقوق المرأة في بلادنا العربية، تطالب الرجل بعدم الزواج بأخرى إلا بعد موافقة زوجته موافقة كتابية، ما مدى مشروعية هذا الشرط في عقود الزواج؟ وهل يمكن أن يوافق الأزهر على ذلك؟

- هذا شرط مرفوض شرعاً، لأنه يتعارض مع تعاليم الإسلام التي أعطت للزوج حق تعدد زوجاته بشروط وضوابط معينة . وعندما نشترط على الزوج أن يحصل على موافقة زوجته قبل الزواج بأخرى، فإننا في حقيقة الأمر نقيد أمراً أباحته شريعة الإسلام ونحرم الرجل من حق من حقوقه، لأن من طبيعة النساء الغيرة، ولا توجد امرأة طبيعية تقبل أن تشاركها امرأة أخرى في زوجها، وهذا الشرط من شأنه أن يلغي تعدد الزوجات، ولذلك هو مرفوض شرعاً ولا يمكن أن يوافق عليه الأزهر .

التنظيم المشروع للنسل

تعاني معظم البلاد العربية والإسلامية الفقر والبطالة ومشكلات اقتصادية عديدة نتيجة زيادة عدد سكانها، هل يجوز إصدار تشريع يلزم الأسرة بعدد معين من الأولاد؟

- هذا الكلام لا أساس له من الشرع، فالإسلام أعطى لكل زوجين أن ينجبا من الأولاد ما يتناسب مع إمكانات الأسرة وظروفها، وإمكانات الأسر وظروفها الاجتماعية والاقتصادية مختلفة، فهناك أسر لا يضرها أبدا أن يكون عدد أولادها عشرة أو أكثر، وهناك أسر أخرى لو زاد عدد الأولاد فيها على اثنين أو ثلاثة ما تمكن الأبوان من توفير الطعام والشراب ومستلزمات الحياة الكريمة لهم . . إذاً أمر الإنجاب يخضع لظروف كل أسرة ولاتفاق الزوجين، وكل ما نستطيع قوله هنا إن الإسلام حرم التعقيم وهو قطع الإنجاب نهائيا حتى لو كانت الأسرة قد اكتفت من الأولاد وليس لديها رغبة في المزيد، كما حرم الإسلام الإجهاض، لأن في ذلك إزهاق روح بريئة إلا إذا كانت هناك ظروف صحية تفرض على المرأة أن تسقط جنينها لأنه يشكل خطورة بالغة على حياتها .

لكن تنظيم الأسرة بمعنى اتفاق الزوجين على وقف الإنجاب مؤقتاً والتباعد بين فترات الحمل، لا يحمل مخالفة شرعية مادام ذلك قد تم بالوسائل المشروعة، وليس في ذلك عدوان على إرادة الله كما يتوهم البعض فما يريد الله سيكون مهما اتخذ الزوجان من وسائل وقف الحمل .

اللباس الشرعي

ما زال كثير من المتدينين والمتدينات يرون أن وجه المرأة عورة ولذلك يُكرهون بناتهم ونساءهم على تغطية وجوههن، ماذا تقول لهؤلاء؟

- أدعو الله لهم بالهداية والصلاح، وأؤكد أن ما يعتقده هؤلاء أو ما حشر في عقولهم ليس هو الإسلام الصحيح، ذلك أن تغطية الوجه ليست مفروضة على المرأة لأن وجهها ليس بعورة لكي تخفيه عن الناس، فالإسلام ألزم المرأة المسلمة بلبس الملابس المحتشمة التي لا تصف شيئاً من جسدها، ولا تكشف شيئا منه سوى وجهها وكفيها، وعندما تفعل ذلك يكون لباسها شرعيا، ويتوافر فيه ما تدعو إليه شريعة الإسلام، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها«، وقد اتفق الفقهاء على أن المراد بقوله تعالى “إلا ما ظهر منها”الوجه والكفان، وعندما يتفق جمهور الفقهاء على ذلك فلا يجوز لأحد أن يأتي الآن ويقول إن تغطية وجه المرأة فريضة .

وإذا كان النقاب عادة، فليست كل عادة منبوذة، فإذا ما رأت امرأة مسلمة أن الأفضل لها أن ترتدي النقاب لظروف خاصة بها أو بالبيئة التي تعيش فيها فلها أن تفعل ما تشاء، لكن ليس من حقها ولا من صلاحيتها أن تأتي وتحاول فرض ما تفعله على آخرين وأن تقنعهم بأن هذا هو المطلوب أو المفروض شرعا، وخلاصة الموقف الشرعي الصحيح في لباس المرأة أن الإسلام ألزم المرأة بالملابس المحتشمة التي لا تصف شيئاً من جسدها وألزمها بألا تكشف شيئا من جسدها سوى وجهها وكفيها وهذا هو المطلوب منها شرعاً، ومن تريد أن تحتمي بالنقاب فليس من حق أحد أن يمنعها من ذلك . وعلى الزوج أن يطالب زوجته بالالتزام بالملابس الشرعية، وليس من حقه شرعاً إجبارها على كشف عوراتها أو ارتداء زي لم يطلبه الإسلام، ولكن لو أقنع الزوج زوجته بضرورة الحرص على النقاب لظروف بيئية معينة واقتنعت والتزمت به من دون إكراه، فهذا من حسن العلاقة بين الزوجين التي أمر بها الإسلام زواج بالإكراه

تزايدت حالات هروب الفتيات المقبلات على الزواج في مصر نتيجة رفض الأسرة ارتباطهن بمن يردن أو نتيجة فرض عريس عليهن لا يرغبن فيه، كيف ينظر عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى هذه القضية؟

- هذه المشكلة توجد داخل الأسر التي يغيب فيها الحوار والتفاهم بين الآباء والأبناء، وفي ظل غياب التربية الدينية الصحيحة للأبناء، وتعلق بعض الآباء بعادات وتقاليد ومفاهيم خاطئة لا علاقة لها بهدي الإسلام من قريب أو بعيد .

وفي هذه القضية لا ينبغي أن نوجه اللوم للآباء ونتهمهم بالخروج على هدي الإسلام، فهناك كثير من الفتيات لا يحسنّ الاختيار ويجرين وراء عواطفهن من دون إدراك للمخاطر التي تنجم عن الارتباط بإنسان مستهتر أو غير كفء للفتاة، أو غير مؤهل لتحمل مسؤولية أسرة .

لذلك نؤكد ضرورة استماع الأبناء لنصائح وتوجيهات الآباء، كما نؤكد ضرورة تخلي بعض الآباء عن المفاهيم الخاطئة التي توارثوها حيث يعتبر البعض أنه وحده صاحب قرار اختيار الزوج المناسب لابنته، ونسي هؤلاء أن شريعة الإسلام أباحت للمرأة البالغة الرشيدة أن تختار الزوج الذي تريده اختيارا حرا لا إكراه معه ولا إجبار، ومنعت وليها من إجبارها، وجعلت العقد عليها من دون استئذانها غير صحيح، وأعطتها حق المطالبة بفسخ عقد الزواج في حالة ما إذا تم الزواج من دون رضاها .

بدعة غريبة

منذ أيام أقامت ممثلة مصرية شابة “حفل طلاق”دعت إليه صديقاتها وزملاءها في الوسط الفني ليحتفلوا معها بطلاقها، هل الإسلام يقر مثل هذه الحفلات؟

- الطلاق أبغض الحلال عند الله، ولا ينبغي اللجوء إليه إلا عندما تصل العلاقة بين الزوجين إلى طريق مسدود وتفشل كل وسائل الإصلاح بين الزوجين، والطلاق غالبا ما يترتب عليه هدم أسر وتشريد أبناء وقطع علاقات، ولذلك فهو ليس مناسبة سعيدة لكي يتم الاحتفال بها ودعوة الصديقات إليها، فهو من الابتلاء الذي ينبغي أن يصبر عليه الإنسان ويبذل كل جهده للتخلص من آثاره السلبية بالصبر والعقل والحكمة وحسن التدبير وليس بالاحتفالات الصاخبة .

لذلك فإن مثل هذه الحفلات من البدع الغريبة التي لا يقرها دين ولا عقل، وحتى لو كانت المرأة قد تخلصت بطلاقها من حياة كئيبة كانت تعيشها مع زوجها، فإن هذا ليس داعياً على الإطلاق لكي تقيم حفلة بمناسبة طلاقها .

الغيرة المحمودة

تعددت جرائم العنف بين الزوجين نتيجة الغيرة المفرطة، كيف تنظرون إلى مثل هذه الجرائم من منظور الشريعة الإسلامية وما حدود الغيرة الزوجية المقبولة شرعاً؟

- الغيرة على الزوجة أو مجرد الشك في سلوكها وإساءة الظن بها لا تعطي للزوج مبررا أبدا لكي يستخدم العنف ضد زوجته ويزهق روحها أو حتى يلحق بها ضرراً جسدياً أو نفسياً . والإسلام من خلال تشريعاته وآدابه يرفض سوء الظن بين الزوجين ويؤكد ضرورة أن تقوم الحياة الزوجية على حسن الظن والثقة المتبادلة بينهما، لأن هذه الثقة متى كانت موجودة بين الزوجين أصبحت حياتهما عامرة بالمودة والرحمة والسعادة والاطمئنان .

أما الغيرة الزوجية فهي مطلوبة ومرغوبة ليس من جانب الزوج تجاه زوجته فحسب ولكن من جانب الزوجة تجاه زوجها أيضا فهي من الحقوق المشتركة بين الزوجين، والهدف الأسمى منها أن يصون كل طرف الآخر من كل ما يخدش الشرف ويتنافى مع الكرامة والإنسانية، ويحرص كل واحد منهما  مع وجود هذه الغيرة  على أن يكون محل احترام وتكريم وإكبار إذا ما انتسب إلى صاحبه، لأن الرجل يشرف بانتساب الزوجة الفاضلة إليه، والزوجة كذلك تسعد بانتسابها إلى الرجل صاحب الخلق الفاضل والسلوك القويم والسمعة الطيبة والعلم الوفير النافع .

لذلك لا ينبغي أن ندين مشاعر الغيرة المتبادلة بين الزوجين، فهي طبيعة في الإنسان  رجلاً كان أو امرأة  فمن طبيعة الزوجة السوية أنها تغار على زوجها، وكذلك الزوج السوي يغار على زوجته، لكن على الجميع  من أزواج وزوجات  أن يعلموا أن هناك فروقاً كبيرة بين الغيرة المحمودة التي تستهدف الحفاظ على الشرف والكرامة وإعلاء شأن الفضائل ومكارم الأخلاق، وتكون مذمومة إذا كانت من أجل الباطل ومبعثها سوء الظن من دون مبرر .

من هنا يجب أن تكون الغيرة بين الزوجين في حدود الاعتدال ومن أجل الدفاع عن الفضائل ومكارم الأخلاق، فإذا اتضح لطرف من طرفي العلاقة الزوجية خيانة الآخر له أو إخلاله بما يحافظ على شرف الحياة الزوجية، فإن الإسلام قد رسم الطريق وهو الانفصال ليذهب كل طرف في حال سبيله، ويتحمل الطرف المخطئ نتيجة خطئه من دون ارتكاب جرائم أو كشف أسرار ونشر فضائح بين الناس .

إضافة تعليق

15 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.