الناقد وليد القصّاب: نقدنا الحالي مستورد من الفكر الغربي

يزور دمشق حالياً الدكتور وليد القصّاب، أستاذ الدراسات الأدبية والنقدية والبلاغية في دول الخليج العربي، الذي كنت

  منذ سنوات أتابع معظم كتاباته النقدية والشعرية والقصصية بشغف، لرصانتها وسلاستها، وكذلك تحقيقاته الأمينة لكتب تراثية، صدرت ضمن منشورات وزارة الثقافة السورية، قبل أن ألتقي به، مع التذكير أن الدكتور وليد بن ابراهيم القصاب، من خريجي كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة دمشق، وقد حاز على شهادة (الدكتوراه) في النقد من جامعة القاهرة، بتقدير(امتياز) مع مرتبة الشرف الأولى، عن أطروحته (التراث البلاغي والنقدي للمعتزلة عام 1976).‏

وفيما يلي هذا الحوار الذي أجريته معه:‏

- لماذا التنوع في انتاجك الأدبي؟.‏

-- لايعيش الأدب في أي حقبة بمعزل عن تاريخه وفاعليته في الحقب الماضية، كما أنه لايمكن درسه وفهمه بعمق من دون وضعه في ظرفه الزمني الذي هو فيه، ولذلك كانت دراساتي- وإن بدت لك متنوعة- تدور كلها حول الأدب العربي ونقده وقضاياه في القديم والحديث، وذلك بما لهذا الأدب من امتداد في القديم، وتفاعل مع العصر الذي يعيش فيه، وتؤثر فيه تياراته ومذاهبه الغربية المختلفة.‏ ولأني أمارس الأدب إبداعاً منذ صغري قبل أن أمارسه دراسة وتنظيراً عندما تخصصت فيه، حاولت ما أمكن أن أجمع بين جانبي الإبداع والدراسة، وأن أحافظ عليهما، فقد كنت ومازلت أخشى أن يطغى أحدهما على الآخر: أن يطغى الإبداع فتضعف أدواتي المعرفية في مجال تخصصي وعملي المهني، أو أن يطغى التنظير والدراسة فتخبو عندي شعلة الإبداع، لتتلاشى عندئذ هوايتي وقدرتي على تحقيق ذاتي، والتعبير- من خلال النص الإبداعي- عن همومي وشجوني.‏

- ما رأيك بحركة النقد العربي حالياً وهل هناك من يتابع مسيرة النقاد الكبار أمثال: إحسان عباس،

 الناقد وليد القصّاب: نقدنا الحالي مستورد من الفكر الغربي

والعقاد،. ومندور؟!.‏

-- راهن النقد العربي مأزوم، ومن التجوز في التعبير أن نتحدث عن نقد أدبي عربي حديث كما كنا نتحدث عن نقد عربي قديم، ذلك أن هذا النقد الحديث هو صورة- وفي أحيان كثيرة- صورة مشوهة أو محرفة عن النقد الغربي، وهو يجسد أزمة التبعية للآخر ما أصبح- للأسف الشديد- سمة من سمات الحياة العربية المعاصرة في جميع المجالات.‏ كان يفترض في الأدب- بل في الفكر عامة- أن يلعب دوراً رئيساً في بلورة قيمنا العربية وفي ترسيخ دورنا المعرفي في الحضارة الإنسانية، وفي فك طوق الحصار والاستلاب الذي يحيط بنا في كل نشاط من أنشطتنا، حتى كدنا- إن لم نصبح فعلاً- أمة لا لون لها، ولا وجه، ولاتاريخ، فالكاتب رائد لايكذب أهله.‏ ولكن- للأسف الشديد- مضت الأغلبية العظمى من أدبائنا ونقادنا ومفكرينا في احتذاء النموذج الغربي وتقليده، لا في الاستفادة منه، أو التناص والتفاعل معه.‏ ولذلك لم نستطع حتى الآن أن نبلور نظرية عربية في النقد الأدبي، نقدنا الذي نمارسه مستورد، مطبوخ في مطابخ الفكر الغربي، يستورد بآفاته و«بلاويه» ويطبق على أدبنا العربي الذي هو نتاج ثقافة مختلفة عن تلك الثقافة التي أنتجت الأدب الغربي ونقده.‏

لقد كان النقاد الذين ذكرتهم من أمثال محمد مندور، وإحسان عباس، والعقاد، والرافعي وغيرهم من تلك الطبقة، أكثر أصالة من نقادنا المعاصرين اليوم، لقد اطلع أولئك على الفكر الغربي، ولكنهم حاولوا- بدرجات متفاوتة- الاستفادة منه، بغربلته، أو محاولة «تعزيبه» إن صح التعبير، وأما مايفعله النقاد اليوم لهو الأخذ والتقليد، هوالسلخ والنسخ: لغة، ومصطلحات ومفاهيم ومشكلات، ولذلك فأنت تقرأ اليوم نقداً مكتوباً بأحرف عربية، ولكنه غريب هجين، بعيد عن الإفهام والتأثير..‏ ولاشك أن هنالك استثناءات قليلة من هذه القاعدة، تتمثل في جهود طائفة من النقاد من أمثال شكري فيصل، ومحي الدين صبحي، ونعيم اليافي، وعبد العزيز حمودة وغير هؤلاء ممن لم يسلط عليهم الإعلام، ممن لم يقفوا موقف الانبهار والاستلاب أمام هذا النقد الغربي الحديث المليء بالمتناقضات والآفات، والذي يهدم بعضه بعضاً، وتلعن فيه كل أمة الأمة التي سبقتها حتى صارالهدم شعار الفكر الغربي الحداثي بشكل عام.‏

- ما قصتك مع الشعر؟.‏

-- حكايتي مع الشعر أني عشقته منذ الصغر، فقد كنت استمع إليه من والدي الذي كان يحفظ كثيراً منه وينشده أمامنا، ثم ازداد حبي له من خلال النصوص التي كانت مقررة علينا في الكتب الدراسية، ثم تحول هذا الحب إلى عشق، فقد كانت نصوص الفحول الذين نقرأ لهم كالمتنبي، وأبي تمام، وجميل، وكثير عزة، وعمر بن أبي ربيعة، ثم شوقي، وحافظ، والأخطل، وأبي ريشة، ونزار، وغيرهم، نصوصاً معبرة مؤثرة.‏ وقد حفظت أوزان الشعر وأتقنتها منذ المرحلة الثانوية، ثم بدأت من تلك المرحلة أنظم بعض القصائد، وقد اشتركت وأنا في الثالث الثانوي في مسابقة شعرية أعلنت عنها هيئة الإذاعة البريطانية بقصيدة عن «الذرة» وكنا سنتها ندرس موضوعها في مادة الكيمياء، وقد فازت هذه القصيدة بالمركز الخامس أو السادس ثم نمت تجربتي وتعمقت في قراءة الشعر العربي، ولكني- في الوقت نفسه- كنت مشدوداً إلى القصة، ونشرت أول قصة قصيرة لي في مجلة الثقافة الدمشقية عام (1966) ثم صدر لي عن وزارة الثقافة عام (1971) أول مجموعة قصصية بعنوان «هدية العيد».‏ وظللت-كما قلت لك- محاولاً الإمساك بعصا الإبداع- وعصا الدرس والتأليف الأكاديمي، و قد أتيح لي أن أصدر حتى الآن ثماني مجموعات شعرية وخمس مجموعات قصصية، فالشعر والقصة هاجسي الإبداعي، أجد فيهما ذاتي، وواحتي الظليلة من عناء الأكاديمية و روتينتها وهما وسيلتي في البوح والشجن، وتقديم رؤيتي عن الكون والأشياء.‏

- ما أثر المسابقات الأدبية في تنشيط الحياة الثقافية العربية؟.‏

-- لهذه المسابقات الأدبية والثقافية التي تتبناها بعض الجهات، سواء أكانت رسمية أم أهلية، وسواء أتبنتها مؤسسات أم أفراد دور فعال في تنشيط الحركة الثقافية، وفي تشجيع الأدباء والمفكرين، وإذكاء روح المنافسة بينهم، كما أنها وسيلة لإبراز مواهب كثيرة لم يتح لها حظ الظهور، والتقدم إلى الناس.‏ ولكن هذه المسابقات تقع أحياناً في مجموعة من المآخذ التي تسيء إليها، كأن تسقط في شرك إقليمي ضيق، أو تخضع لتوجهات إيديولوجية معينة، فيكون الفكر على حساب الفن، والرؤية على حساب الأداة، ومن ذلك عدم أهلية بعض النقاد في بعض المسابقات، أو فرض شروط ضيقة على العمل الأدبي ينحبس في إسارها.‏ ولكن هذه المسابقات- ولاسيما إن خلت من هذه السلبيات، وارتدت ثوب الشفافية والنزاهة- ذات وجوه إيجابية لاحصر لها.‏

- الحداثة..كيف تنظر إليها؟.‏

-- الكلام عن الحداثة يطول ويعتمد الرأي فيها على تحديد مفهومك لها، ذلك أن أغلب الخلافات- وما أكثرها- حول الحداثة تعود إلى انطلاق كل واحد من مفهوم خاص لها.‏ وإذا كانت الحداثة- كما تقدم إلينا على أيدي أبرز روادها عندنا- تعني الانقطاع المعرفي عن الماضي، والخروج على جميع ماسلف، وانتباذ كل موروث، والنظر إلى كل ماضِ نظرة احتقار، فهذه عندي حداثة مرفوضة، وهي هدم وليست تجديداً ولا إبداعاً..‏ وإذا كانت الحداثة- كما يقدمها بعضهم كذلك- تفتقد بفكرة الزمن الصاعد التي أشار إليها (كالنسكو) أي إن التطور يمضي دائماً نحو الأحسن، ومن ثم فإن كل حديث هو أفضل من كل قديم، وإذا كانت الحداثة تعني تأليه الإنسان، وجعله مصدراً للتشريع، فهذه حداثة مرفوضة عقلاً وواقعاً.‏ وإذا كانت الحداثة في الأدب تعني الغموض الذي يقطع النص عن المتلقي، وعزل الأدب عن مرجعيته التاريخية والاجتماعية، والنظر إلى النص الأدبي على أنه مجرد مغامرة لفظية، لا يحمل رسالة ولاوظيفة له، ولايقينية لدلالته، ولايقدم معنى يعتد به بل المعنى في النص دائماً مرجأ مشتت مبعثر وقراءاته وتفسيره وتأويله غير نهائي، وما شاكل ذلك من أفكار وآراء خطيرة أشاعها بعض الأدباء والنقاد الحداثيين، إذا كانت الحداثة هكذا فأنا ضدها، وعن مثلها- لاعن كل حداثة- كتبت ثلاثة كتب.‏

وأما الحداثة التي تعني التجديد الواعي الأصيل الذي لايتنكر للثوابت والقيم الأصيلة التي تمثل هويتنا فأنا معها بقوة، ونحن من أحوج شعوب الأرض إلى مثل هذه الحداثة الأصيلة الراشدة.‏


جريدة الثورة
الإثنين 7-9-2009م
حاوره: هاني الخير

إضافة تعليق

2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.