النار.. آكلة الكتب

ترتبط معظم المحارق والمجازر التي ارتكبت ضد الكتاب بالحرب، ورغم أن فارق حرف يكمن بين لفظتي “حرق” و “حرب” إلا أن الحاصل بالتأكيد ليس فارق حرف، بل ثروة البشرية وكنوزها الثقافية وذاكرتها الحضارية. لقد التهمت المحارق التي أقيمت للكتب والمكتبات على مرّ التاريخ أعداداً لا تحصى من الكتب واللفائف ورقاع الجلد والآجر والطين التي كانت سبيل البشر الى تدوين حياتهم قبل أن يكتشفوا الكتابة والطباعة ومن ثم الكتب الورقية، هذه المفقودات أو المحترقات من الكتب لم يفلح المثل الشعبي في أن يمنع عنها النيران كما فعل مع المال، عندما قال عن الأموال الكثيرة “لا تأكلها النيران”، فالنار على ما يبدو تعرف جيداً ماذا تأكل وما الذي يوقدها ويذكي أوارها.
تدعو أخبار حرائق الكتب المنتشرة على جسد التاريخ المرء لأن يشفق على حال البشرية، ولأن يشك مطولاً في ادعاءاتها الكبرى لا بخصوص تحضرها ومدنيتها فقط وإنما بخصوص إنسانيتها التي يبدو أنها لم تكن بصحة جيدة على مر الزمان. وتبرز أخبار المحارق المتواترة، التي لم تتوقف للأسف عبر فصول التاريخ، أن التاريخ البشري شهد مطاردة مريعة، ودائمة ومستمرة، لنوعيات مختلفة من الكتب، يجمعها خيط ناظم هو أنها كانت مختلفة مع/ عن زمانها. ما يؤشر على أن الإنسان كان دائماً وعبر تاريخه يعاني من ضيق الأفق الفكري الذي سبب له بالتالي ضائقة إنسانية، لم يجد حلاً للتخلص من الألم الذي تسببه سوى النار.
إذن... لقد سيطرت النار على الجهاز العصبي للبشرية، ولم تبتلع في أحشائها تلك الكميات الكبرى من الكتب والمخطوطات واللفائف بل ابتلعت أيضاً كمية لا بأس بها من إنسانية الكائن البشري نفسه. وكانت في كل مرة تلتهم الكتب تصل إلى مكان أبعد في ذلك الهيكل العظمي الذي يدعى الإنسان.
تاريخ الحروب
ولكي لا أبدو من الذين يرتدون نظارة سوداء أسارع إلى القول إن بعض الحضارات عاشت مراحل من الهدنة والسلام. وربما اعترفت واحدة بالأخرى بهذا الشكل أو ذاك، لكنها فترات قليلة كانت كل حضارة خلالها تحاول أن تبني روحها أو تصنع هويتها. ثم سرعان ما تتضارب الهويات وتتخاصم المصالح فتبدأ الحرب. لم تكن حروب البشرية قليلة إطلاقاً، بل إن الإنصاف يمكن أن يوصل المرء إلى قناعة مفادها أن تاريخ الإنسان هو تاريخ الحروب. في تلك الحروب لم يكن الضحايا من البشر فقط بل من الكتب والمكتبات والمنجزات الفكرية والعلمية التي باحتراقها او ضياعها كانت تنهار حضارة لتسود أخرى. وما في ذلك أي غرابة، فالحرب ذلك الوحش الغريب الذي ما يزال قابعاً في اللاوعي الفردي والجمعي لا تنفتح، حين تنفتح، إلا على الجحيم... والجحيم يتسع لكل شيء.
أما الجزئية الخاصة بمحارق الكتب فهي لا تمثل فقط مخازي للبشرية في سيرتها بل هي أيضاً تجعيدة الحزن الكبرى التي بقيت ماثلة تحت أجفانها. وفي المطاف الأخير تأخذنا محارق الكتب إلى قصة مرعبة فيها من الدويّ ما يكفي ليملأ صفحات وصفحات من تاريخنا المجهول، ذلك المجهول الذي يبدو ساخناً، كما لو أنه آت من نيران ميثولوجية تقلب بين كفيها الزمن. ... باقي المقال

إضافة تعليق