المكتبات.. حكيمات المدن

ليست داراً للكتب فقط، بل ميراث الإنسانية الأهم والأجمل. شاهدة الحضارات وحاضنة الثقافات على مر العصور. الرئات التي تتنفس بها المدن وتنبض قلوبها من خلالها. مكان تصارع الأفكار واتفاقها. بين أحضانها كل ما أنتجته البشرية في رحلتها الطويلة من التوحش الى التمدن ومن البدائية إلى التحضر ومن التخلف إلى التقدم. هي قبلة العشاق ومهوى أفئدة المريدين وهي – بعد بيوت الله - أجمل مكان يمكن أن يقضي فيه المرء وقته ويجدد روحه ويحيي صفاءه الذي تراكم عليه الصدأ. المكتبة ليست مكاناً لاجتماع تلك الأرواح الهائمة في جنّات المعرفة وحسب بل تمثل تاريخ أي بلد وحضارته، وهي في رمزيتها تحمل روح المدن المحتجبة والظاهرة.. هذا أمر يعرفه من ملكت عليهم المعرفة ألبابهم وهاموا بها حد الشغف.

في رمزيتها، تتجاوز المكتبة العامة أو دار الكتب الوطنية في أي مدينة كونها النافذة التي تطل من خلالها المدينة على الآخر وتعلي شأن كل المشتركات الإنسانية وتحتفي بكل جميل ومبدع وخلاق في الروح البشرية لتصبح روح المدينة المحتجبة.. فيها يقرأ القارئون ويبحث الباحثون وينقب المنقبون عن كل خفي وثاوٍ ودفين من كنوز المعرفة. ولا يمكن لمتعاطي هذا النوع من المتعة، الطاعنون في عشقهم لها، إلا أن يفتقدوا المكتبة، ويبحثوا عنها أول ما يبحثون في أي مكان يحلون فيه. ذلك أن المكتبة هي زاد كل طالب علم أو باحث عن رائحة مجد. وهي مقصد العارفين الذين يغذون إليها السير كلما حزبهم أمر أو استغلقت عليهم مسألة، يقصدونها فتفتح لهم خزائنها وتعطيهم ما لذ وطاب، تسلمهم ما يشاؤون وتحقق لهم ما يبتغون. لا تخذل طالباً ولا ترد سائلاً ولا يطرق بابها مريد ويعود خالي الوفاض. لا مكان عندها لـ “خفي حنين” بل لكل قدم ما تسعى إليه من رزق، ولكل قلب ما يشتاق من الهوى والرحيق، وبين رفوفها حال العشاق يحلو، وبالهم يصفو.

 بنات المدن.. مكتباتها

 بالنسبة للمدن، تبدو المكتبات مثل بناتها اللاتي تزهو بهن أيما زهو، وترتبهن أجمل ترتيب، وتسكنهن في أجمل الأماكن وأحلى البيوت ولا تبخل عليهنَّ بالغالي والنفيس. لا معنى للمدينة بلا مكتبة، ولا حكمة لها بلا خزائن للكتب، بلا حدائق للمعرفة، بلا بحار للحكمة تسبح فيها الروح عندما يأخذ منها العناء كل مأخذ، وحين يصبح الأسمنت والحجر ضيقاً إلى حد أنه يحجب الهواء.. في لحظة كهذه، وفي كل لحظة، يستعيد الكائن إنسانيته في بيت الكتاب، تعود إليه روحه المستلبة، يشف، يرتقي، يحلق إلى آماد أخرى لا يمكن أن تحققها رسائل الهاتف النقال ولا مشاهد الفضائيات ولا حتى التسوق ومغرياته الهائلة، هناك، تذهب الروح في التجلي إلى أقصاه وتمضي فيها الساعات كأنها لمح البصر، تستاف من كل روض وبستان وتنتقل مثل فراشة بين حقول شتى.

 حين صافحت عيني هذه البلاد لأول مرة، كان أول ما فعلته البحث عن مكتبة. بعد السؤال والاستفسار وجدت مكتبة تتبع وزارة الإعلام والثقافة (هكذا كان اسمها آنذاك) تقبع في شارع زايد الأول على بعد خطوات من المجمع الثقافي. لم تكن دار الكتب الوطنية قد افتتحت بعد. وجدت الموظف يستقبلني بترحاب واضح وسرعان ما صرت من رواد المكتبة الدائمين ثم نشأت بيني وبين أمينها صداقة ثقافية حين عرفت أنه شاعر. لم يكن سوى الشاعر الرقيق محمد شريف الشيباني، ولم تتفوق على جمال تلك العلاقة مع المكتبة الصغيرة إلا العلاقة التي نشأت بعدها بيني وبين دار الكتب الوطنية في المجمع الثقافي في أبوظبي، تلك العلاقة التي يصعب، لجمالها وثرائها، التعبير عنها أو وصفها بكلمات. ولما انتقلت مكاتب هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وأغلق المجمع الثقافي لإقامة المنطقة الثقافية أو الحي الثقافي شعرت أن جزء من ذاكرتي قد فقد... وظللت أنتظر أن أرى مكتبتي الحبيبة وأتجول بين كتبها حتى آن الأوان وبدأت الهيئة في إنشاء المكتبات التي هي مدار الكلام في هذا المقام.

 لا يمكن أن تكون المدينة أي مدينة بلا مكتبات كبرى تؤسس لحضورها الثقافي والإبداعي، وإذ تحرص هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة التي تتولى حفظ وحماية تراث وثقافة إمارة أبوظبي على إنشاء المكتبات الكبرى في المدينة فهي حتماً تمنح أبوظبي الجميلة وجهها الحضاري وتعيد إلى الأذهان حضورها الثقافي. فالمكتبات هي ذاكرات المدن التي تمور بكل غال ونفيس. وهي تاريخها الروحي والمعنوي والمادي، ومناراتها ودليلها إلى الحياة.. وهي سجل البشرية الخالد الذي سطرت فيه وبه حضورها في خريطة الأبدية.

 ورغم أن الكتابة عن مكتبة، أقله بالنسبة لي، مهمة صعبة، إلا أن في قصة المكتبات شيء ما في متناول اليد؛ إنها الرواية التي تتحدث عن تفاصيل التأسيس والإنشاء والغايات والأهداف والطموحات والمشاريع وهي ضرورة لا بد منها.

 خزانة المعرفة الإماراتية

 باشرت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة منذ مدة إنشاء المكتبات في إمارة أبوظبي، في إطار خطتها لإشاعة المعرفة وتعميمها وتقديم كل ما من شأنه أن يشيع الوعي بين فئات المجتمع وشرائحه المختلفة. وقد أنجزت على هذا الصعيد افتتاح ثلاث مكتبات هي: مكتبة الأطفال في منطقة البطين التي افتتحت في سبتمبر من العام الماضي 2011 بالتزامن مع بدء العام الدراسي، و”مكتبة العين” في مركز العين التجاري، و”مكتبة الإمارات والخليج العربي” التي افتتحت في مارس 2012 وتقع في منطقة كورنيش أبوظبي (الطابق الرابع من مبنى بنك رأس الخيمة)، وذلك ضمن استراتيجية دعم المضمون الفكري لدى القراء عن تراث دولة الإمارات والمنطقة عموماً، وتوثيق كتب ومصادر التاريخ الإماراتي، وتوفير بيئة مناسبة للباحثين وهواة القراءة التاريخية معاً. وجميع هذه المكتبات توفر كافة الخدمات التي يحتاج إليها القارئ والباحث. فضلاً عن عزمها إنشاء مكتبات أخرى في مناطق الإمارة المختلفة مثل المرفا بالمنطقة الغربية. كما تواصل الهيئة عبر دار الكتب الوطنية تحضيراتها لإطلاق عدد من مكتبات الأحياء والمناطق والمراكز التجارية خلال الفترة القادمة، وذلك بهدف توفير الخدمة المكتبية وتنمية الوعي الثقافي في كافة أنحاء إمارة أبوظبي.

 وتعتبر دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة إحدى أكبر خزائن المعرفة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومقصداً للباحثين والمثقفين والطلبة بمختلف فئاتهم العمرية وتخصصاتهم الدراسية والأكاديمية. وتقدّم الدار لمرتاديها خدمات الإرشاد المرجعي والتصوير والإعارة والببليوجرافيا، وعملت على إصدار المئات من الكتب في مختلف مجالات المعرفة، والتي حصلت على جوائز عربية ودولية مرموقة.

 

جريدة الاتحاد

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.