الناشرون وهواجس المرحلة: الشعب يريد... أيّ كتاب؟

تباينت سياسات النشر هذا الموسم بين دور راهنت على الثورة مباشرة، ودور أخرى فضّلت التريّث حتى تنجلي المرحلة وتتضح الرؤية. أما البرنامج الثقافي، فيعكس تقاعس المنظّمين عن مواكبة «الربيع العربي» بمتغيراته وتحدياته. هنا بعض العناوين البارزة التي ستثير الاهتمام في معرض الكتاب

في هذا الوقت من كلّ عام، يقبل سائقو الأجرة في بيروت على سلوك الخط المؤدي إلى الـ«بيال». يعرفون جيداً زوّار «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب». وما إن تطلب من السائق التوجّه صوب المجمع الشهير، حتّى يسألك «إلى الداخل؟»، ما يعني أنّه يطالب بأجرة إضافيّة. مشوار المعرض تَجْربة مربحة بالنسبة إلى السائقين الحذقين، ينجو منها طلاب المدارس المحمّلون في باصات ضخمة، وبالطبع من يفضّلون المشي، أو من يملكون طاقةً كافيةً للبحث عن مكان يركنون فيه سياراتهم في المواقف الداخليّة المكتظّة. لكن... لا شيء يحبط عزيمة زوّار المعرض البيروتي، شرط أن «يكون الهدوء مستتباً»، بحسب فادي تميم، رئيس «النادي الثقافي العربي». الجهة المنظّمة للمعرض ـــ مع «نقابة اتحاد الناشرين في لبنان» ـــ لا تحصي أعداد الزوّار، ولا تحبّ لغة الأرقام، رغم الزحمة التي يشهدها المعرض مع اقتراب موسم الأعياد والهدايا، وتزامن افتتاح دورته الخامسة والخمسين اليوم مع «أوّل الشهر».

يصعب أن تجد في جعبة «النادي» إحصائية دقيقة وموثّقة لعدد الوافدين إلى المعرض كلّ عام، ولا عن فئاتهم العمريّة، ولا عن أمزجتهم وخياراتهم، وإن كان الانطباع السائد أنّ الكتب الأكثر مبيعاً هي كتب الطبخ والأبراج. «نحتاج إلى عدادات خاصّة لإحصاء كلّ من يدخل ويخرج، ولسنا بهذا الوارد، لكنّ عدد الزوار يبلغ الآلاف بكلّ تأكيد حين تكون الأوضاع هادئة»، يصرّ تميم. يكتفي النادي بإصدار إحصائية مقتضبة عن الكتب الأكثر مبيعاً، تقسّم إلى فئات: الدين والإسلاميات، والرواية، والأدب، والسياسة، وعلم الاجتماع... العام الماضي مثلاً، كان كتاب «الصراط المستقيم» (دار المشاريع) للشيخ عبد الله الهرري الأكثر مبيعاً في فئة الكتب الدينية، في حين احتلّت رواية سحر مندور «32» (الآداب) مقدّمة مبيعات الأعمال الروائية، وتصدّر «أين كنت في الحرب؟» (الريّس) لغسان شربل مبيع الكتب السياسيّة، وكتاب جورج قرم «تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب» (الفارابي) فئة «فكر وفلسفة وعلم نفس».

في المؤتمر الصحافي الذي خُصّص لإطلاق المعرض قبل أيام، وضع رئيس «النادي الثقافي العربي» فادي تميم الدورة الحاليّة في سياق «الثورات التي تعمُّ العالم العربي». ورأى أنّ تزامن المعرض مع «الربيع»، هو مناسبة ليستعيد «المثقفون العرب دورهم المأمول في التغيير الإيجابي الآتي». نظرة سريعة إلى مضمون البرنامج الثقافي المرادف للمعرض، تكشف بعض الخفّة أو العجلة في الإعداد لموضوع بهذا الحجم. مثلاً، نجد ندوة عن «النهضة اليابانية»، ولقاءً بعنوان «حلقة حوار ثقافي بين الشباب»(!)، وأمسيات شعريّة لم يسمع أحد بنصف المشاركين فيها على الأقلّ. في المقابل، قد نجد لقاءات تثير الفضول مثل اللقاء الذي تنظّمه «دار الجمل» حول الأعمال الشعريّة الكاملة لصاحب «نوبل» السويدي توماس ترانسترومر، يشارك فيها مترجمه إلى العربيّة قاسم حمادي، والصحافي والشاعر إسكندر حبش. ومن اللقاءات النادرة ذات الصلة بموضوع الساعة ندوة بعنوان «الربيع العربي من الاستبداد إلى الديموقراطية»، يشارك فيها عالم الاجتماع الطاهر لبيب، والكاتب كريم مروّة (برنامج المعرض ص 12).

بعيداً عن الطابع الكرنفالي الذي تتخذه بعض أجنحة المعرض، وخصوصاً تلك التي تحتلّها الوزارات اللبنانية، أو المخصصة لتمثيل الدول المشاركة... يبقى الهاجس الأبرز لزائر الـ«بيال» هو إقبال القرّاء على العناوين والأعمال التي سترضي نهمهم، وتغني مكتبتهم. ما هي الكتب التي سنجدها هذا العام في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»؟ سؤال أربك بعض دور النشر التي كان عليها أن تقوم بخيارات صعبة في زمن الثورات. التحوّلات الكبيرة فرضت على بعضهم إفراد حيّز كبير للكتاب السياسي، تماشياً مع روح اللحظة والمزاج المفترض للقارئ العربي... لكنّ آخرين تابعوا تنفيذ أجنداتهم السنويّة متحرّرين من ضغط الحدث. في الخلاصة، ستكون الكتب التي تحتلّ رفوف معرض الكتاب هذا العام أشبه ببانوراما مكثّفة وشاملة عن محاور النشر العربي الرئيسية، واهتماماته الراهنة.

دار «الآداب» مثلاً تمنح لجناحها هذا العام شعار «الانتفاضات العربيّة في قلب الآداب»، من دون أن تكون الثورات حاضرةً على نحو مباشر في منشوراتها. «اجتمعنا مع الأدباء الشباب ممن ينشرون لدى الدار ـــ تشرح رنا إدريس ـــ وناقشنا إمكان العمل على إنجاز مؤلّفات خاصة بالثورات، فوجدنا إجماعاً على ضرورة عدم افتعال كتابات لمجرّد مواكبة اللحظة، خصوصاً أن تيمة التحرر موجودة في خلفيّة معظم الأعمال التي نشرت خلال السنوات الماضية». ترى مديرة الدار أنّ تخصيص حيّز للثورة غير ضروري، خصوصاً أنّ معظم الأعمال الصادرة عن الدار محمّلة بهمّ سياسي، بوصفه فعلاً لا ينفصل أساساً عن الممارسة الأدبيّة والفكريّة. «لا يمكننا أن نجعل من الكتابة عن الربيع العربي مجرّد مهرجان أو همروجة، إن لم تكن الأعمال المكتوبة تتمتّع بحدٍّ أدنى من الرصانة والتجديد على صعيد الأسلوب والمضمون»، تصرّ الناشرة. هكذا، تعطي «الآداب» الحيّز الأكبر هذا العام لمشروعها الروائي الأوّل، وما يكتنفه من هموم سياسية واجتماعيّة وتاريخية ووجدانيّة. وتنشر جديد الياس خوري «سينالكول»، ورواية هدى بركات «ملكوت هذه الأرض»، وقراءة حنان الشيخ الحديثة لـ«ألف ليلة وليلة» في كتاب بعنوان «صاحبة الدار شهرزاد». وتحضر اللحظة العربيّة الراهنة في خلفيّة أعمال أخرى تصدر عن «الآداب» هي «امرأة تحدّق في الشمس» لنوال السعداوي، وفيه مواكبة لثورة «25 يناير» من خلال سلسلة مقالات ويوميات. كذلك تجمع الدار مقالات ياسين الحاج صالح عن التطوّرات في سوريا في كتاب بعنوان «السير على قدم واحدة». عموماً، يتقدّم الحدث السوري على ما عداه في قائمة المنشورات المرتقبة، سواء في الروايات أو الكتب السياسيّة، أو الأبحاث. «دار الريّس»، مثلاً، تطرح ترجمات لأبحاث عن النظام السياسي في الشام، منها «التسلطيّة في سورية ـــــ صراع المجتمع والدولة» للباحث الأميركي ستيفن هايدمن، وآخر بعنوان «سورية ـــ ثورة من فوق» لرايموند هينبوش... بحسب مدير النشر في الدار محمد الجعيط «فإنّ هذه الخيارات لم تكن مفتعلة، بل مبرمجة ضمن أجندة العام».

كذلك تأخذ مراجعات الذاكرة والتاريخ السوريين مساحةً واسعة في الروايات الصادرة بتوقيعات سوريّة، أبرزها رواية «ديناميت» (دار المدى) للزميل زياد عبد الله التي تروي لاذقيّة الثمانينيات، و«عصيّ الدمّ» (الآداب) للروائية منهل السرّاج، عن «ذاكرة حماة المحرّمة». كذلك تصدر «دار الساقي» كتاب «البعث السوري ــــــ تاريخ موجز» لحازم صاغيّة.

في أروقة الدار ساد التردُّد عند طرح سؤال «ماذا ننشر عن الثورة؟». تخبرنا مديرة التحرير في «الساقي» رانيا المعلم عن رفض لجنة القراءة لمخطوطات عدة «لم تكن على المستوى المطلوب». «لا أعرف إن كان الأوان قد حان فعلاً لكتابة شيء رصين عن المرحلة، خصوصاً أنّ الناس ما زالوا يعيشون اللحظة على الفضائيات، ولم يهضموا بعد حقيقة ما يحصل. الناس لا يزالون في الشارع، ونحن كدار لم يعرض علينا أي مخطوط جدّي، يحلّل ويراقب». هكذا، اكتفت الدار بكتاب الزميلة غدي فرنسيس (1989) «قلمي وألمي: مئة يوم في سوريا» وفيه تجمع ما نشرته خلال تغطيتها للأحداث في سوريا، بين صحيفتي «السفير» و«الأخبار». قد تكون تجربة فرنسيس عيّنة من نوع جديد من الكتابة الصحافيّة فرضتها الثورات الشبابيّة، وكانت «الساقي» سبّاقة إلى التقاط فرادتها. تخبرنا غدي: «بعد سقوط زين العابدين بن علي، بدأت أشعر أنني صحافيّة». جملة قد يتشاركها عدد كبير من الصحافيين الشباب الذين حوّلوا صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدويناتهم، وتحقيقاتهم، إلى مكان لسرد آنيّ للحظة نقلتهم من موقع المتفرّج على الحدث، إلى موقع الفاعل والمؤثّر فيه. وإلى جانب فرنسيس، يحتلّ الشباب مساحة مهمّة على جدول «الساقي»، مع باكورة سحر المقّدم (1991) بعنوان «أنا وكريم والسوشي». كذلك تصدر «الساقي» أيضاً، أعمالاً للمكرّسين، في مقدّمتهم الشاعر عباس بيضون مع روايته «ألبوم الخسارة»، والناقدة خالدة سعيد في كتابها «يوتوبيا المدينة المثقّفة»، إضافةً إلى النسخة العربيّة من كتاب الإعلامي عبد الباري عطوان، رئيس تحرير «القدس»، بعنوان مستعار من شعر محمود درويش «وطن من كلمات ــــ رحلة فلسطينية من مخيم اللاجئين إلى الصفحة الأولى».

من جهتها، لم توفّر «الدار العربية للعلوم ـــ ناشرون» كتاباً عن الثورة إلا نشرته تحت شعار «الشعب يريد الكتاب». في جعبتها عناوين بالجملة، منها «ساحات 2011» للباحث المصري محمود أبو طالب، و«يوميات الثورة المصريّة يناير 2011» لمجموعة مشاركين، يصدر بالتعاون مع «مركز الجزيرة للدراسات». كذلك تخصص حيّزاً كبيراً للرواية، خصوصاً مع دخول رواية «دمية النار» لبشير مفتي القائمة الطويلة لجائزة «بوكر» العربيّة (بالاشتراك مع «الاختلاف»، يوقّعها في بيروت مساء اليوم). إضافةً إلى جديد الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله «قناديل ملك الجليل». بحسب مدير الدار بشار شبارو، فإنّ القاعدة الأمثل هي «الحفاظ على تنوّع كبير في مروحة الكتب المنشورة، من شعر، إلى سياسة، ورواية، وحتى وجدانيات».

صاحب «دار الجمل» خالد المعالي لم يهتمّ بكتب تواكب «أحداث الساعة»، أو تنقل ما هو «وقتيّ وعابر». يبقى المعيار الوحيد عند الناشر العراقي الاتكال على حدسه كقارئ. إلى جانب كتب التراث، والتصوّف، يلجأ الناشر إلى الترجمة بكثافة. سنجد في جناح الجمل مثلاً طبعة جديدة للأعمال الكاملة لصاحب «نوبل» توماس ترانسترومر، وترجمة من التركيّة لرواية الكاتبة والصحافيّة أجة تمل قوران «أصوات الموز» التي يدور جزء أساسي من أحداثها حول لبنان (تعريب عبد القادر عبد اللي)، وترجمة لبحث قيّم أعدّه الشاعر والباحث العراقي كاظم جهاد بالفرنسيّة، عن ترجمة الشعر عند العرب، بعنوان «حصّة الغريب». يرى خالد المعالي أنّ «التأليف الجيّد في العربية، شعراً ونثراً، قليل، لهذا نلجأ إلى الترجمة، لكونها محاولة لإشغال النفس بما هو أقرب إلى التأليف، وإلى فنّ النصّ المقنع». يبدو المعالي غير مقتنع بمعظم ما يصله من كتابات عن الانتفاضات العربيّة، فـ«معظم الكتّاب يبدون كمن تنبّأ بالثورة بعد حدوثها».

في الخلاصة، بين آلاف العناوين التي ستزدحم بها أجنحة «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، هناك عدد محدود من المؤلفات الجادة التي تضيف إلى المكتبة العربيّة، وترضي القارئ المتطلّب، أدبياً ومعرفيّاً وفكريّاً وسياسيّاً… رغم ذلك سيشهد المعرض كرنفالاً ضخماً، تدعمه حفلات توقيع بالجملة. بين السلعة الموسميّة والمرجع المشرّع على العالم، هناك دائماً خطوة صغيرة لا يتردد المعرض البيروتي في اجتيازها.

 

السياسة، على الطريقة اللبنانيّة، لها أيضاً مكانها في معرض الكتاب. على لائحة الإصدارات مثلاً، كتاب بعنوان «انتفاضة الاستقلال 05 ــــ مخيّم ساحة الحريّة» (دار الساقي) يوقّعه طانيوس جريس شهوان، ويقدّم له النائب فريد الخازن، يضع «حركة 14 آذار» في سياق التحوّلات الكبرى التي شهدها التاريخ العربيّ، قبل ثورات 2011. أما الوزير السابق محسن دلول، فيصدر كتاباً بعنوان «العرب إلى أين؟» عن «الدار العربيّة للعلوم ـــ ناشرون» التي تخصص أيضاً حفلة توقيع ضخمة لكتاب وزير الأشغال العامّة النقل غازي العريضي «فلسطين حقّ لن يموت».

 

 ج

ريدة الأخبار

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.