المسلمون في رمضان بين الاستهلاك الغذائي والغذاء الروحي

ما أن يحين شهر رمضان المبارك، أو تدنو أيامه، حتى ترى استعداد الناس للشراء بطريقة غير صحية، وبأسلوب يخرج في كثير من الحالات عن حد الأدب الإسلامي
حيث يتدافع المستهلكون ويتزاحم المشترون، وتقام المهرجانات الاستهلاكية، والأسواق المحلية هنا وهناك.
حتى إن أصحاب الدعاية والبيع يقولون: إن الأسبوع الأول من رمضان يتميز بزيادة حجم الاستهلاك الموجه للسلع والمنتجات الغذائية المتعلقة بشهر رمضان، في حين تتميز بقية الأسابيع من الشهر خصوصاً النصف الثاني بتصاعد معدلات الاستهلاك والإنفاق على الملابس الجاهزة والأقمشة والأحذية ولعب الأطفال.
والمنطق الرياضي يشير إلى أن نسبة الاستهلاك في شهر رمضان ينبغي أن ينخفض إلى الثلث، باعتبار تخفيض عدد الوجبات من ثلاث وجبات في الأيام العادية إلى وجبتين في شهر رمضان، لكن المراقبين الاقتصاديين يتوقعون أن نسبة الزيادة في المبيعات في شهر رمضان تصل إلى 25% إلى 30%.
ولكن للأسف يلاحظ في هذه الأيام أن شهر رمضان أصبح شهر الطعام والشراب، وتنوع الأغذية والأطعمة، وكأن المسلمين لم يدركوا في هذا الشهر المبارك أهميته وعظمة تشريعه، في تربية الإحساس بالآخرين؛ من المحتاجين والمعوزين الذين لا يجدون إلا ما يسد رمقهم، ولا يشبعون مما يأكلون بسبب القلة طوال العام، فيأتي شهر رمضان ليتساوى الجميع في هذا الإحساس بألم الجوع والعطش لساعات معدودة، ثم يبادر الناس للإفطار بعد غروب الشمس؛ ليشكروا الله على نعمه، ويحمدوا الله على آلائه.وفيما يأتي عرض لبعض أسباب تزايد الاستهلاك:
1. ثورة الدعاية والإعلان:
فقد برع المنتجون بالمشاركة مع أصحاب شركات الدعاية والإعلان في ترويج السلع والخدمات، وتزيينها للناس سواء كانوا محتاجون إليها أم لا، وذلك عن طريق الدعايات والإعلانات التجارية التي تعرض أمام الناس في كل زاوية وركن، في طريقه، وفي الصحف والمجلات، وفي المحطات الإذاعية والمرئية، وعلى شاشات الفضائيات.مما يدفع الناس إلى الاستهلاك، ولو لم يكونوا بحاجة ملحَّة إلى النوع الذي يُروَّج له، ولكن كثرة العرض والدعاية ترسِّخ في ذهن المستهلك أهمية السلعة أو الخدمة، فيُقدِم على شرائها.
2. اعتماد بعض المنتجين على الإغراء:
حيث يزداد أمر الاستهلاك سوءاً عندما يدخل القمار في عمليات الاستهلاك، من خلال السحب على المنتجات المشتراة، من خلال الجوائز اليومية في رمضان، ثم الجوائز الأسبوعية، ثم الجائزة الكبرى في نهاية الشهر، فبدل أن يكون شهر طاعة وعبادة، يصبح شهر مقامرة وكسب خبيث.ويظهر الحرام عندما يكون الدافع لشراء السلعة أو الخدمة هو الحصول على قسيمة الاشتراك في السحب أكثر من إرادة الاستفادة من السلعة المباعة أو الخدمة المتاحة.
3. التقليد والتبعية:
ولا يُنكر أثر ظاهرة تقليد المغلوب للغالب وانبهاره به، وهي أمر غريزية ذكره علماء الاجتماع وأشار ابن خلدون في مقدمته إلى هذا الأمر، إذ يقول:[إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك: أن النفس أبداً تعتقد الكمال في مَن غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وفر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، وذلك هو الاقتداء، أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب]
الدكتور: علاء الدين محمود زعتري

إضافة تعليق