المسيري ومالك بن نبي معاً على طريق النهضة

بسؤال الحضارة كان الفكر الإسلامي على موعد مع نقلة كبرى على صعيد المنهج والرؤية، فالفكرة الحضارية تدفقت مع زعماء الإصلاح الإسلامي.

وتمدد الخيط الحضاري لتلك المدرسة واصلا بين جغرافيات شتى، وذاكرة متقدة في حلة منهجية جديدة من محمد إقبال ومالك بن نبي والفاروقي وشريعتي وجارودي وعبد الوهاب المسيري وهكذا بدأ يتشكل تيار جديد في الفكر الإسلامي المعاصر راح يستشف جوهر الأزمة وليس أعراضها.

الدكتور عبد القادر بخوش رئيس قسم العقيدة ومقارنة الأديان (جامعة الأمير عبد القادر) قدم دراسة واعية ومهمة تقارن وتقارب بين منهج الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري والمفكر الحضاري مالك بن نبي.

خلدونية الهوى 

يرى الباحث أن أهم معالم هذه المدرسة المسماة بمدرسة التجديد الحضاري التي ينتمي لها المفكران مالك بن نبي والمسيري يكمن في خطابها الذي تجاوز غربة الزمان التي طبعت أدبيات الفكر الأصولي، الذي لم يفلح في تجاوزها حين استحضر آليات اجتهاد القرون السالفة ومناهج تفكيرها وتفسيرها، كما أنه منهج يتجاوز غربة المكان التي ميزت الفكر الحداثي حين استحضر آليات الحداثة الغربية مع خصوصيتها ومحاولة إقحامها في بيئة مغايرة.

إذن بتعريف بخوش لهذه المدرسة هي تيار شامل له حضوره المميز في الفكر الإسلامي المعاصر، لا يقتصر على خطاب اجتهادي يخص قضية فقهية مع أهميتها، أو دعوة سياسية لمقاومة الاستعمار والتبعية للغرب مع ضرورتها؛ إنه خطاب تجديدي غير مجزأ ينطلق من اعتبار الإسلام مشروعا حضاريا متكاملا لا يخص بيئة مكانية، ولا ظرفا زمانيا ولا جنسا بعينه.

تميز هذا الخطاب في تبنيه أدبيات الدين الأساسية إلى جانب عدم تجاوز المعارف الإنسانية القيمية هذا ما نصطلح على تسميته تيار التجديد الحضاري.

ويرى الباحث أن تاريخ هذا اللون من التجديد ظهر إبان تردي الحضارة الإسلامية مواكبا ظهور ابن خلدون الذي وضع أول نظرية في فلسفة الحضارة.

مع عصر ابن خلدون بدأ العد التنازلي في تدهور الحضارة الإسلامية واستمر هذا التدهور وتواصل في عصر بن نبي والمسيري وغيرهما من مفكري تيار التجديد.

وقفة مع مؤشرات منهجية

يضع الباحث عدة مؤشرات فارقة لخطاب التجديد الحضاري على مستوى منهج التحليل أو على مستوى المعالجة وتقديم البدائل وذلك من خلال:

- الانتماء إلى مدارس إصلاحية سابقة مع تقييمها للاستفادة من عثراتها وفي المقابل الاطلاع على الفكر الغربي العلمي منه.

-أهمية المشكلات التي يتصدى لحلها وسعة الآفاق لجمع شتاتها حتى تبدو نمطا مركبا، هذا ما عبر عنه الأستاذ مالك بن نبي بحسب الباحث في قوله: إن روح عصر ما بعد الموحدين المصابة بالذرية Atomisme لا تسلك سبيل التكامل بانتهاج التركيب المتآلف synthese..

أما الدكتور عبد الوهاب المسيري فشدد على واجب الابتعاد عن النماذج الاختزالية التي ترى الظواهر في إطار ثنائيات صلبة بسيطة؛ فالنماذج المركبة تنظر للظواهر في كلياتها الحية.وهنا تتضح عملية التواصل بين أذرع تلك المدرسة إذا لاحظنا ما نقله الباحث عن تعريف الدين عند إقبال: بأنه ليس فكرا مجردا فحسب، ولا شعورا مجردا، ولا عملا مجردا، بل هو تعبير عن الإنسان كله، وينقله عن مالك بن نبي في اعتقاده الراسخ بأن (مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها).

من هذا المنطلق الواعي بحقيقة الأزمة وأنها حضارية يدعو مالك بن نبي إلى ضرورة فقه الحضارة الإسلامية منذ بزوغها إلى أفولها.

معالم في طريق التجديد

وبحسب الباحث تبدو ملامح هذه المدرسة التجديدية في الفكر الإسلامي المعاصر عند مالك بن نبي وعبد الوهاب المسيري، فيما يلي:

-أولا النزعة التقويمية للحضارة الغربية:

-يعرف الباحث النزعة التقويمية للحضارة الغربية بأنها ذلك الإدراك الواعي بحقيقة الحضارة الغربية من خلال إفرازاتها الحضارية متعددة الأبعاد في العصر الحديث ومدى انعكاساتها على ذلك العصر.

وقد كان لكل من بن نبي والمسيري حظ وافر في معايشة هذه الحضارة، والفكر الإسلامي المعاصر في أمس الحاجة للاستفادة من هذه التجارب الحية بعيدًا عن الأحكام المسبقة والمتشنجة، حيث لاحظ كل من مالك بن نبي والمسيري هذا القصور في فهم الحضارة الغربية وحذرا من عواقبه، فالغرب ليس مفهوما مطلقا بل هو مسألة نسبية -كما يقول مالك بن نبي- فإذا أدرك الفكر الإسلامي المعاصر هذا فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيه، ونقاط القوة داخل منظومات وتشكيلات الفكر الغربي.

ونفس الصدى ينقله الباحث عن المسيري في قوله إذا اكتشفنا أن الغرب نسبي وليس مطلقا، فستكون علاقتنا به مستريحة.

ويلاحظ بخوش أن النزعة التقويمية للمفكرين للحضارة الغربية لم تأت من فراغ بل عبر معايشة، حيث ينطلق مالك بن نبي في تحليله للحضارة الغربية من معايشته لها التي امتدت لثلاثين عاما، وأن الدراسة الأدبية في الغرب أتاحت للمسيري دراسة تاريخ الفكر الغربي والمؤسسات الحضارية الغربية المختلفة، وأفاده ذلك في دراسة الجماعات اليهودية ومن خلال الدراسة العلمية والأكاديمية في المدارس والجامعات الغربية بلغاتها.

فإذا كان عالم الأفكار عند مالك بن نبي بحسب الباحث لبس لبوس التفكير العلمي والرياضي، فإن المنظومة الفكرية للمسيري كستها النزعة الفلسفية العميقة، وهذا من شأنه أن يثري الخطاب الإسلامي ويغنيه.

ويرى الباحث أن هذه المعايشة عن قرب للحضارة الغربية خلقت لديهما موقفا معرفيا واضحا حول الحضارة الغربية خصوصا عند تحليل القيم الأوروبية التي وجداها ليست شيئا واحدا، لذلك ما لبث أصحاب الاتجاه الحضاري مالك والمسيري أن نقدا قصورنا في إدراك حقيقة الحضارة الغربية.

وأن النظام الذي خلق الفوضى كما يذكر بن نبي في أوروبا ذو صبغتين؛ فهو علمي واستعماري في آن، فإذا ما كان في أوروبا فكر بمنطق العلم، أما إذا انساح في العالم فإنه يفكر بعقلية الاستعمار.

ويلاحظ الباحث ذات الاتجاه عند المسيري في موقفه من الحضارة الغربية حين كانت المجتمعات الغربية مجتمعات لا تزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية ولم يكن كثير من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في صحفهم ومجلاتهم والتي أصبحت نمطا ثابتا وظاهرة محددة قد تأصلت، بل كانت مجرد حوادث متفرقة لا ظواهر دالة ومن ثم كان من السهل تهميشها، ومن هنا كان دعاة الإصلاح كلهم ينادون بضرورة اللحاق بالغرب ولم يكن هناك أي أصوات تعارض الحداثة أو تنتقدها بل كان الجميع يسبح بحمدها، والمسيري يعذر أصحاب هذا الاتجاه بحسب الباحث ويعتبرهم محقين إلى حد كبير في هذا، فشكل الحداثة الذي أدركوه له سحر أخاذ.

ولكن مع مرور الوقت كما يؤكد المسيري ينكشف الوجه العدواني عندما أمطرتنا الحداثة الغربية بجيوشها الاستعمارية لتحول بلادنا إلى دمار شامل، ومصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية، أما أولئك المنبهرون الذين حلوا بالعواصم الغربية فلم يروا سوى النور والاستنارة في الوقت الذي كانت المدافع الغربية تدك بلادنا دكا.

ويرجع مالك ذلك إلى النفسية المركبة للأوروبي من التراكمات التاريخية لعلاقة الأمم وهنا فهو يرسي دعائم علم جديد في فلسفة التاريخ علم نفس المجتمعات؛ يتحدث فيه عن ظاهرة تخلف الضمير وعدم مواكبته لتقدم العلم، تخلف الضمير في نموه عن العلم وعن حركة الفكر. فالضمير ما هو إلا تلخيص نفسي للتاريخ، وخلاصة لأحداث الماضي منعكسة على ذات الإنسان، فهو بلورة للعادات والاستعدادات والأذواق.

نعم للأوربي الإنسان.. لا المستعمر

وبالنسبة للنزعة العلمية: فيدعو مالك بن نبي بحسب الباحث إلى تفكيك أنساق هذه الحضارة ليتيح لنا أن نقف أمام الأوروبي كإنسان لا كمستعمر وبذلك تنشأ حالة من التقدير المتبادل، والتعاون المثمر، بدلا من تلك العلاقة المادية الجافة التي تنبعث من علاقة أوروبا المستعمرة بالعالم الإسلامي القابل للاستعمار.

ويشيد المسيري كما رصد بخوش بإنجازات الحضارة الغربية ويقف عند بعضها مثل الإدارة الرشيدة في تسيير مجتمع عن طريق مؤسسات اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية ونجاحه في حل مشكلة تداول السلطة بدون عنف أو سفك الدماء، واحترام حقوق الإنسان السياسية، وتأكيد حرية الفرد، وتكوين دولة الرفاهية التي تضمن للإنسان الحد الأدنى من احتياجاته الضرورية نظام صحي، نظام تعليمي.

الإنسان المتوازن

برأي بخوش أن مدرسة التجديد الحضاري المعاصر منذ إقبال مصرة على تمسكها برؤية شاملة في عرضها لأزمة المسلم باعتبارها أزمة إنسانية عامة في جوهرها، والإنسان في فكر مالك بن نبي ليس الكم الذي تجري عليه الإحصائية والوزن، أي الشيء الذي تجري عليه المخبر وعمليات المصنع وحاجات الجيش وإنما هو الصفة التي قرنها الله بالتكريم في سلالة آدم، ويستند مالك بن نبي في نظرته إلى القرآن الكريم الذي أفصح عن تكريم الإنسان وتفضيله على سائر المخلوقات، وينقل عنه قوله: (إن الإسلام يأتينا بهذا الضوء السماوي الذي يحوط الإنسان ويجعله محترما في عيني أخيه الإنسان، إنه يأتي بهذا السبب السامي الذي يفرض احترامه مهما كان لونه وجنسه وقوميته واعتقاده، وهو يضع لفلسفة الإنسان هذا الأساس الميتافيزيقي "ولقد كرمنا بني آدم" فهذه الآية القرآنية تعطي للإنسان كل عظمته وكل بروزه وكل حجمه في الضمير الإسلامي، وإنما ينتج حجمه من هذا التكريم الأساسي، الذي لم يعد معه الإنسان نقطة صغيرة من المادة الحية نقطة صغيرة تافهة إذا قيست بمقاييس المادة تلك التي تعد الكرة الأرضية ذاتها نقطة في الفضاء).

وترصد الورقة موقف المسيري وتراه ينحو نفس الرأي في النزوع الغربي نحو النظرة المادية في دراسة الإنسان التي تستبعد الإنسان المركب الرباني، وتستبعد أيضا مقدرته على تجاوز ذاته الطبيعية والطبيعة المادية، ليحل محله الإنسان الطبيعي المادي ذو البعد الواحد.ويدلل المسيري على أن هذه الفكرة المادية كان لها عظيم الأثر في الفلسفة الأوروبية ومتجسدة في الواقع وأسطع مثال على من جسدها على الواقع هتلر حينما قال: (يجب أن نكون مثل الطبيعة والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة)، وهتلر في ذلك تبع كلا من داروين ونتشه، وانطلق من واحد من أهم التقاليد الأساسية في الفلسفة الغربية.

ويستنتج هنا المسيري أن الإنسان في الفكر الغربي لا يشكل مركز الثقل في الكون، فما هو إلا جزء عرضي فيه، وعليه أن يخضع لقوانينها وعدم الإفلات منها.ويخلص المسيري إلى نتيجة يفك بها هذا النزاع في تكوين الإنسان الذي تعتريه نزعتان النزعة الربانية الإنسانية والنزعة الجينية أما النزعة الربانية الإنسانية فهي حين يرى الإنسان أنه يعيش في الطبيعة ولكن لا يرد في كليته لها ولا يمكن تفسيره في كليته من خلال مقولات مادية محضة أي أنه عكس الإنسان الطبيعي المادي فهو إنسان لا يذعن لحدود المادة على الرغم من وجوده داخلها، فهو يتحرك في إطار المرجعية المتجاوزة، لسقف المادة وحدودها.

أما النزعة الجينية فهي الرغبة في التخلص من الهوية والتركيبية والتعددية والخصوصية والإنسانية المشتركة والقيم الإنسانية والأخلاقية العالمية والحدود والزمان والمكان والمقدرة على التجاوز حتى يعود الإنسان إلى عالم الطفولة الساذجة، وهذا ما عبر عنه مالك بن نبي؛ فالمرحلة الأولى لنشأة الإنسان يكون الإنساني الطبيعي أو الفطري فإذا ما اعتنق الإنسان فكرة دينية فعالة أذعنت غرائز الإنسان الطبيعية إلى عملية شرطية Conditionnement.

وبرأي مالك بن نبي فإن هذه العملية الشرطية ليس من مهمتها تعطيل الغرائز الفطرية ولكنها تتولى تنظيمها في علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية. في هذه المرحلة يتحرر الإنسان جزئيا من هيمنة الطبيعة وقانونها المفطور في جسده، ويستجيب إلى المقتضيات الروحية التي طبعتها الفكرة الدينية في نفسه، ويستدل مالك بن نبي بنموذج لهذه الحالة التي يبلغ فيها الإنسان هذه المرحلة الروحية ممثلة في بلال بن رباح. فعند تعرضه لأنكى التعذيب كان يردد: "أحد أحد".. إن هذه العبارة لا تمثل نداء الغريزة فصوت الغريزة قد صمت ولكنه لا يمكن أن يكون قد ألغي بواسطة التعذيب، إنه نداء الروح التي تخلصت من قبضة الغريزة.

وبهذا يبدو الخطاب الإسلامي عند بخوش متكاملا يمس مجالات الإنسان الروحية والمادية ولا يقتصر على الحديث عن جانب وإلغاء جوانب أخرى، وقد كان لهذا الخطاب أثره البارز في إظهار أهمية الإسلام ومكانته.

موقع: مدارك

إضافة تعليق

6 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.