المشكلُ اللغوي في منظومتنا التعليمية بين التنموي والتحرري

ما تزال الإيديولوجيا تبسط نفوذنا على جل مقاربات المعضلة التعليمية؛ بحيث لم نستطع بعد أن نصغي بنوع من الحياد إلى الدراسات الميدانية والخلاصات الإحصائية ونتائج الخبرات العلمية، ونأبى إلا أن نتوسل بالاختزال والاجتزاء والأحكام المسبقة وتقديم العربة على الحصان في التعامل مع المعضلة التعليمية.

من هذا المنظور، نسجل أن الوثائق المختلفة التي أُنجزت باسم إصلاح المنظومة التعليمية ظلت كلاما عقيما لم يثمر إصلاحا عمليا وتغييرا ملحوظا في مسار هذه المنظومة، مع أن التشخيص يكاد يكون واضح المعالم، و سبب ذلك، في ما نرجح، أن الإيديولوجيا ثم المصالح الفئوية تتدخلان أثناء التطبيق والتنزيل بشكل أساس، فتمارسان ضغوطهما لكي يبقى الوضع في ترَدٍّ حثيث يتيح للبعض الاستفادة من استدامة الأزمة، ويعمق جراح المنظومة حتى كأن لا أمل في علاجها، وأن السيرَ بها نحو النجاةِ بلا أفق.

من هنا نفهم تركيز بعض مقاربات المعضلة التعليمية على الزاوية اللغوية؛ أيعلى اللغات المدروسة ولغات التدريس، وكأن الإشكاليةَ لا تتصل بنيويا بجملة مشاكل متعالقة رصدتها كلُّ الوثائق من تردٍّ في البنيات التحتية، وقصورٍ في البرامج التعليمية، ونقصٍ في التكوين، وتفاقمٍ في الاكتظاظ، وتخلُّف في المواكبة والمتابعة، وغلبةِ الكم التعليمي على الكيف، وتداخلٍ ما هو تجاري بما هو تربوي، وعدمِ العناية الاجتماعية الكافية بالمؤطرين التربويين؛مع عدمِ مراعاة التحولات الاجتماعية العميقة في الإصلاح التعليمي، واستيرادِ نماذج إصلاحية جاهزة لا تلائم في كثير من تفاصيلها وحيثياتها الخصائصَ الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل والنفسية واللغوية للمتمدرس المغربي بأطيافه المتنوعة... إلخ.  و هنا ينطرح السؤال: لماذا يتمُالتركيز على الإشكال اللغوي في المنظومة التعليمية أكثر من غيره؟حتى إنه شكل حجرعثرة رئيسة في خروج التقرير الأخير لـ "المجلس الأعلى للتعليم والتكوين والبحث العلمي"، وهو ما تم تهجير حله إلى موازين قوى التطبيق مرة أخرى، بسبب العجز عن اتخاذ قرارات لغوية مصيرية تنهض بالمبادئ والمقاصد المُعلَن عنها دون المساس بالمصالح الفئوية اللغوية المترسخة على مدى عقود؛ هذا فضلا عن عجز آخر في التواصل مع الرأي العام وإقناعه بالاختيارات الأساس في الإصلاح، بل وإشراكه بالكيفية المطلوبة في صياغة هذا الإصلاح وتنزيله، بحيث يظل مثلا الإعلام المسموعُوالمرئي خارج دائرة تعميق النقاش بالشكل المطلوب وبين مختصين وخبراء وعلماء لا بين سياسويين كلما تحدثوا في مسألة مسخوها وسلبوا منها كل جدية في الاقتراب ومصداقية علمية في الطرح.

تظهر إذن الإشكالية هنا، حين تتحول اللغة من أداة معرفة وارتقاء علمي إلى أداة سطو وامتياز اجتماعي، ولو على حساب التطور العلمي والتلحيم الوجداني والوحدة السياسيةو التنمية الشاملة. يحدث هذا تحت شعارات وتعليلات تتهافت إزاء كل تحليل عميق ومتعدد الأبعاد، مثلشعار "ملاءمة التكوين لسوق الشغل"؛ مع أن هذه السوق عندنا لا تتطور ولا تدعم البحث العلمي، فضلا عن كونها سوقاً في الغالب ينقص "برجوازيتها" الاستثمارُ بوازع بوطني، أي الربح مع الوطن لا على حسابه، وبما يخدم ثقافته وهويته وانفتاحه، لا بما يمسخه ويذيبه ويمحق استقلاليته اللغوية والثقافية والروحية، بدل أن يمنحه ندية في الوجود الاقتصادي والثقافي والهوياتي... وهذهإشكاليةٌ ثانية نصوغ سؤالها الرئيس كما يلي: إلى أي حدٍّ نملكُ"برجوازيةً" وطنيةًتحمل على عاتقها تنويرَ المجتمع وفق مشروع متكامل يضطلع بتحديث هذا المجتمع وتنميتَه من داخل ثقافته وإمكاناته وبسائر مكوناته لا استغلاله و استنزافه على حساب كل ذلك؟ سؤال يؤرقُ المتأملَ في مختلف الإجراءات التي تبخِّس من قيمة "المدرسة الوطنية" لصالح التمدرس في البعثات التعليمية الأجنبية أو التعليم الخصوصي؛ لأنهيعي بشقاوة خطورة التوجه اللاوطنيلكثير من أطياف هذه "البرجوازية".

وإجمالا، يمكن القول إن إشكال منظومتنا التعليمية لا يمكن اختزالُه في المسألة اللغوية على أهميتها، و إنما تبعيةُ بعض الفئات الفرنكوفونية وعدم استقلاليتها على المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، هما العاملان الرئيسان اللذان يدفعانبالإشكال اللغوي للواجهة حتى يُنظر إليه بوصفه جوهرَ المعضلة التعليمية، ويُصبح حل كل مشاكل هذه المعضلة رهيناً به.و تلك الفئات إنما تدافع بذلك عن تبعيتها تلك، وكذا عن امتيازاتها من وراء تكريس تلك التبعية، وهو ما يخالف شعارات التنمية المعرفية والاقتصادية، والحفاظ على الهوية في مختلف أبعادها كما ينص على ذلك دستور 2011.

ونحن إذ ننبه على هذا الأمر، نسجل أن الهوية المغربية غنية ومتنوعة ومنفتحة على سائر اللغات والثقافات والمعارف كما أكد على ذلك خطاب العرش لعام 2015، انفتاح يقوي هذه الهوية بمختلف مكوناتها العربية والأمازيغية و الأندلسية والحسانية والإفريقية والعبرية ويدعم تلاحمها وتماسكها من جهة، مثلما يدعم كونية هذا الانفتاح ونهله من الإبداع العالمي على مختلف المستويات، وهوما تضمنهاليوم بلا منازع اللغةُ الإنجليزية التي تتربع اليوم عرشَ اللغات العالمية، والتي كانت اللجنة المكلفةُ في الخلوة الأخيرة للمجلس الأعلى للتعليم قد اختارتها لغة أساسية للتدريس و الانفتاح قبل أن يتدخل "التيار الفرنكفوني" في اللحظات "ما بعد الأخيرة" ليحشر منظومتنا التعليمية في قمقم الفرنسية المتراجعة يوما عن يوم إرضاءً لنزوعات استتباعية ومصالح فئوية تاريخية؛ وذلك على حساب المشروع الوطني المغربي المستقل في البناء والتحرر.

وكم يحرج قومَ تُبَّع هؤلاء أن نذكرهم بأن اللغة العربيةَ تتقدم في أطلس اللغات السائدة اليوم على الفرنسية، وأن الإقبالَ على تعلمها وإتقانها يرتفع في دول آسيا وأمريكا وبعض أقطاب أوروبا؛ وأن العناية بالإنجليزيةِ بما هي مفتاح للكونية هو دعامة قوية للمكونات اللغوية الهوياتية، لأننا نذهب إلى الإنجليزية بوازع ذاتي في المعرفة والتعلم والانفتاح لا بوازع قسري من الواقع التبعي والتاريخ الاستعماري كما هو حال الفرنسية. على أن ثمة فارقا رحبا بين ذهابنا إلى الفرنسية كثقافة وفلسفة وأفق معرفي تنويري، وهو ما نحبذه و نوثره، وبين الفرنكفونية بما هي فرض قسري لبوابة وحيدة على العالم من خلال التعليم والإعلام والامتياز الاقتصادي على ما في هذه البوابة اليوم من ضيق وقصور.

وما دام الحسم في هذه المسألة اللغوية مرتبكٌ و غير مُقنع، فسيظل التعليمُ يتخبط في تناقضاته المختلفة، وأجيالنا تضيع بين صراعات إيديولوجية وتجاذبات مصلحية، تزيد من تأزيم التعليم العمومي وتحوله من أداة للنهوض بالمجتمع إلى مستنقع لتفريغ الفشل والإحباط والجهل والعنف والتطرف..، و هو ما يشكل خطرا حقيقا على أمن المجتمع واستقراره على المدى المتوسط، الأمر الذي بدأت تظهر أولى معالمه المقززة في بعض الأخبار اليومية المسيئة لرمزية المُعلِّم وهيبة التعليم، ووظيفتهما الاستراتيجية في بناء المجتمع والنهوض به.

نحتاج إذن إلى وعي بجدلية التنموي والتحرُّري في طرح المشكل اللغوي، أي تناوله في بعده التحرري والتحريري بتواز وتفاعل مع بعده التنموي و الاقتصادي،مثلما نحتاج، من أجل ذلك، إلى تفعيل دور مؤسسات دستورية مُعَطَّلة مثل "أكاديمية محمد السادس للغة العربية" و"المجلس الأعلى للغات والثقافة المغربية"، والإصغاءمن خلالهما لأهل الشأن من علماء ولسانيين و خبراء لغويين اقتصاديين واجتماعيينو غيرهم بدل ترك الساحة للسياسويين الذين تحركهم المنافعُ الظرفية والمصالح الفئوية بدل تغليب النظر المستقبلي والعمل وفق أفق استراتيجي لبناء مجتمعمُتعلِّم وآمنٍ لغوياً،  قويٍّبتاريخه وهويته وانفتاحه، ومنتجٍ بتعليمهِ وخريجيهِ، ومُسهِمٍ بحريةٍ وفعاليةٍفي العطاء والإبداع العالميين بتوقيع مغربي أصيل.

محمد التهامي الحراق

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.