شهدت السنوات الأخيرة نقاشات حادة وعديدة، في فرنسا وبقية البلدان الأوروبية الغربية، حول مكانة المسلمين ودورهم في المجتمعات الأوروبية التي يعيشون فيها، وذلك غالبا باسم الهوية الوطنية للبلدان المعنية. وضمن مثل هذا السياق، يشرف المؤرخان الفرنسيان جوسلين داكليا وبرنار فانسان، على إنجاز المجلد الأول من كتاب يحمل عنوان: "المسلمون في تاريخ أوروبا".
وهما يعودان فيه إلى البدايات الأولى لوجود المسلمين على أرض القارة الأوروبية القديمة، اذ يتم التأكيد بداية أن هذا الوجود ليس قريب العهد، كما يردد ويقال. وأنه تزامن مع استعمار القوى الأوروبية لعدد من بلدان القارة الأوروبية في القرن التاسع عشر.
إن خمسة عشر مؤرخا يسهمون في أبحاث الكتاب، وهم ينطلقون من "أطروحة" مفادها ان الوجود الإسلامي في أوروبا، أقدم من الحقبة الاستعمارية الأوروبية إفريقيا. وهم يعتمدون في ذلك على معلومات أرشيفية عديدة، ويبيّنون "خط السير" الذي اتبعه المسلمون الذين كانوا في مقدمة الذين وصلوا إلى أوروبا، وخاصة إلى مدن: برشلونة وماجورك وليفورن في جنوب القارة، ثم وصلوا بعدها إلى فرنسا أو انجلترا أو النمسا.
" هل يمكن للمسلم أن يكون أوروبيا؟ ". هذا هو السؤال الذي يطرحه بعض المساهمين في تاليف الكتاب. وتتم الإشارة أولاً بأول، إلى أن مثل هذا التساؤل لم يجر طرحه بصراحة، إلا بعد إثارة النقاش قبل فترة وجيزة، بخصوص مسألة دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. والإشارة أيضاً الى أنه كان يتم طرحه "بصورة خجولة" منذ العصور الوسطى.
وفي كل الأحول يسود في أوروبا، بأشكال مختلفة، رأي سائد "حكم جاهز"، بأن المسلمين كانوا غائبين عن القارة الأوروبية، حتى القرن التاسع عشر، إذ ان تدفّق موجات الهجرة من المسلمين إلى أوروبا، ارتبط بالاستعمار.
إن المساهمين في هذا الكتاب يقدمون الحجج والبراهين ذات الطابع العلمي الموثق، التي تؤكد عدم صحة تلك "الأفكار السائدة"، ليؤكدوا بالمقابل أن الآلاف من المسلمين اندمجوا في مجتمعات بلدان أوروبا الغربية، لكن مثل ذلك الواقع مرّ دون أن يثير الكثير من الانتباه. وهذا ما يفسّر العنوان الفرعي في الكتاب: "الاندماج غير المرئي" للمسلمين في أوروبا.
والفترة التي تغطيها مساهمات الكتاب، تمتد من نهاية القرون الوسطى، وحتى نهايات القرن التاسع عشر. وكان المسلمون قد مارسوا في بدايات وجودهم في أوروبا، عدة مهن، كان في مقدمها التجارة. والأسماء التي تتردد في هذا الإطار كثيرة، من أمثال مصطفى بوسناك من سراييفو، الذي كان يتردد بانتظام على فيينا منذ أواسط القرن الثامن عشر. وكان هناك بحارة وجنود ومترجمون، مثل المترجم المدعو شاويش، الذي قدم من مصر ليعمل لدى الحكومة الفرنسية، في عام 1806.
ان ما يتم تأكيده هو أنه لم يكن من السهل أبدا، التعرف إلى هوية المسلمين الذين قدموا إلى أوروبا، وإذا ما كانوا من العرب أو الأتراك أو الأفارقة أو غيرهم، ذلك أن مثل ذلك التمييز لم يكن يثير الكثير من الاهتمام، بل كان يتم في أحيان كثيرة الخلط بين المسلمين والمسيحيين القادمين من الشرق. وبالمقابل كانت الأهمية القصوى تعطى بالأحرى إلى المهنة التي كان يمارسها الغرباء، بعيدا عن المسائل المتعلقة بالمعتقد.
إن الحديث يتم عن عدد من الفئات "غير المعروفة جيدا"، من قبل المؤرخين، من المسلمين الذين مارسوا مختلف الحرف (ذات الطابع اليدوي)، مثل الحلاقين والحدادين وباعة الأقمشة. وهكذا تتم الإشارة إلى وجود 2000 رجل كانوا يعملون في مجال المحافظة على نظافة الشوارع وتأمين المياه للمنازل، و400 كانوا يبيعون الأسماك أو الحلوى والخبز في مدينة لشبونة، في أواسط القرن السادس عشر.
وعن حضور المسلمين في اسبانيا يتم الحديث عن عدة تواريخ -منعطفات، وفي مقدمتها أحداث العام 1492، عندما خرج المسلمون من غرناطة، كي ينتهي بذلك آخر حضور لحكم المسلمين فيها. وفي عام 1502 جرى وضع المسلمين في اسبانيا أمام خيار اعتناق المسيحية أو المنفى. وفي عام 1548 تولى فيليب الثاني عرش اسبانيا.
ودخل مدينة ميلانو الإيطالية حيث سبقه إليها حرس من الأتراك، ويجري التأكيد في هذا السياق، أن ثورة 1789 في فرنسا- الثورة الفرنسية الكبرى- منحت المسلمين من قاطنيها، المساواة في الحقوق المدنية مع الآخرين، بقرار من الجمعية الوطنية الفرنسية.
وفي نهاية الشرح والتحليل والتقصّي يتم التأكيد في خاتمة الكتاب، على أنه، ورغم الوجود القديم للمسلمين في القارة الأوروبية، وما قوبلت به هذه الحقيقة من تجاهل، فذلك الوجود بقي "غائما" في أذهان الأوروبيين، وبذا يبقى من الصعب تحديد واقع أن يكون المرء مسلما في السياق الأوروبي، بسبب ما طرحه ذلك في الأمس، وما يطرحه اليوم، من مشاكل سياسية في جوهرها، أولاً وأخيراً.
الإسلام موجود في القارة القديمة منذ العصور الوسطى، ولعل هذه أول دراسة عن "التاريخ الاجتماعي" لهذه الظاهرة، والسعي الى توضيحها وتأكيدها.
البيان
إضافة تعليق