المسيري.. حول التدين والتفسير العلماني

في هذا الحوار يوضح المفكر الإسلامي عبد الوهاب المسيري أن فصل الدين عن الدولة هو العلمانية الجزئية، أما فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن مجمل حياة الإنسان فهو العلمانية الشاملة. وفيما يخص عودة الدين يقول: إنه لم يغب، بل كان موجودا وحاضرا، ولكنه كان كامنا مفترضا، ومن ثم لم يكن بحاجة للتأكيد عليه.
ويرى المسيري أن ما يسمى حالة السيولة في التدين هي في الواقع حالة شمولية الرؤية، وهي إسلامية، فالإسلام ليس دينا ودولة، وإنما دين ودنيا، والرؤية الدينية الحقيقية رؤية شاملة توجه كل مناحي الحياة. فالمسلم يدخل في معترك السياسة ويقوم بالمساومات التي لا تمس بمرجعياته النهائية. ومن هذا القبيل ما قامت به حركة حماس مؤخرا، فالمسلم مدرك لمرجعياته الإسلامية النهائية ومدرك لتركيبة الواقع المادي.
وفيما يخص شعار "الإسلام هو الحل" الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين، يراه المسيري مجسدا لرؤية بعض المفكرين الذين يقودون تيارا سياسيا مهما يؤمن بأن المرجعية الإسلامية هي المجال أو الطريق الوحيد لحل مشاكل هذا المجتمع، وهو ما يتفق معه المسيري.
وهو يرى أن العلمانية الشاملة وصلت لمنتهاها، إلا أنه يحذر من أن كثيرا من المسلمين تصدوا للاختراق العلماني الأخلاقي السطحي، مثل الدعوة إلى الحجاب والفصل بين الجنسين وعدم الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة، لكنهم في الوقت نفسه ربما يكونون غارقين في الاستهلاكية الرأسمالية التي هي في تصوره جوهر العلمانية الشاملة. ومن هنا يرى أنه على قيادة الحركة الإسلامية عبء ثقيل في هذا الاتجاه.
العلمانية الجزئية والشاملة
التدين والتفسير العلماني
مقولة "الإسلام هو الحل"
الدين والأيديولوجيا وعالم الرموز
الاختراق العلماني للدين
التدين بوصفه ظاهرة عالمية
العلمانية الجزئية والشاملة
* تشهد السنوات الأخيرة حضورا كثيفا للدين في الفضاء العام وفي مجال السياسة تحديدا، وهو ما أعاد النظر مجددا في مقولات سيادة العلمانية التي كانت قد شاعت في الأدبيات السياسية والاجتماعية، فهل نحن مقبلون على نهاية العلمانية، أم ستتواصل العلمانية وتستمر كما يذهب البعض ممن يقولون إنها استعادة للدين ولكن على أرضية العلمانية وبمنطقها؟
**عندي مشكلة مع الخطاب التحليلي السائد والذي لا يتضح فيه معنى العلمانية؛ فمصطلح "علماني" هو مصطلح خلافي لأقصى درجة، ودائما أقول: إن هذا المصطلح لا بد أن يفهم في سياقه وتطوره التاريخي. فهو عُرف في القرن التاسع عشر على أنه فصل الدين عن الدولة، وكان ذلك حينما كانت الدولة كيانا صغيرا ترك رقعة الحياة العامة ومنظومة القيم والمرجعية النهائية للأفراد يحددونها حسب رؤيتهم، ولذلك فإن ما تم علمنته في هذا الإطار هو أجزاء معينة من الحياة العامة التي يمكن أن نحصرها في بعض جوانب السياسة والاقتصاد وليس كلها.
ونلاحظ أن هذا التعريف يلزم الصمت بخصوص الأخلاق والحياة الخاصة. ولذلك أميل للقول: إن هذا التعريف يعني فصل القيم الدينية عن بعض الإجراءات السياسية والاقتصادية وليس عن المرجعيات النهائية للمجتمع.
لكن حدثت تحولات مهمة وجذرية من أهمها ظهور الدولة الحديثة التي طورت أجهزتها الأمنية والإدارية، أي تمددت في كل الفضاء الإنساني العام والخاص. وواكب ذلك ظهور الإعلام الذي يصل إلينا في منازلنا وغرف نومنا ويحدد رؤيتنا لأنفسنا وتطلعاتنا بل يخترق أحلامنا. وهو مؤسسة غير منتخبة وغير مسئولة أمام أحد.
في ظل هذا الإطار فإن ما يتشكل في الواقع ليس فصل الدين عن الدولة، وإنما فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن مجمل حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، ونزع القداسة عن الإنسان والطبيعة، بحيث تتساوى كل الأشياء، وتصبح كل الأمور نسبية، بحيث يصبح العالم مادة استعمالية يمكن للقوي أن يوظفها لحسابه، وبالتالي أذهب إلى القول: إن فصل الدين عن الدولة هو العلمانية الجزئية أما فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن مجمل حياة الإنسان فهو العلمانية الشاملة.
وحينما يستخدم لفظ "علماني" فهو لا يشير للواقع، وإنما للتعريف الذي تخطاه الواقع. وأنا كمفكر إسلامي لا أرى غضاضة في قبول ما أسميه العلمانية الجزئية إن كان يعني بعض الإجراءات السياسية والاقتصادية ذات الطابع الفني، والتي لا تمس من قريب أو من بعيد المرجعية النهائية، وهو ما أفهمه من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (أبروا أو لا تؤبروا.. أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أي أن الفصل هنا بين الدين والدنيا ينصرف إلى تفصيلة مادية محددة (تأبير النخل) ولا يمس المرجعية النهائية الدينية المتجاوزة لسطح المادة.
* لكننا في الأخير كنا بإزاء واقع طالما استقر النظر إليه باعتباره "علمانيا"، فلماذا حضر الدين فجأة؟ كيف يمكن أن نفسر هذا الحضور الطاغي؟
** لأنه لم يغب أبدا.. علم الاجتماع الغربي أدرك مبكرا أن فصل الدين عن السياسة مسألة عبثية، وأن الإنسان لا يمكن تقسيمه لمادي ومعنوي، أو ديني وعلماني، وأن هذه الجوانب متشابكة وممتدة.. ومن هنا محاولة ماكس فيبر وفرنرسومبارت تفسير ظهور الرأسمالية في الغرب من خلال علاقتها بالبروتستانتية أو اليهودية.
وهناك دراسات عن تأثر الماركسية بالمنظومة المسيحية، فماركس قسم مراحل تطور المجتمعات البشرية إلى حقب يمكن فهمها في إطار نمط ديني. فالتاريخ يبدأ بالمرحلة البدائية (الفردوس قبل السقوط) ثم تأتي بعد ذلك المجتمعات المبنية على الاستغلال (الإقطاع ثم الرأسمالية)، ثم تهب الطبقة العاملة وتؤسس المجتمع الاشتراكي (البعث وبداية الخلاص) ثم نصل إلى المجتمع الشيوعي (الفردوس الجديد ونهاية التاريخ).
الدين كان موجودا وحاضرا ولكنه كان كامنا مفترضا، ومن ثم فلم يكن بحاجة للتأكيد عليه.. مثلا الآباء الأوائل للولايات المتحدة وواضعو أسس العلمانية فيها كانوا مؤمنين -وهذا معروف عنهم- بالمسيحية ومنظومتها القيمية.. ويروى أن أحدهم دخل في مبارزة للدفاع عن القيم المسيحية وقتل فيها!.
وفي مصر مثلا كان النحاس باشا زعيم حزب الوفد الليبرالي "العلماني" يعتبر نفسه علمانيا، ولكنه كان يستشهد بالقرآن دائما. وأذكر أنه طالب ذات مرة بمنع أغنية لأنها كانت غير أخلاقية. ونفس الشيء ينطبق على كثير من العلمانيين العرب فهم يتحدثون عن القيم الأخلاقية المطلقة، ومن يتحدث عن مطلقات وثوابت لا يمكن اعتباره علمانيا بالمفهوم الغربي الذي يؤكد أن ما يسود في العالم هو النسبية.. د.فؤاد زكريا المفكر "العلماني" كتب كتيبا صغيرا متهما الولايات المتحدة بأنها مجتمع مادي!
إذن الدين كان كامنا ومفترضا (أي موجودا)، لكن مع تصاعد معدلات العلمنة الشاملة بدأ يحدث تنبه لخطورة هذه المنظومة العلمانية الشاملة، فبدأ ما كان كامنا يسعى لأن يعبر عن نفسه ويستدعي ظهوره.
والمسيحية الصهيونية -رغم خلافي معها بالطبع- هي بشكل ما تعبير عن البرجوازية الصغيرة التي قامت ردا على اتجاه منظومة الإعلام الأمريكية؛ لأنها تعبر عن منظومة علمانية شاملة عدمية وعن مجموعة من القيم الإباحية التي تهدم الإنسان والأسرة.
التدين والتفسير العلماني
* وعلى أي أرضية يكون المد الديني.. هل يكون على أرضية ومنطق الدين نفسه فيضع حدا فاصلا للعلمانية الشاملة أم تفرض هي منطقها وتجبر هذا المد على أن يتم على أرضيتها، وهو ما يذهب إليه بعض الفلاسفة من أن العلمانية الشاملة أقرب للصيرورة الاجتماعية وأنها مرحلة لا بد أن تدخلها الإنسانية؟
** الحديث عن العلمانية الشاملة باعتباره صيرورة اجتماعية فيه نوع من الحتمية التي أرفضها.. فلا يمكن لأي منطق إنساني أو ديني أن يتفق مع العلمانية الشاملة لأنها ترى أن الإنسان شيء.
إن العلمانية الشاملة كما أسلفت ليست فصلا للدين عن الدولة بل فصل لكل القيم عن مجمل حياة الإنسان ونزع للقداسة عنه بحيث يتحول العالم إلى مادة استعمالية يوظفها القوي لحسابه، وهو ما يؤدي إلى الحداثة الداروينية وتحويل العالم إلى حلبة صراع، فهي علمانية تنكر إنسانية الإنسان فيتمرد عليها كل من يهتم بمصير الإنسان في هذه الأرض.. اليسار الإنساني وأحزاب الخضر والجماعات الدينية المهتمة بإقامة العدل في الأرض، وكل من يرى خطورة الاستهلاكية العالمية التي خربت الأرض ودمرت الإنسان.. كل هؤلاء جزء من هذه الحركة العالمية لمواجهة العلمانية الشاملة.
* هناك من يرى أنه بالرغم من أن هناك مدا دينيا فإنه يتم على أرضية العلمانية الشاملة.. فالدولة الحديثة هي علمانية بالضرورة، والتدين الجديد هو تدين "فرداني" وموجة التدين الحالية تغلب عليها السيولة وتغيب فيها الحدود وتزيد فيها النسبية فيما تقل الدوجمائية وتتراجع مساحة الثبوت، وهذا كله هو من آثار العلمانية الشاملة.
** أتصور أن هذه الرؤية متأثرة بالموقف المسيحي من الصحوة الإسلامية.. ما يسمى حالة السيولة هي في الواقع حالة شمولية الرؤية وهي إسلامية، فالإسلام ليس دينا ودولة، وإنما دين ودنيا، والرؤية الدينية الحقيقية رؤية شاملة توجه كل مناحي الحياة.
الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش في كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب) قال: إن رؤية المسيحيين للرسول وللإسلام رؤية تتسم بالاستقطاب والتأرجح بين قطبين. فبعضهم يرى أن الرسول كان إنسانا عاديا "يأكل الطعام ويمشي في الأسواق"، وأن الإسلام دين غارق في المادية. والبعض الآخر، على العكس من ذلك، يذهب إلى أن الإسلام دين روحي مغرق في الروحانية ومن ثم فهو يعيق التحديث، والإسلام في واقع الأمر لا هذا ولا ذاك.. وفشلهم في إدراك طبيعة الإسلام سببه نقطة البدء المسيحية: فصل الدين عن الدنيا، وهو ما نفهمه من مقولة نيتشه (إن آخر مسيحي هو من صلب على الصليب!) بمعنى أن المسيح -عليه السلام- قدم رؤية روحية سامية لدرجة أنه لا يمكن تحقيقها في الواقع.
الإسلام غير هذا.. وبالتالي هو يقف على أرضيتين: مادة وروح، ويدخل في معترك السياسة ويقوم بالمساومات التي لا تمس بمرجعياته النهائية، وأحب الإشارة في هذا الصدد إلى ما قامت به حركة حماس مؤخرا بقبول التهدئة، فهو يعني أن الخطاب الإسلامي أصبح مركبا يقبل بالاستشهاد في سبيل قضية إقامة العدل في الأرض، لكنه في ذات الوقت مدرك للعلاقات السياسية وموازين القوى الدولية، فهو ليس روحانيا خالصا ولا ماديا خالصا، وإنما هو مدرك لمرجعياته الإسلامية النهائية ومدرك لتركيبة الواقع المادي.
أكثر من هذا -وقد يعترض البعض على هذه الأمثلة- حين تبحث الفتاة المحجبة عن الجمال والذوق في حجابها، هذا يعني أن هناك إيمانا بالمرجعية النهائية وسعيا للالتزام بها مع التمتع بالحياة الدنيا. وهذا مختلف تمام الاختلاف عن الفكرة المسيحية الخاصة بالخطيئة الأولى، وأن هذا العالم مليء بالشرور ولا بد من الانصراف عنه والزهد فيه، لأن العالم وادي الدموع.
مقولة "الإسلام هو الحل"
* لو اقتربنا أكثر من الواقع، كيف ترى ما حدث من حضور ديني كثيف في الانتخابات الرئاسية ثم البرلمانية في مصر مؤخرا، وكيف ترى -مثلا- رفع تيار سياسي مثل الإخوان المسلمين شعار (الإسلام هو الحل) في دولة يتنازعها اتجاهان: إسلامي وعلماني جزئي؟
** أولا أنا ضد ما أثير من أن هذا الشعار اختزال للإسلام؛ فاستخدام هذا الشعار لا يختلف عن شعار "يا عمال العالم اتحدوا".

إضافة تعليق