المستشرق المجري شاندور فودور

يظل دوماً سماع شهادة غير المسلمين في حق الإسلام من الأمور التي تبعث السعادة في قلب كل مسلم . والاستماع للدكتور شاندور فودور، رئيس قسم الدراسات العربية بجامعة بودابست، يجعلك تعتقد أن الرجل أسلم ولم يعترف خوفاً من شيء ما، فالرجل متيم بالدين والفكر الإسلامي وبالقرآن الكريم، ولا يتحدث جملتين إلا وتتخللهما آية من القرآن الكريم، والأعجب أن الرجل يقول إنه كلما شعر بانقباض أو ضيق سارع لقراءة القرآن الكريم ليشعر بالأمن والهدوء النفسي .
“الخليج” التقت فودور خلال زيارته الأخيرة للقاهرة واستمعت إلى شهادة جديدة من أحد المنصفين القلائل في الغرب في حق الإسلام والمسلمين، والتفاصيل في السطور التالية:

بداية كرجل يعيش في الغرب كيف ترى نظرة الغرب للإسلام والمسلمين؟

الواقع للأسف يؤكد أن النظرة إلى الإسلام والمسلمين في الغرب ما زالت سلبية للغاية، فأغلب الأوروبيين يرون أن الإسلام عبارة عن دين يرتبط ارتباطا لصيقا بالإرهاب، والمسلمون عبارة عن إرهابيين، وهذه هي رؤية السواد الأعظم من الأوروبيين والأمريكيين .

وفي رأيي الشخصي أن هذه الصورة تسبب فيها الجهل المطبق لدى المواطن الغربي، فالرأي العام الغربي بل حتى نخبة المثقفين من الكتاب والصحافيين يجهلون الإسلام، ولهذا فإن تصحيح صورة الإسلام لابد أن يقوم به الأكاديميون والمستعربون والمستشرقون، وعلينا بجانب بحوثنا العلمية أن نحاول نقل تفاصيل الحضارة الإسلامية وإسهاماتها في بناء الحضارة الغربية إلى الرأي العام الغربي في أوروبا وأمريكا وإلى رجل الشارع الذى لا يفقه شيئا عن الإسلام، ولا أخفيك سراً أن رجل الشارع في أوروبا لا يكاد يفقه شيئا عن هويته الشخصية، فالحقيقة التي لا بد أن نعترف بها أن معظم مواطني الغرب جاهلون ويكتفون بالثقافة المنقولة إليهم، والمرتبطة دائما بالحدث، بمعنى أن أحداث سبتمبر آلمتهم، ولأن الزخم الإعلامي الذي رافق هذه الأحداث اتهم الإسلام والمسلمين بارتكابها فإن كل مواطن في الغرب أصبحت لديه قناعة بأن الإسلام دين الإرهاب، وعلى سبيل المثال فإن المواطن الغربي لا يعرف شيئاً عن أحكام الجهاد في الإسلام، لكن كلمة “الجهاد” ارتبطت في ذهنه بالإرهاب! وباختصار نحن في حاجة ماسة لتكثيف الجهود لنشر حقائق الإسلام، حتى نحقق التواصل المفقود بين الغرب والشرق .

جماليات الإسلام

كيف تنقلون ثقافة الفهم والحوار إلى الغرب؟

علينا تنظيم محاضرات نشرح من خلالها حقيقة الإسلام، ولكوننا مستعربين وباحثين غربيين فإن المواطن الذى سيحضر محاضراتنا سيحترم وجهة نظرنا وسيقتنع بها، لكن المشكلة أن المواطن الغربي لا يقبل على ذلك النوع من المحاضرات الثقافية، وكثيرا ما ترى قاعات تلك المحاضرات خاوية تماماً، ولهذا أرى أن علينا أن ننتهج سلوكا آخر لتعريف المواطن الغربي بحقيقة الإسلام . وكمواطن مجري أقول لك: إن مواطني الغرب يسعون وراء الفنون ووراء القيم الجمالية، وبالتالي فإن عرض الفنون سيسهم في توضيح جماليات الإسلام . . ويحضرني في هذا المجال حديث النبي صلى الله عليه وسلم “ان الله جميل يحب الجمال”، ولهذا فعلينا وعلى العالم الإسلامي معنا أن ننقل هذا الجمال إلى رجل الشارع في الغرب عن طريق المعارض التي تتناول الفن والتاريخ الإسلامي، وبلا شك فإن تلك المعارض ستبهر المواطن الغربي، وسيبحث هو بعد ذلك عن الإسلام ويقرأ عنه ليفاجأ بكذب المعلومات المشوهة التى تقدمها وسائل الإعلام الغربية عن ذلك الدين، ومن ثم ستتغير وجهة نظره حيال الإسلام والمسلمين، ولا بد أن يعي المسلمون شيئاً مهماً، وهو أن المواطن الغربي جاهل للغاية، بل لا أخفيك سراً إذا قلت إن المواطن الغربي جاهل حتى بهويته الدينية الشخصية، وهذا يعني ضرورة بذل الجهد لتصحيح صورة الإسلام أمام مواطن لا يعنيه أى دين، ويأخذ ثقافته من وسائل الإعلام!

أخلاقيات الخط العربي

ما أبرز الفنون الإسلامية التي من الممكن الاستفادة منها في ذلك الإطار؟

أنا أرى أن الخط العربي واللغة العربية بشكل عام تحتوي على كثير من الفن الذي سيجذب في حال الاهتمام به المواطن في الغرب مثقفاً كان أو رجل شارع، والله تعالى اهتم بالكتابة، حيث قال في سورة العلق: “اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم” وفي هذه الآيات البيّنات إشارة واضحة جدا إلى أهمية الكتابة والقراءة، وهو ما يؤكد أن الدين الإسلامي يحث على المعرفة، كما جاء في القرآن الكريم: “وقل ربِ زدني علما”، ولهذا لا بد أن نعرض تلك الأفكار أمام الآخر غير المسلم، وأنا أعود وأذكر أن الفن الأصلى الحقيقي بين الفنون الإسلامية هو فن الخط، فرغم تعدد الفنون الإسلامية إلا أن الخط يؤدي دوراً مهماً، ليس فقط لقيمته الجمالية، ولكن لأن الخط ينقل رسالة أخلاقية ورسالة دينية، وقد تندهش إذا عرفت أن لوحات الخطوط العربية التي تحتوي على آيات قرآنية وأحاديث نبوية تنال اهتمام شريحة كبيرة من المواطنين في الغرب، وأنا شخصيا زرت معارض كثيرة، ولاحظت الإقبال على تلك المعارض لدرجة أن كثيرا ممن يزورون تلك المعارض يقتنون لوحات الخط العربي، وبالطبع فإن من يعجب بلوحة يعمل على ترجمة معاني الآية التي تحتوي عليها، وبهذا يكتشف بنفسه عظمة آيات القرآن الكريم، ويجد قيماً حضارية في الإسلام لم تعرض عليه من قبل، وليس كما تروّج وسائل الإعلام الغربية ذات التوجهات المعادية للإسلام والمسلمين، وبالطبع فإن وجهة نظره التى تغيرت إلى الأفضل تجعله لا يشارك في أي عمل ضد الإسلام والمسلمين .

مشكلات الجاليات الإسلامية

كمستشرق تعيش في الغرب كيف تنظر إلى المشكلات التي يعانيها المسلمون هناك، وكيف نصل إلى العلاج؟

يعاني المسلمون في الغرب العديد من المشكلات، لعل أهمها إحساسهم الدائم بأن هويتهم الإسلامية محل تهديد، وهو أمر ليس كله صحيحاً وأنا أرى أن المسلمين من الواجب عليهم تعميق هويتهم الثقافية من دون خوف، وأنصحهم بأن ينفتحوا على المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها .

بصراحة شديدة هل ترى أن الجاليات الإسلامية في الغرب تؤدي دورها المنوط بها لتحسين صورة الإسلام هناك؟

الحقيقة التي لا بد أن نعترف بها أن المواطن المسلم ذا الجذور العربية الذي يعيش في الغرب يؤدي دوراً سلبياً في معظم الأحيان، ففي الوقت الذي يبذل فيه المستشرقون غير المسلمين جهودا مضنية لتحسين صورة الإسلام فإن بعض المسلمين الذين يعيشون في أوروبا لا يعكسون في تصرفاتهم حقيقة الإسلام كدين سمح، والمفاجأة التي لا تسرنا أن بعضاً من المسلمين الذين يعيشون في الغرب يحاولون الانسلاخ عن هويتهم الإسلامية والبعض الآخر يخجل من الإعلان عن ديانته الإسلامية، وإذا عرفها المحيطون به بمحض الصدفة فإنه يتعامل معهم بدونية شديدة، وكأنه ارتكب جرماً عظيماً كونه مسلماً! وهو ما يجعل المواطن الغربي يقول في نفسه: إذا كان المسلم نفسه يخجل من دينه أفلا يعني هذا أنه يدرك أن الإسلام هو دين الإرهاب؟! ومن هنا فأنا أطالب مسلمي الغرب بالاعتزاز بدينهم كوسيلة مهمة لتأكيد عظمة هذا الدين، وأن يتعاملوا مع غير المسلمين معاملة الند للند، فدينهم سمح وسطيّ كبير بقيمه وتعاليمه، وليس فيه أمر يخجل، ولا بد أن تقوم الجاليات الإسلامية بالتكاتف في ما بينها، وجمع المسلمين معا، وبتنظيم محاضرات ومعارض تؤكد عظمة الأخلاقيات الإسلامية، وعلى الجاليات أيضا أن تطالب أعضاءها بالاعتزاز بدينهم في شتى المحافل التي يشاركون فيها .

لكن الواقع يؤكد أن الغربيين هم الذين أجبروا المواطن المسلم الذي يعيش في بلادهم على الإحساس بالعزلة؟

حتى في ظل تحرش بعض الجهلاء في الغرب بالجاليات الإسلامية فأنا أؤكد أنه على الجاليات الإسلامية عدم الالتفات لتلك الدعاوى المعادية لهم، والتي تصدر كما قلت عن الجهلاء، وعلى كل مسلم أن يعتز بدينه مهما حدث، ويتمسك بالدفاع عنه على كل المستويات، وعليه أن يثق بأن المواطن الغربي لن يجد أمامه إلا الانحناء للمسلم الذي يدافع عن هويته، وأنا أتعجب من قدرة اليهودي على الدفاع عن وجهة نظره في كل الأحوال بينما يعجز المسلمون عن ذلك! رغم أن الدين الإسلامي هو أعظم الأديان السماوية شئنا أم أبينا .

وسائل إعلام مغرضة

ألا ترى أن السياسة التي تتبعها بعض الحكومات الغربية اليوم كان لها الأثر الأكبر في الاحتقان بين الشرق المسلم والغرب المسيحي؟

دعنا نتفق في البداية على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أدت الدور الأكبر في تشويه الإسلام، خصوصاً في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبحت الإدارة الأمريكية ترعى وبشكل مباشر، الدعاية التي تقوم بها وسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام وكلها دعاية تحتوي على معلومات مضللة، وتؤدي إلى نشر معلومات خاطئة، وتسهم في تفشي الجهل بالإسلام بين مختلف المجتمعات الغربية، وبدلا من أن تقوم وسائل الإعلام برعاية الحوار والتبادل الثقافي حول العالم كله إذا بها تروّج للمعلومات المزورة التي تتهم الإسلام بالتحريض على العنف، وهكذا ظهر من يدرس بعض قواعد الإسلام ويفسرها بشكل ضيق ليضعها في تيار معادٍ للإسلام ومفيدٍ لأعدائه، والحل من وجهة نظري يكمن في ضرورة أن يسعى المسلمون بالتعاون مع التيارات المحايدة في الغرب إلى كسر ظاهرة الإعلام المسيء، بعد أن ثبت بالدليل القاطع، أن دوران العالم سياسياً وثقافياً واقتصادياً في فلك إعلام مشوه للدين الإسلامي من الممكن أن يتسبب في دمار العالم، إضافة إلى هذا فإن المسلمين مطالبون بالسعي إلى نشر المواد التي توضح حقيقة الإسلام بحيث تتطرق إلى الجوانب المهمة والأساسية، مثل التقاليد والثقافة والسياسة والفلسفة وغيرها، وعلى العالم الإسلامي العمل على ربط الجسور مع المسلمين في أوروبا ومعاونتهم على تصحيح صورة الإسلام بكل الوسائل لإزالة الشبهات .

وعلى أوروبا أيضا أن تبذل مزيداً من الجهد لتصحيح الأخطاء في المعلومات المدرسية عن الإسلام، حتى لا تنشأ الأجيال وقد ترسخت في أذهانها هذه المعلومات الخاطئة .

حوار الأديان

أنت عضو في مجمع اللغة العربية بالقاهرة . . وبكل تأكيد قرأت كثيراً في كتاب الله فكيف وجدته؟

القرآن كتاب عظيم مملوء بالرسائل العظيمة، وأنا دوما أتذكر مقولة المستشرق الشهير هيلر: “لقد جاء القرآن وبأسلوبه الخاص ببحوث متعددة، فهو تراتيل دينية، وثناء إلهي، وقوانين جزائية ومدنية، وبشير ونذير، ومرشد وناصح، يهدي المؤمنين إلى الصراط المستقيم، ومبين للقصص والحكم والأمثال في الوقت نفسه”، والقرآن كله آيات خشوع وبها الكثير من المعجزات اللغوية التي تتركك وأنت في حالة من الروحانية الشديدة، وأنا أعشق آية الكرسي التي عبرت عن التوحيد بطريقة لا مثيل لها لا في اليهودية ولا في المسيحية، فالوحدانية في هذه الآية تم تقديمها بصورة استثنائية جدا، وهذه الآية تشعرك وأنت تقرؤها بأن الله موجود في كل مكان .

إضافة تعليق

12 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.