المشهد الثقافي السعودي.. هل يشهد تراجعًا أم يستعد لقفزة إلى الأمام؟

 في وقت تتوجه فيه السعودية إلى إعداد مشروع للنهوض بالثقافة يحمل اسم الملك سلمان بن عبد العزيز للوصول إلى منظومة ثقافية متكاملة، بهدف خلق وعي وإيجاد حراك في النسيج الثقافي، وتحقيق التنمية الثقافية الشاملة التي سجلت في البلاد، كما هو في العالم العربي عمومًا، تراجعًا، على الرغم من أن بعض النقاد يتحفظون على استخدام مصطلح التراجع في الشأن الثقافي، انطلاقًا من أن مفهوم الثقافة أصبح واسعًا، وقد طرق مجالات جديدة لم تكن معروفة، مستفيدًا من التحولات الجديدة في عالم المعرفة، وثورة الاتصالات والوصول إلى المعلومة بسهولة.«الشرق الأوسط» تسلط الضوء على هذا الموضوع الحيوي من خلال رؤى نقاد وأكاديميين ومثقفين ذوي حضور في المشهد الثقافي المحلي والعربي:تراجع ثقافيبداية، يؤكد الدكتور معجب العدواني أستاذ النقد والنظرية المشارك في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود، أنه لا ينكر التراجع الثقافي العربي إلا الجاحدون، ولا يؤمن بوجود نقيضه إلا المدعون؛ فالثقافة تعد المبدأ الأساس الذي يحدث التوازن المطلوب في المجتمع مع الفرد، وهذا الدور الذي نتحدث عنه للثقافة يتكشف بمراجعة أولية تستهدف دور الثقافة على امتداد الزمن. وفي تصوره أن «الثقافة العربية منذ بداية التقسيم في البلدان العربية ظلت عاجزة ولا تزال عن إيجاد المدخل الملائم والتركيبة الخاصة لبناء الإنسان العربي، فأوجدت هذا التشتت الذي نلحظه في شتى وجوه الحياة التي يعيشها الإنسان». ويضيف: «ببساطة حينما لا يجد الفرد غايته فيما لديه من ثقافة وموروث فإن ذلك ما يمكن وصفه بالتخلف الثقافي.. الإنسان العربي في العصر الحديث يعيش هذا التمزق الذي نراه نتيجة تضارب تأويله لموروثه والمنجزات الثقافية حوله».وأشار الدكتور العدواني إلى أن «كل الثقافات تحرص على أن تراعي هذا الخط التعددي وتراعي هذا الاختلاف في وجهات النظر لتخلق من هذا الاختلاف مكسبا مثمرا لها، ولتكون مرفدًا من الروافد في بلد ما، لكن الثقافة العربية مع الأسف وجدت لترسخ من هذا التشرذم ولتجعل منه البيئة الأساسية وليست البيئة الفرعية، وهذا العامل جزء من عوامل كثيرة أدت إلى أمراض ثقافية أخرى؛ ولا يقف الأمر عند هذا الحد! بل توجد علل أخرى تضاف إلى رصيد كل ذلك ولكن هذه العلة بدأت أكثر قربا من الجرح الذي لا يشفى بسبب نتوءات تحدث له من وقت لآخر».وبين العدواني أنه لا سبيل لإيجاد العلاج لهذا الجرح الذي ينكأ بين فترة وأخرى سوى بخلق مساحات من الوعي الحر الذي يرسخ لكل الأصوات فضاءاتها الملائمة، ولتحقيق ذلك لا بد من تشكيل وعي علمي في كل الحقول السياسية والاجتماعية والتربوية لتوفير التربة الخصبة لاستنبات نبتة النهوض الآني وشجرة المستقبل الوارف.تغير مواقع لا تراجعمن جانبه، يعلق الدكتور عبد الله الوشمي، الناقد والكاتب، وأمين عام مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، بقوله: «لا أشعر بحاجة إلى استخدام مصطلح تراجع في وصف الشأن الثقافي، وأود أن أركز اهتماماتي في الجوانب الأخرى لما يوصف بالتراجع، وذلك ضمن النسيج الثقافي مما يعكس موقفًا مضادًا لهذا الاتجاه، وخصوصًا ما يتكون في مجتمعات الشباب، حيث يتبادل كثيرون اتهامًا دائمًا بأن الشباب لا يُعنون بالثقافة، وأنهم ضعيفو القراءة، أو أنهم لا يتابعون التحولات الثقافية، حتى تحول هذا التوهم إلى تنميط نحاصر به الشباب، ويكونون مضطرين إلى الدفاع عن هذا الموقف، كما يكونون دائمًا في حالة تحفز أو قلق، وكأنهم لا يشاركون صناعة الثقافة، وإنما يستفيدون منها أو يتلقونها من النخبة فحسب! على حين أن الاقتراب من الشريحة الشبابية تعطيك آفاقًا مضيئة من الوعي والنظر؛ بل إن بعضهم صاحب مبادرات نوعية في مجال الثقافة سواءً على مستوى القراءة التي نتذكر بشأنها أندية القراءة المتعددة في بلادنا والمهرجانات النوعية المتخصصة التي أقيم آخرها في (أرامكو). وبعض الشباب له مبادرات على مستوى الترجمة، ويجب أن نتذكر باعتزاز مبادرات الشباب التطوعية في الترجمة لموسوعة الويكيبيديا، كما أن لبعض الشباب جهودًا في تحريك القيم الثقافية العامة من خلال وسائل التواصل».ويضيف: «نتذكر هنا مواقف تتصل بالجهود التي يكوِّنها بعض الشباب فيما بينهم خاصة في مجال الابتعاث، وكذلك حسابات التطوع اللغوي والاجتماعي والقرائي في (تويتر) التي يقف وراءها شباب متميزون. إنها فعل ثقافي مميز يقوم به الشباب لمقاومة أي تراجع أو انهيار ثقافي».ويرى الوشمي أن «الثقافة بالمفهوم الواسع والكبير ليست الاقتراب المباشر من قضايا محددة دون غيرها، فليس المثقف هو الذي يكتب القصيدة فحسب، أو يشترك في الصحف، أو ينشر فيها، وإنما المثقف هو الذي يعي موقعه في الحياة، ويفهم متطلباتها وتحولاتها، ويسهم في طريقة فهمها والإيمان بها، ويستطيع أن يقرأ مساراتها وأن يعمل من أجلها إبداعًا ونقدًا وعلمًا، وهو الذي يملك أحقية السؤال الثقافي حول ما يرى ويسمع، ولذلك نجد أن الشباب قد بدأوا يدخلون في هذا المضمار بقوة، فلم يعد هناك سقف لتناولهم وتحليلهم، والدليل على ذلك نشاطهم في وسائل التواصل الاجتماعي خاصة.ويضيف: «قد تميل النظرة السابقة إلى الجانب التفاؤلي والاستشرافي الذي يحاول النظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس، ومع ذلك فإنني لا أهمل الجزء الآخر، حيث نجد فراغًا واضحًا في مجالات ثقافية محددة، وقد نجد ارتباكًا في فهم الهوية الخاصة بين أصالتها وتحررها الإيجابي. نحن نقلق حين نشاهد التحولات العنيفة التي مُنيت بها ثقافتنا العربية، كما يقلقنا تفاوت الأداء والإنجاز في بلدنا بشكل خاص، وقد يتصل السبب في ذلك بطبيعة السجالات النقدية الحادة التي تجرى أحيانًا بين الشرائح المتقابلة في مجتمعنا حول قضايا حسمتها بعض المجتمعات الأخرى، ومهما كان ذلك سببًا في التأخر في بعض القضايا الثقافية؛ إلا أن هذا السجال أعطى فرصة لتحقيق القول وتفتيقه في عدد من المسائل».وشدد أمين عام مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، على أن الوعي بالمنزلة الحقيقية للثقافة لا يتأتى بالانطباعات العامة، وإن كانت تفيد كمؤشرات عامة، ولكنه يحدث من خلال الاستقراء المنهجي الدقيق الذي يجب أن تقوم به الجهات الثقافية لنعرف مقدار الكتلة الثقافية وتحركها بشكل دقيق من خلال أعداد الإصدارات وأعداد الفعاليات وطبيعة التحولات ومواقف المجتمع والإعلام والنخب والشباب منها وغيرها، وأن نفهم أن التثقيف هو دور عام يجب أن تسهم به كل المؤسسات الوطنية.وقال الوشمي: «أحبُّ كثيرًا أن نصل إلى أعلى درجات الثقافة دون أن نتناسى البدايات التي لا بد أن يعيشها كل فرد من الأفراد، ومن هنا فإن النخبة التي تترقى إلى الدرجات العالية من الثقافة يجب أن تستصحب أن هناك مستويات مختلفة لا بد أن يخترقها الشباب وفقًا لما يناسبهم في مراحلهم بمنهج الترقي. والأهم من ذلك أن مفهوم الثقافة يأخذ بالتزحزح من موقعه إلى مواقع أخرى، فلم تعد الأمية منحصرة بمن لا يكتب أو لا يقرأ، وإنما أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بمقياس الوعي بالأجهزة الذكية والبرامج والتطبيقات، ولم يعد المؤثرون هم جيل المشايخ أو نجوم الإعلام أو نخبة المثقفين فقط، وإنما شاركهم، وقد تفوق على بعضهم، أعداد من الشباب الذين يبزغون من خلال مقطع واحد، أو تغريدة سريعة، ونجد لهم آلاف المتابعين الذين يسيرون معهم حيث كانوا، ولذلك فإن تقويم وتقييم المثقفين لحال الثقافة يقابله تقويم آخر يمارسه الشباب لحال المثقفين أنفسهم».غياب لمعنى الثقافةبدوره، رأى الدكتور محمد الصفراني، أستاذ النقد الأدبي، أن انتشار القراءة والكتابة لا يعني انتشار الثقافة والوعي، فالثقافة أعمق من مدرسة أو جامعة أو شهادة علمية، الثقافة منظومة متكاملة لخلق الوعي وإدارته واستثماره، وهذا المعنى للثقافة لا أظنه متوافرًا في العالم العربي إجمالا وإن كانت بعض الدول العربية تحظى بالنزر اليسير من هذا المعنى العميق للثقافة.وقال: «في السعودية تحديدا لم أر سياسة ثقافية واضحة أو استراتيجية تنمية ثقافية لها رؤية ورسالة ومراحل وأهداف، ناهيك بأن وثيقة سياسة التعليم في المملكة لم تتغير منذ 48 عامًا»، مضيفًا: «عالجت هذا الخلل المتمثل في غياب السياسة الثقافية الواضحة في السعودية في كتابي الصادر قبل تسع سنوات بعنوان (نحو مجتمع المعرفة.. متطلبات التنمية الثقافية والأمن الفكري في السعودية) وطرحت فيه تصورا استراتيجيا للنهوض بالشأن الثقافي العام في السعودية التي تعاني من غياب للسياسة الثقافية أفضى إلى فراغ كبير في المشهد الثقافي، وهذا ما خلق لدينا ما يعرف بـ(الشعوب البديلة)». وفي مواجهة اتساع رقعة الفراغ في المشهد الثقافي وتزايد نسبة أبناء الشعوب البديلة اقترحت في كتابي إنشاء بعض المؤسسات الثقافية التي أسميتها بمتطلبات التنمية الثقافية ومنها: المجلس الثقافي الأعلى ويختص برسم السياسات الثقافية، ووزارة مستقلة للثقافة، وإنشاء البنية التحتية للثقافة، والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والهيئة السعودية العامة للكتاب، واتحاد الكتاب السعوديين، وصندوق التنمية الثقافية، وغيرها».

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.