الناشر والمؤلف صانعا أزمة الكتاب العربي

برز اسم الدكتور خالد عزب، مدير إدارة الإعلام والمشاريع في مكتبة الإسكندرية، في أهم البحوث التي تتناول الحضارة الإسلامية على تنوعها، إذ عمل على رصد العديد من جوانبها، كما اشتغل مفتشاً ومنقباً عن الآثار، في أكثر من موقع من المواقع الأثرية المصرية، قبل أن يستقر في عمله بضمن مكتبة الإسكندرية ويشرف على العديد من المشروعات التي تتناول أكثر من جانب من الحضارة الإسلامية.
ويحرص عزب، عبر مسيرته، على تقديم الجديد من الإصدارات، بين فترة وأخرى، ليضيء من خلال أبحاثه، مرحلة تاريخية مهمة، بما تركه للحضارة الإنسانية من عمارة وفنون، وآخر هذه الإصدارات كتاب "فقه العمران.. الدولة والمجتمع والعمارة في حضارة المسلمين"، وفيه تناول العديد من القضايا والتشريعات الخاصة بالعمارة الإسلامية.
إذ يكشف عنها في حديثه لـ "بيان الكتب"، مستعرضاً في الحوار، طبيعة مشروعاته المستقبلية، سواء على صعيد العمل في مكتبة الإسكندرية، أو في شأن الأبحاث الخاصة، ومؤكداً، في الوقت نفسه، أن الناشر والمؤلف، هما سبب وصانعا أزمة الكاتب العربي.
ما الذي تقصده من استخدامك لمصطلح "فقه" في عنوان كتابك الذي صدر أخيراً؟
هناك خلط كبير جداً، ما بين الناس الذين يدرسون العمارة الإسلامية، ويرجعون إلى كتب السياسة الشرعية في فهم العمارة الإسلامية، والتي تذكر بالتزامات وشروط وأحكام عامة في تخطيط المدن، أكثر منها الكتب التي تتناول العلاقة بين المجتمع والعمارة والاحتكاك المستمر الذي يحكم بينهم. ففقه العمران يجمع ما بين رؤية علماء السياسة الشرعية للعمران، ورؤية الفقهاء الذين كانوا، في الوقت نفسه، القضاة والمشرعين.
كذلك الحركة العمرانية في المجتمعات والتطبيقات العمرانية التي حصلت في المجتمعات الإسلامية في العصور المختلفة، إذ تشكل في النهاية فقه العمران. وفقه العمران ليس فقه عمران المساجد، بل هو الإطار العام الحاكم، والقوانين التفصيلية، فقه عمارة المساجد وفقه عمارة الأسواق والمنشآت التجارية.
تفرعات وشمولية
هل يمكن أن نطلق على تلك الجوانب التي ذكرتها، أنها تشريعات؟
لا. هي خليط ما بين التشريع والواقع، والتفاعل المجتمعي والعمارة والمهندسين.
ما أهم المراجع التي اعتمدت عليها في كتابك "فقه العمران"؟
اعتمدت بصورة أساسية على: "بناء الصنائع" للكاسني، "الإعلام بأحكام البنيان" لابن رامي، "إنباط المياه الخفية في كتب في الهندسة الحسية والعقلية". ونوعية من الكتب تتعلق بالتاريخ في مجال وقفيات وحجج شرعية في سجلات محاكم شرعية، وغيرها من المراجع والمصادر المتنوعة، فضلاً عما تبقى من طرز معمارية على أرض الواقع.
كم من الزمن استغرق عملك على الكتاب؟
إنه مشروع ضخم، بدأ منذ سنوات، واستهل بسؤال أساسي، وجوهره أنه عندما ندخل كلية الآثار بالقاهرة، ونحن قادمون من الريف ومتدينين بطبعنا، يبقى لدينا تساؤل ملح حول دراسة الآثار المصرية القديمة. وهذا التساؤل، هناك مجموعة اعتبارات تترتب عليه، خاصة بعد أن ترك زملاؤنا الكلية، وذهبوا إلى كليات أخرى. ثم شرع يثار تساؤل: هل دراسة الآثار حلال أم حرام؟
وطغت، بعدها، محاولات للبحث عن إجابات سؤال: لماذا لا نكتب علم الآثار بمنظور عربي إسلامي أكثر منه كنمط غربي؟ ولا شك أن الحقيقة هنا، أن السبب هو كون علم الآثار نشأ أصلاً في الغرب، ولم ينشأ عندنا.
بحكم عملك لفترة من الزمن في مجال الآثار والتنقيب. هل لديك نية لتوثيق بعض تفاصيل ونتائج هذه التجربة في كتاب خاص؟
آخر عمل أنجزته في حقل حفر الآثار، هو في سور القاهرة الشرقي..وبعدها توقفت عن الحفر الأثري، عندما ذهبت للعمل في مكتبة الإسكندرية. واشتغلت في النقوش والكتابات والخطوط.. ونحن نؤسس، حالياً، مركزاً للحضارة الإسلامية في مكتبة الإسكندرية. وفي خصوص الجديد المقبل، لدينا أنماط من العمارة التي تمتد من الخليج وصولاً إلى المغرب.
وهو ما يعرف بنمط عمارة الصحراء المتشابهة جداً، ذلك من أول واحة: مدينة "ودان" الموجودة في موريتانيا، إلى غاية حدود الواحات الموجودة في الجزيرة العربية، وإلى مدينة القصر الموجودة في الصحراء المصرية. عموماً، إن أنماط مدن الصحراء متناسقة ومترابطة، في مساحة شاسعة من الأرض.
برنامج علمي حافل
أنستطيع القول إن هذا هو المشروع المقبل لمكتبة الإسكندرية؟
المكتبة انتهت من مشروع مركز الحضارة الإسلامية، ومن مشروع توثيق عمارة الجامع الأزهر. ونبدأ، حالياً، في مشروع لتوثيق المزارات الإسلامية في مصر. ثم سنعمل على برنامج مهني لدراسة مشروع عمارة الصحراء، فهي عدة مشاريع في مشروع واحد.
ما أهمية إصدار كتب بحثية وتقديمها في كتاب بشكل موثوق؟
بداية لدينا في المنطقة العربية عدة إشكاليات، أولها عدم وجود مدير للنشر في دور النشر، يستطيع أن يتواصل مع المؤلف كي يحسن من الكتاب ويخرجه بصورة جيدة. وثاني إشكالية، هي إخراج الكتاب للجمهور. وثالثاً: تسويق الكتاب. ثم: إشكالية المؤلف، فالمؤلف بالمنطقة العربية، إما أن يأخذ من أفكار كتب أجنبية، أو يصدر كتاباً ليدرس للطلبة في الجامعة.
لكنه لا يهتم في إخراج كتاب للقارئ المعني في الكتاب بصورة أساسية. فإن وجد الكتاب مخرجاً جيداً وبمقدوره أن يغطي مساحة في موضوعات محددة يهتم بها القارئ، سيجد من يشتريه. أما فكرة أن هناك أزمة في الكتاب العربي، فالواقع أنها ليست أزمة في الكتاب العربي، ولا في تسويق الكتاب، بل في دور النشر والمؤلفين.
ماذا عن مشروعاتك المقبلة؟
أنهي، حالياً، كتاباً مرجعياً عن عمارة الجامع الأزهر، مكون من مجلدين، استغرق العمل عليه، خمس سنوات. واشترك معي فيه، حوالي 13 شخصاً. وسيصدر قريباً برعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وسيعقبه مشروع كتاب عن علم الآثار.
إضاءة
الدكتور خالد عزب. باحث وكاتب مصري. حاصل على الدكتوراه من كلية الآثار - جامعة القاهرة 2002، عن أطروحة "التحولات السياسية وأثرها في العمارة بمدينة القاهرة منذ العصر الأيوبي حتى عصر الخديوي إسماعيل". عضو في عدد من الجمعيات والاتحادات، منها: "إحياء التراث العلمي للحضارة الإسلامية"، "اتحاد كتاب مصر"، "اتحاد الأثريين العرب".
عمل في مسؤوليات مواقع مختلفة، منها: مفتش للآثار الإسلامية في منطقة آثار جنوب القاهرة.
يرأس تحرير مجلة "المشكاة".
العلاقة بين العمارة والمجتمع
يعد كتاب "فقه العمران - العمارة والمجتمع والدولة في الحضارة الإسلامية"، لمؤلفه الدكتور خالد عزب، دراسة شاملة للعلاقة بين العمارة الإسلامية والمجتمع، والذي صاغ البيئة العمرانية والأنماط المعمارية، والدولة التي يحدد المؤلف حدود سلطتها في المجال العمراني.
يتألف الكتاب من ثمانية فصول وملحق لمصطلحات فقه العمران، الفصل الأول خصصه المؤلف لموضوع فقه العمران، ويرى فيه انه ارتبط بإطارين حاكمين له من الناحية الفكرية، الأول السياسة الشرعية التي يتبعها الحاكم في المجال العمراني، والثاني فقه العمارة، وتعني مجموعة القواعد التي ترتبت على حركية العمران نتيجة للاحتكاك بين الأفراد ورغبتهم في العمارة وما ينتج عن ذلك من تساؤلات، يجيب عنها فقهاء المسلمين.
الفقه والتخطيط العمراني
وفي الفصل الثاني، يتناول عزب دور الفقه في التنظيم والتخطيط العمراني للمدن، مقسماً الشوارع وأحكامها إلى ثلاثة مستويات، وهي الطرق العامة: هذا الطريق مباح لجميع الناس استخدامه. والطريق العام الخاص: وهو أقل درجة من الطريق العام. والطريق الخاص: وهو ملك لساكنيه فقط.
ويوضح المؤلف أن هناك العديد من المصطلحات التي ظهرت في سجلات المحاكم الشرعية والمصادر الفقهية، مثل حفظ حق الطريق وحقوق الجوار، والحوائط المشتركة والركوب وغيرها.
وفي الفصل الثالث يستعرض عزب فقه عمارة المساجد، بدءاً من عمارة المسجد النبوي في المدينة المنورة. ويتطرق إلى بيت الصلاة في المسجد، الذي يأخذ عدة مسميات، مستعرضاً مهارات المعماريين المسلمين في ذلك.
"المنشآت المائية"
ويخصص المؤلف، الفصل الرابع في كتابه، لفقه الأسواق والمنشآت التجارية في الحضارة الإسلامية، ويرى المؤلف أن هناك اعتبارات عديدة في تخطيط أسواق المدن، بتطبيق القواعد الفقهية، مستعرضاً العديد من المنشآت التجارية، كالحوانيت و"القياسر" والوكالات و"السماسر" والفنادق.
ويبدأ المؤلف في الفصل الخامس، المعنون "فقه عمارة المساكن"، بتفصيل رؤية الإسلام لعمارة المساكن فيما ذكره ابن القيم الجوزية عن هدى الرسول محمد (ص)، في عمارة مسكنه. ويؤكد هذه الفلسفة قول ابن عربي عن المساكن، الذي يقول: "إن الله سبحانه وتعالى خصص الناس بالمنازل، وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم بها على الانفراد...".
وفي الفصل السادس يواصل المؤلف بحثه في فقه المياه والمنشآت المائية في الحضارة الإسلامية، إذ تعتمد الرؤية الإسلامية للماء على كونه أصل الحياة وهبة من الله سبحانه وتعالى، إذ تطورت قوانين المياه في التشريع الإسلامي حتى أصبحنا نردد مصطلحات خاصة بها، مثل: "حق جريان المياه"، "حق الشرب".. وغيرها الكثير. ويستعرض المؤلف المنشآت المائية وأحكامها وعمارتها، كالسدود. كما يوضح طبيعة عمارة الحمامات في الحضارة الإسلامية.
أصول الرسم
يفرد الدكتور خالد عزب، الفصل السابع في كتابه، للربط بين المجتمع والأوقاف والعمارة، حيث إن العديد من الوظائف، ومنها الرعاية الاجتماعية والصحية، إذ كانت تقوم بها المجتمعات الإسلامية.
وأخيراً يبين الفصل الثامن، محصلة الإبداع المعماري في الحضارة الإسلامية، ويتعرض فيه المؤلف للهندسة المعمارية، ولابتكارات المسلمين في هذا المجال، وظهور علوم جديدة كعلم عقود الأبنية، وهو علم يتناول أوضاع الأبنية وكيفية شق الأنهار وتنقية القنوات وترميم المساكن.. وعلم استنباط المياه الكامنة في الأرض. كما يعرف المؤلف بطائفة المعماريين ودورهم الحضاري، ويكشف عن أصول الرسم المعماري ونماذجه لدى المسلمين، واستعانة القضاة بالمهندسين، كخبراء في مجال قضايا العمارة.

إضافة تعليق