المسيري .. هل قدم مشروعاً عربياً ؟!!

لا شك في قيمة الدكتور عبد الوهاب المسيري المعرفية .. فأفكاره تتسلل إلى ذهنك عندما تقرأه وتعشش فيه رغما عنك .. وهو يتميز بسهولة وقدرة في تناوله للأفكار الصعبة المجلوبة من الإطار الغربي وهذا مطلوب إلى حد ما في سياق حضارتنا التي تقتات حتى الآن على الفكر المستورد وتعجز عن إنتاج فكرها الذاتي.

لكن مطلوب أيضا فتح حوار ليس حول مصداقية أفكار المسيري فهذه لا شك فيها، ولكن حول جدوى أفكار المسيري وأهميتها العملانية للواقع العربي وليس فقط الإكتفاء بتأكيد قوتها النظرية غير المنكورة .. وهذا ما لا أراه يحدث في سياقنا بعد رحيل المفكر المسيري

بالنسبة لي أعتبر المسيري من أهم من اشتغلوا بنقد  الفكر الغربي لا العربي .. ففي السياق العربي أعتبره مفكراً مغتربا أو صامتاً باستثناء سنينه الأخيرة حين التحق بالمعارضة المصرية.

ولكنه حتى في إطار نشاطه في المعارضة المصرية لم يقدم إنجازات نظرية نقدية يمكن مقارنتها بما قدمه فيما يخص نقد الفكر الغربي .. لدرجة أنه يمكن عده من نقاد حداثة الغرب وليس من مطوري حداثة العرب .. وهذا حكم قاس نوعاً وما زلت أتمنى ألا أراه يثبت أمام التمحيص والنقد.

فلنساهم إذن في تمحيص هذا الرأي .. إن تختلف كتابات المسيري عن كتابات الجابري والعروي في أنه يركز على ما هو خارج السياق العربي ربما ليؤكد تهافت الغربي في مواجهة العربي.

ولكنه في هذا الإطار يهمل رغما عنه الإطار العربي نفسه الذي يظن أن نقطة قوته تنبع أساساً من إظهار تهافت الإطار الغربي وهذا منطق غير مباشر للتعامل مع الواقع العربي.

وأظن أنه يمكن حصر أعماله الهامة حول الصهيونية في هذا الإطار غير المباشر .. حيث بدلاً من إبراز خصوصية العروبة والمصرانية والإسلام .. فهو قد سعى لإبراز تهافت الحداثة الغربية واليهودية.

وهذا منطق كما قلت غير مباشر ونادراً ما يستخدمه مفكر وربما في هذا تكمن بعض أصالة المسيري وتفرده.

ولفهم أفضل للمسيري ربما أمكننا عقد مقارنة بينه وبين جارودي أو ماسينون مثلاً .. فجارودي، كماسينون، ينقد الفكر والحضارة الغربية بالإتكاء على الحضارة الإسلامية أيضا ولكنه اختار هجران الغربية إلى ما يراه أفضل في العربية ..أما المسيري فقد اختار أن يبقى في العربية ما يعني حبه لها وتفضيله لها بينما نقد الغربية ما يعني أن مواقفه كانت إنتمائية وأنه من الطبيعي أن ينخرط في نقد الآخر ويسكت عن الذات .. على عكس مواقف جارودي التي كانت اعتزالية للسياق الخاص به.

وهنا تنشأ إشكالية في التوفيق بين النظرة النقدية التي تبناها المسيري من الغرب والموقف الإنتمائي الذي تبناه نحو العرب .. كونهما يخاطران بالتعبير عن انتماء أحادي ويصبان في تقوية موقف سكوتي عما يستدعي النقد لدى الذات وموقف صراخي عما يستدعي المدح لدى الآخر .. يعنى أنه كان اعتزالياً للآخر وانتمائياً للذات وهذا موقف طبيعي جداً لا تجديد فيه.

وهذه نقطة ينجو منها جارودي .. كون موقف المسيري ونظرته يصبان في ذات الإتجاه الداعم للذات والمؤكد لها في مقابل الآخر .. بينما كان موقف جارودي أقرب إلى خلخلة الذات والالتحاق بالآخر وهو موقف أشد راديكالية وانتماءاً للفكر وحده وليس في سبيل المصالحة مع الذات ما يعني أن موقف جارودي كان أكثر اعتزالية وبالتالي أشد استدعاء للقوة الذهنية.

على جبهة ثالثة يمكن عقد مقارنة مع الجابري والعروي وحسن حنفي مع قدر من الاختزال للفروقات بينهم .. والذين اختاروا نقد الذات ونقد الآخر معاً .. وهو الموقف الأشد راديكاليه من المسيري ولكنه ربما أقل راديكالية من موقف جارودي - إذا ما تصورنا متصل يمكن تصنيف مواقف هؤلاء المفكرين فوقه.. ذلك أن الجابري والعروي وحسن حنفي استخدموا الأدوات الفكرية الغربية في نقد الذات في محاولة لتطويرها وتنويرها .. بينما ربما امكن اختزال محاولة المسيري في استخدام الأدوات الفكري الغربية في نقد الغرب بها.

وبهذا يمكن تصنيفه في إطار نقاد الغرب كونه لم يمد استخدامه لهذه الأدوات الفكرية الهامة في نقد وخلخلة الذات العربية وهو ما يعطي الإحساس بأنها ظلت محصنة ضد الخلخلة النقدية وهو ما يعني بشكل من الأشكال اكتساب الذات لإحساس ما بالتفوق على الآخر الغربي مصدره ليس عمل الذات في نفسها لكن في قدرتها على خلخلة أفكار الآخر وتفنيدها .. وبهذا يبقى أغلب نشاط المسيري محصوراً ضمن إطار تفكيك الآخر وتقويض مفاهيمه وتحليل بنيته الفكرية وهي المهمة التي ربما لم يتصدى لها أحد من العرب بقوة المسيري.

ولكن اقتصاره على هذه المهمة يجعلنا نستغرب إبقاءه لمهمة أخرى عالقة وغير منجزة وهي مهمة نقد الذات نفسها وتنويرها بهدف السعي لتطويرها وهي المهمة التي تبناها أغلب المفكرين العرب المستقبليين المهمومين بالتغيير والإصلاح في مقابل المفكرين الماضويين الداعين للعودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه سلفا وفي مقابل المفكرين التبريريين المهمومين بإبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه.

فأغلب جهود مفكري التغيير والإصلاح المستقبليين كانت في إطار نقد الذات وليست في إطار نقد الآخر .. فقد كان الهم الشاغل هو الذات ولم يأت الآخر إلا في إطار هذا الإنشغال بالذات .. أما أغلب جهود المفكرين الماضويين والمدافعين عن الوضع الراهن فجاءت في إطار التبرير الأيديولوجي لأوضاع الذات .. مع تركيز الماضويين على استراتيجية نقد الآخر لدعم موقف الذات .. واهتمام التبريريين باتخاذ موقف ذرائعي براجماتي لا لون له ناحية الذات أو الآخر ..ضمن هذا الإطار يصعب تصنيف موقف المسيري .. فهو يجمع بين مواقف تتجاوز التصنيف التقليدي السابق للمفكرين .. وربما كان ذلك لكونه كان يظن أن تنوير الذات يمر عبر نقد الآخر .. ولكن تظل هذه المهمة غير منجزة لديه كونها تستدعي عمرين لا عمر واحد .. حيث يستنفذ الأول في نقد الآخر .. ثم يتحول بعد ذلك إلى بناء الذات في العمر الثاني .. وربما لم يمهله القدر أن يكمل مهمته في جزءها الثاني .. بعد أن اكتمل جل جزءها الأول في نقدها الجذري للعلمانية والحداثة الغربية .. وربما كان انخراطه في المعارضة المصرية في السنين الأخيرة من حياته هو بداية الجزء الثاني حيث مهمة بناء الذات بعد استكمال نقد الآخر.

ولكن هذه المهمة تظل غير مكتملة .. فهو لم ينجز فيها (مهمة نقد الذات) ما يمكن مقارنته بما أنجزه في المهمة الأولى (نقد الآخر) .. وهذه الحقيقة وحدها تجعل منجزاته الرائعة التي جاء أغلبها في مجال  نقد الآخر أقرب إلى المنتوج الفكري المنفصل عن صاحبه أو عن اهتمامات ورثته الذين سيبقون مهتمين بشكل أكبر بهموم الذات لا بتهافت الآخر.

لكن يبقى هناك تساؤل أخير ربما كان المسيري قد حسمه قبلنا: ترى هل لا يمر فعلا بناء الذات إلا من خلال نقد الآخر، كما حاول المسيري وهنا لا يمكن اختزال المسألة فيما تركه المسيري بل فيما لم يمهله القدر حتى ينجزه ؟ هل مهمة بناء الذات بالطريقة التي يحاولها الجابري وحسن حنفي تحديدا والعروي وحتى جارودي، من الداخل العربي الإسلامي محكوم عليها بالفشل لأنها تهمل البدء من حيث يجب أن تبدأ (نقد الآخر) ؟وفي هذا السياق الأخير تكون جل المنجزات الفكرية التي ينتجها لنا هؤلاء الأخيرون لا قيمة لها كونها تبدأ من فرضية مسكوت عنها هي مركزية الفكر الغربي بأدواته ومفاهيمه، والتي كانت يتوجب البدء بنقدها من الأساس على غرار ما فعل المسيري.

إن الإجابة الجزئية عن التساؤل الأخير هي أن المسيري ذاته لم يطور أدوات أو مفاهيم أو مركزية جديدة يمكن نسبها إلى السياق العربي أو إدعاء كونها ذات أصالة إسلامية .. فما زالت أغلب أدواته التي استخدمها في تقويض الفكر الغربي هي منتوجات فكرية غربية بالأساس مستجلبة من السياق الفكري لنظريات ما بعد الحداثة الغربية .. وهو ما يعيدنا مرة أخرى للتساؤل حول – ليس فقط جدواها في السياق العربي – لكن أيضا درجة أصالتها وارتباطها بهذا السياق العربي .. وهو سؤال أشد حدة مما سبقه.

كل هذه الأسئلة تدور في ذهن من تابع إنجازات المسيري .. وهذا إذا شرعنا في تقييم المسيري إنطلاقا من مطلقات فكرية ترى أن الفكر وحده جدير بالإنتماء إليه حتى لو جب ذلك الموقف الإنتمائي للذات كما في حالة جارودي.وهنا فقط تأتي النقطة الأساسية لتفرد المسيري وأهميته .. فإن كانت هناك نقطة قوة أساسية في فكره فهي التالية: أنه تمكن من تلقي الفكر الغربي ولكنه قلبه رأسا على عقب – كما فعل ماركس مع هيجل ولكن في الاتجاه العكسي.

فقد أخذ المسيري الفكر الغربي وتمكن من حصره في الزاوية واستطاع أن يتخذ لنفسه هو زاوية أخرى وهي الزاوية الطبيعية له كإنسان عربي مسلم وظل يتفحص هذا الفكر – حتى ولو باستخدام ذات أدواته الفكرية – ولكن من زاوية مختلفة هي زاوية ارتباطه بالصهيونية وتركيزه على القيمة الاستعمالية والتبادلية التي تجب بقية القيم .. وفي أثناء ذلك كله لم يفقد اتزانه  الذاتي النابع من زاويته الطبيعية على عكس كثير من المفكرين .. فلا هو أصبح مثل الذين بهرتهم القيم الغربية لدرجة شرعوا معها في جلد الذات وسكنوا إلى تبني موقف مازوخي نحو الآخر .. ولا هو أصبح مثل الذين صدمتهم ثقافة الآخر فتبنوا موقف قبائلي سادي نحو الآخر وتبنوا موقف ديماغوغي تأييدي متعصب من كل ما ينتمي إلى الذات.

هذا الاتزان الموقفي هو ما يتميز به المسيري رغم كل ميله الفكري للانشغال بالآخر .. ذلك أنه في نهاية التحليل يمكن اعتبار الانشغال النقدي بالآخر أفضل بمراحل من التأييد المتعصب للذات من ناحية .. كما أنه من ناحية أخرى أفضل بمراحل من الانبهار الأعمى بالآخر لدرجة تبني المازوخية .. وهنا تحديدا تكمن أهمية الاتزان النفسي والفكري لدى المسيري.

ذلك أن أغلب من شغلوا بالآخر لم ينشغلوا بنقده بل بالنقل عنه .. بينما أن من شغلوا بالذات تفرقوا بين نقد الذات وبين تمجيدها ..لكن المسيري اختط مساراً مختلفاً وغير معهود عن هذه المسارات الثلاثة .. وهو ما يتيح لأحد متابعيه أن يرى في خطه ذلك مساراً مغترباً معتدلاً كما فعلت في بداية المقال .. كما يتيح أيضاً أن يرى فيه مساراً مختلفاً ومتفرداً كما فعلت في نهاية المقال 

أمير الغندور

موقع ( اسلام اون لاين  )

  / 03-12-2009

  

إضافة تعليق

2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.