المكوّن الثقافى وتحدى العولمة

العولمة حسب معجم ويبسترز هي: "إكساب الشيء طابع العالمية، وبخاصة جعل نطاق الشيء عالميا". وعند الانتقال من المعنى المعجمى إلى المعنى الاصطلاحى سنجد أن هذه الكلمة/المصطلح التى تم تداولها وانتشارها مع أوائل التسعينيات ــ على الرغم من أن إرهاصاتها وجذورها تمتد إلى مرحلة أبعد بكثير ــ تعني؛ ظاهرة تتداخل فيها أمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع والسلوك، ويكون الانتماء فيها للعالم كله عبر الحدود السياسية الدولية، وتحدث فيها تحولات على مختلف الأصعدة، تؤثر فى حياة الإنسان فى كوكب الأرض أينما كان ، غير أن المعنيين (المعجمى والاصطلاحي) يبدوان بريئين فى ظاهرهما، ويخفيان حقائق شبكيات السلطة والسيطرة التى تمارسها قوى تسعى إلى تدجين البشر، وتكييف الوضع البشرى ليكونا فى خدمة أهدافها .. هذه القوى تتمثل بالرأسمالية العالمية، ومؤسساتها، وهى تفرز آخر تجلياتها الموسومة بـ "العولمة".

وإذا كانت العولمة ثمرة للتقنيات التى تعد بدورها نتاجاً لغزو العلوم: شبكة جد واسعة للاتصالات المعلوماتية، وسرعة هائلة لوسائل النقل، وتحوّل طرق الإنتاج وعولمة الأسواق والمبادلات الاقتصادية والنقدية والمالية ... فإنها ــ أى العولمة ــ قد وجدت متنفسها فى لحظة تصدع تاريخي، تمثلت بانهيار طروحات العقلانية/الأداتية الغربية، وهزيمة الاشتراكية الماركسية فى التطبيق على أرض الواقع، وانكماش كثير من حركات التحرر فى العالم الثالث، وفشلها فى مهمات البناء الوطني.

والعولمة ليست مقترحاً طارئاً طرحته المؤسسة الرأسمالية من ضمن بدائل شتي، وإنما هى امتداد لذلك النهج البراغماتى ــ فى أكثر وجوهه سوءاً ــ والذى عبّر عنه أحد دعاته منذ عقود بهذه المقولة الشائنة؛ الحرب .. الحرب .. إلى أن يتحول العالم إلى شركة واحدة، كبرى .

وإذا كانت العولمة أكبر من كونها "موضة عابرة" فإنها بالمقابل ليست القدر الأخير لإنسان هذا الكوكب، ولا تحمل بالتأكيد الحلول السحرية الجاهزة لمشاكل المجتمعات كافة ــ ولاسيما لمشاكل العالم الثالث ــ ولا يمكن ان تكون الأطروحة المثلى للعقل البشري، وقد دخلنا الألفية الثالثة.

ولربما كانت العولمة قوة كونية أشد مقدرة من الأشخاص والمؤسسات، ولكن ينبغى أن ننتبه إلى الأوهام التى أحاطت بها، والتى روّجت لها وسائل الإعلام المسخرة طبقاً لموجِّهاتها واستراتيجياتها .. تلك الوسائل التى تكاد تصور العولمة وكأنها ذات قدرة كلية، بإمكانها أن تصنع ما تشاء، وقت ما تشاء.

وهذه القوة الهائلة التى تكاد تكون غير منظورة تحمل بالتأكيد، فى تضاعيف بنائها عوامل تشتتها وموتها، لا لأنها تفتقر إلى الأفق الإنسانى الصحيح فحسب، بل لأن الطرف الآخر من الإنسانية التى ستدفع ثمن تحقيق أهداف العولمة غالياً لن تقف مستلبة، سلبية، مطيعة، فى الوقت الذى ترى فيها شخصيتها وأحلامها وكرامتها وأسس حياتها تنهار.

والعولمة ستجد من يقاومها من داخل المجتمعات الغربية المتبنية لاستراتيجيات العولمة، وما سعى المثقفين الفرنسيين للتصدى للمنتجات الثقافية ذات الطابع الاستهلاكى التى تصدِّرها، وتروّج لها أميركا إلا مظهر من مظاهر هذه المقاومة.

إن مواجهة إستراتيجيات العولمة لا تعنى الوقوف بوجه التقدم التقنى والمعرفى والانسحاب نحو الذات ولجم فعالياتها، بل ان المحافظة على خصائص الذات لا تكون إلا بتأكيد هذه الذات لنفسها فى الإبداع الإنساني، وكما يقول برهان غليون فإن العالمية والخصوصية تتقدمان معاً وتتمفصلان على نفس التاريخ، تاريخ الحضارة، ولا تتعارضان ولا تحتفظ الثقافة بخصوصيتها، أى بذاتيتها واستقلالها إلا بقدر ما تفرض نفسها عالمياً وعندئذ تكون المشكلة، كما يقول غليون أيضاً كيف نستوعب الحضارة من أفق ثقافتنا وانطلاقها من أطرها ومنطلقاتها الذاتية ... وكيف نصبح نحن مركز حضارة؟ .

إن اختلالات جدية قد أصابت البنيان القيمى للمجتمعات جراء التغيرات السريعة الحاصلة فى بنى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ومن هذه الثلمة تحاول العولمة فى إطار استراتيجياتها فرض قيمها البديلة. وحيث أن العولمة لا تسعى إلى خلق عالم مثالى قوامه العدالة والسلام والرفاهية، بل على العكس، فهى تركز الثروة والقوة فى جانب، والفقر والضعف فى الجانب الآخر، وتتقبل استخدام الآلة العسكرية الغاشمة ضد من يناوئ توجهاتها، فهنا يرتسم دور الإبداع الثقافى والفكرى فى الإجابة على السؤال الشائك والمربك فى كيفية إعادة صياغة المكوّن الثقافى والقيمى للمجتمع بحيث تضمن الارتقاء بهذا المكوّن إلى مستوى متطلبات العصر وتحولاته، مقابل الحيلولة دون تعرض الشخصية الثقافية والحضارية للمجتمع إلى التشوه والانمحاء.

ليس من اليسير تأسيس تصور واضح وعميق لخريطة المكوّن الثقافى للعالم فى المستقبل .. هذه الخريطة المفترضة التى ستلقى علينا بسؤال مضاف هو: كيف يمكننا المشاركة فى بناء وإغناء هذه الخريطة بما يجعلها تصب فى مصلحة مجتمعنا والمجتمع الإنساني، فى عصر يرسم ملامحه أحد منظرى العولمة (الأمريكى فريدمان) هكذا: نحن أمام معارك سياسية وحضارية فظيعة، العولمة هى الأمركة، والولايات المتحدة قوة مجنونة .. نحن قوة ثورية خطيرة، أولئك الذين يخشوننا على حق، إن صندوق النقد قطة أليفة بالمقارنة مع العولمة .. فى الماضى كان الكبير يأكل الصغير، أما اليوم فالسريع يأكل البطيء .

تترابط حقول المعرفة بعضها مع بعضها الآخر، وتشتبك جدلياً مع مشكلات المجتمع، ولذلك تنمو المعارف فى مهاد إنساني، وتلتصق به لتكون جزءاً منه وممثلة له. وإذا كان هذا المهاد الإنسانى خاضعاً بصورة حتمية لقانون التغير، فإن المعارف التى تمثل أساسيات فى نسيج ثقافة المجتمع ستخضع هى الأخرى وحتماً لهذا القانون. غير أن التغيرات الجذرية لا تطرأ على المكوّن الثقافى بسرعة كما هو الحال فى مجالات الاقتصاد والتقنية والسياسة، بل إن هناك ثوابت فى المكوّن الثقافى هذا قد تبقى فاعلة لقرون عديدة.

فالثقافى يمد جذوره عميقاً فى التاريخ .. فى ماضى المجتمع، ويكون قائماً فى لاشعور وضمير ووعى وعقل ووجدان أفراد المجتمع .وهو يعتمد، ويحافظ علي، ويغذي، ويتداخل مع المكوّن النفسى لذلك المجتمع، ولذا فإن الثقافى لا يمكن ان يتعرض إلى عطب كلى أو يموت. ولا يمكن إحداث انقطاع شامل فى التاريخ الثقافى لمجتمع ما، ولكن يمكن تغيير رؤية المجتمع إلى نفسه، وإلى ماضيه وثقافته بالتساوق مع تطور هذا المجتمع ذاته، وتطور العالم، والعلاقة بينهما.

إن التطورات والتبدلات لا تحدث فى الحقل الثقافى بمسار خطى يمكن التنبؤ به استنادا إلى معطيات ووسائل إحصائية تقليدية، فالمكوّن الثقافى أعقد بنيويا وحركيا من أن يخضع لمثل تلك الوسائل، وحقائقه على الأقل فى استجاباتها للغة الأرقام، وبذلك يبقى الاختلاف فى التصورات ووجهات النظر حوله مستمراً0 والحوار بشأن المكوّن الثقافى لمجتمع ما، هو من شأن جميع أفراد هذا المجتمع، ينغمسون فيه، على مختلف مستوياتهم العلمية والمعرفية، وانحداراتهم الاجتماعية0

يعمل المكوّن الثقافى ويتطور، ويتخذ شكل مشروع حضاري/تاريخى فى

نزوعه للمستقبل فى نطاق إستراتيجيات تفصيلية واسعة المدى والتأثير، أى انه لا يعالج بإجراءات مؤقتة محدودة، ولا يتحمل فى سعينا إلى تطويره التجريب الاعتباطي. ولأن امتدادات هذا المكوّن لا يمكن فصلها وانتزاعها من الإطارين الزمانى والمكاني، وما يتصل بهما من أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية، فلا يمكن عندئذ وضع أسس مشروع ثقافي/حضارى انطلاقاً من حقائق المكوّن الثقافى من غير أن ننظر فى التاريخ، ونتوغل فيه عميقاً برؤية نقدية. وهذا على عكس ما يحدث عند ترسيم خطة اقتصادية، وأحيانا عند وضع برنامج سياسى للمستقبل .

إن نمطا اقتصاديا مغايرا، ودخول تقنيات جديدة، والتبدلات فى البرامج السياسية والاجتماعية قد يعيد ترتيب عناصر المكوّن الثقافي، وقد يهز منظومته القيمية والمعرفية، ولكنه لن يحطم شخصية الجماعة البشرية إذا ما حافظت هذه الجماعة على حيويتها الإبداعية. بل على العكس فإن هذه الشخصية ستزداد قوة ونماءً، وهى تخوض تجربتها الصعبة. وعندما يحافظ أى مجتمع على مكوّنه الثقافى وشخصيته الحضارية يكون من السهل عليه معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى وإن وصلت هذه المشاكل إلى حد الخراب كما حصل مع أوربا واليابان فى أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من أن العولمة تضع الحصانة الذاتية للمجتمعات على المحك، وموضع اختبار صعب فإنه ليس هناك ما يستدعى الخوف (منها) سواءً على مستوى الثقافة، أو على مستوى المؤسسات العامة، ذلك أن الهويات القومية كيانات تتسم بالحركية غير أنها تتشبث برغبة طبيعية فى تأكيد نفسها، وترتبط عبر الإجماع الوطنى بالقيم الأساسية .

إن تحدى العولمة يطرح أمامنا بقوة سؤال المستقبل .. السؤال الذى مؤداه: كم نملك من الخيارات فى هذه المواجهة ؟

ومن يكون شاغله الثقافة وإشكالياتها وهمومها لا بد أن يقلقه هذا السؤال .. وفى هذا القلق علامة عافية فكرية، وشعور بالمسؤولية التاريخية.


 

سعد محمد رحيم

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1ـ الهوية والعولمة، الندوة الأكاديمية المغربية، مجموعة كتاب وباحثين، 1997. 1.

2ـ اغتيال العقل، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، برهان غليون، دار التنوير، بيروت.

 

 

 

إضافة تعليق

12 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.