النشر الإلكتروني ومستقبل الكتاب الورقي

مقدمة
لقد غيَّرت الثورة المعلوماتية والإلكترونية في القرن الحالي الحياة، وكان لا بُدَّ من أنْ يتغيِّر معها معالم الكتاب نشراً، ونوعاً، وأداةً. وحين نتحدث عن الكتاب وعلاقته بالإلكترون وعصر الاتّصالات والمعلومات، نكون معنيين بواقع له علاقة بالمجتمع والتطوّر والجيل. لذا على الرغم من الولع الحالي بالطباعة الإلكترونية وأداة نشر الكتاب التي هي الآن بين أيادي الأجيال الشابة، إلا أنَّ واقعه ووضعيته مازالت عسيرة الفهم المعرفي لدى العديد من مقتنيه. فالناشر ينظر للموضوع من ناحية اقتصادية بحتة لها علاقة بالتكاليف، من الورق ونهاية إلى الشحن والتخزين، في حين أنَّ القارئ يبحث عن الأداة البسيطة التي يمكن من خلالها تسهيل عملية حمل الكتاب، والحفاظ عليه، وحتى نقله على هيئة مكتبة متنقلة بحجم كفّ اليد. ونحن في هذا المضمار لا نقصد الناشر الورقي فحسب بل الإلكتروني أيضاً.
إنّ الجيل الذي يؤمن بالمطبوعات الورقية، يعيش صراعاً ما بين فقدان هذه المطبوعات واستبدالها بالإلكترونية وضياع فرصة العمل والسوق أو البحث عن سوق جديدة، وما بين الانخراط بالواقع الإنتاجي الجديد. هذا الصراع الذي بدأ منذ عام 2001م، مازال قائماً ومتطوّراً مع وضوح الرؤيا ووجود وسيط أرشيفي لكلا المنطلقين.
فلكُلٍّ من النشر الإلكتروني والنشر الورقي إيجابياته وسلبياته، وبعضها متداخل والبعض الآخر متفاوت، إلا أنَّ السوق لكلاهما يختلف بعضه عن بعض. فمما لا شك فيه أنَّ التطوّر التقني وأجهزة القراءة التي تعمل بحرية وفعالية، والإنترنت والأجهزة الهاتفية النقالة وغيرها، أدت إلى زيادة تسويق النشر الإلكتروني للكتاب على حساب النشر الورقي، ناهيك بولوج علمٍ كومبيوتري اتّصالي جديد لم يبدأ من حيث انتهى الإنتاج الورقي، بل حاول الرجوع إلى ما قبل عصر المعلوماتية ليطوِّر ما كان ورقياً ويستدرجه إلكترونياً.
في هذا البحث سنحاول إلقاء نظرة سريعة على الطباعة الورقية وكيفية تسويقها ومواكبتها للإلكترونيات، كما سنحاول من خلالها، معرفة كيفية معالجة معوقات الطباعة الورقية إلكترونياً، وصولاً إلى علاقتها بالنشر الإلكتروني. وعليه، فالمعوقات والتحديات والإيجابيات والسلبيات، واقعاً ومستقبلاً لكلا النوعين، سوف نعالجها ونحللها بطريقة توضح اقتصادياتها، لتحديد مستقبل الطباعة الورقية من الناحية العملية والاقتصادية.
تاريخ الكتاب والكتابة في الغابرين
اتّفق المولعون بالحضارة والفكر والتطوّر وتاريخ الأمم على أنَّ الكتابة وتطوّرها هي عنصر من العناصر الأساسية التي بنيت عليها الحضارات، إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم على متى وأين وأي الأمم والحضارات ابتدأت الكتابة. ومهما يكن الاختلاف بين هؤلاء يبدو من البحث الأركولوجي والحفريات الحديثة أنَّ السومريين أول ما ابتدأ الكتابة وتطويرها واستعمالها أداةً للتواصل بين أبناء الأمة والأمم الأخرى. ولعل ما يؤكد ذلك هو مقتنيات الآثار في متاحف لندن وباريس وغيرها مقارنة بالمقتنيات الأخرى لحضارات واكبتها أو جاءت بعدها1. فعلى الرغم من ظهور فرضية جديدة عام 1961م تنص على أنَّ السومريين قد تعلموا الكتابة من شعب كان يسكن على ضفاف الدانوب نتيجة العثور على حفريات طينية في تارتاريا برومانيا، إلا أنَّ الكم الهائل من الشواهد المرتبطة بالسومريين قد دحضت هذه الوقائع المنفردة التي أرادت أنْ تجعل من أوروبا هي الأولى في كل شيء2.
هناك المئات من الشواهد الطينية تمّ العثور عليها منسوبة إلى العصر السومري ظهرت فيها الكتابة التصويرية التي طوّرها السومريون لتكون حرفية3. ومعظم هذه الشواهد اكتشفت في أورك، المتحوّر اسمها حديثاً إلى أور ووردت في الكتاب المقدس بـ: "أرك" والمعروفة الآن بالناصرية (العراق) أو ذي قار في منتصف الألفية الرابعة قبل الميلاد. كما تشير الحفريات إلى أنَّ الكتابة السومرية ومع تطوّرها من صورية إلى إشارية تم استعمالها من قبل الحضارات الأخرى التي تعاقبت بعد السومرية، كالآشورية والبابلية، ومعظمها كان يستخدم للأغراض العملية التي تتعلق بالإدارة والتجارة وتسيير أمور الدولة4.
كما قلنا مسبقاً إنَّ تطوّر الكتابة عند السومريين من التصويرية إلى الصوتية ومن ثم إلى الإشارية عزّز تطوّر الثقافة حتى ولو كانت بدائية، والتي من خلالها تعزّز وفق الوسائل المتاحة مفهوم ولادة الكتاب. فيحكى أنَّ الملك الآشوري آشور بانيبال الذي حكم ما بين 627-669 قبل الميلاد5، كان مثقفاً ومولعاً بالتأليف والقراءة وقد اكتشفت الفريات الأركولوجية على يد السفير البريطاني في العراق عام 1851م مكتبة آشور بانيبال في تل كونجيك بالقرب من الموصل بحوالي 43 كم شمالاً، والتي مهدت لاكتشاف العاصمة الآشورية في نينوى.
هذا الاكتشاف بما لا يقبل الشكّ، مهَّد لإعلان ولادة الكتاب بصورته المفهومة حالياً مع العهد الآشوري المتوارث من السومريين، لكون بعد هذا الاكتشاف تمّ العثور على مكتبة السجلات للملك سنحاريب الذي حكم ما بين فترة 681-705 قبل الميلاد. على أية حال، من هذه الإلمامة يمكن أنْ نجزم بأمرين أساسيين، هما أنَّ السومريين والحضارات المتعاقبة في الشرق الأوسط هم أول من أوجد السبيل للكتابة وتطويرها وأوّل من استخدم منتج الكتاب والسجلات لتسيير أمور الدولة وأرشفتها. أما الأمر الثاني فإنَّ تلك الحضارات الشرق أوسطية السومرية والبابلية والآشورية والأكادية وغيرها هم أول من استخدم الطين للكتابة والتدوين، وقد تم العثور على آلاف الشواهد على ذلك6.
لقد أعقب اكتشاف الكتابة من قبل السومريين وتطويرها واستخدامه من قبل الحضارات المتعاقبة على المنطقة بعد ذلك، اكتشاف الكتابة في الجانب الآخر من هذا العالم. ولقد كان للصنيين الأثر الكبير إذ يعتقد أنهم بدأوا باكتشاف الكتابة في منتصف الألفية الثالثة ما قبل الميلاد7. هذا الاكتشاف الصيني لم يكن بالضرورة قد مرّ بالمراحل التي مرّت بها السومرية، أي أنها من تصويرية إلى صوتية ثم إشارية، بل انتقلت من الترميزية إلى التصويرية ثم الإشارية. ولكن يُعتبر الصينيون الأوائل في تطوير مادة الكتابة وتفعيل وسائلها من الطينية إلى الورقية. فقبل الورق وجدوا بأن الطين لا يقاوم الظروف الجوية فاستبدلوه أولاً بورق أشجار البامبو ومن ثم بدرع السلحفاة، وحتى أنهم استخدموا العظام والخشب والنحاس للكتابة، ليكتشفوا بعدها بأن الحرير هو من أفضل الوسائل التي يمكن حفظ الكتابة فيها، ويبدو أنَّ استخدام الحرير هو الذي مهَّد لهم اكتشاف عجينة الورق لينطلق الكتاب إلى مرحلة جديدة مازالت مستخدمة ليومنا هذا قبل أنْ يولج النشر الإلكتروني8.
لقد برع الصينيون في عملية اكتشاف أداة تطوير الكتاب لكونهم جرّبوا البامبو ووجدوه ثقيلاً بعد أنْ استبدلوا أوراقه بعيدانه، كما أنهم جرّبوا الحرير لخفّته إلا أنه كان غالياً جداً، عندها بدأوا بمحاولة إيجاد بديل يناسبهم سرعةً وخفةً، حتى توصل تساني لون عام 95م (هناك من يقول 105م) إلى كيفية إنتاج الورق من خلال طحن وعجن لحاء الأشجار والحبال القديمة والخرق البالية وكل ما له علاقة بالبردي والقماش، ليصف العجينة على صفيحة بصورة رقيقة ويجعلها تجف. وقد استمرّ تطوير الورق بهذه الصورة حتى أصبح صنعة في الربع الأول من القرن الخامس الميلادي ليتطوّر معها الكتاب وينتشر بالصورة التي عهدناها9.
بعد أنْ طوّر الصينيون صناعة الوسيلة الأساسية للكتابة تطوّر معهم الكتاب منتجةً وكثرةً، وأصبح للكتابة شأنٌ من خلاله تطوّرت الأمم والحضارات المتعاقبة لما بعد الميلاد. فالصينيون ونتيجة لكثرة إنتاج الورق وتطوّر وسائله في القرن الخامس الميلادي، عمدوا على نسخ الكتب وتوفيرها بين مواطينيهم وخصوصاً الدينية منها، كما أنهم طوّروا الكتابة وعلموها لأبنائهم10. هذه الطريقة الجديدة جعلتهم أيضاً يتجهون لاكتشاف الأداة التي يُكتب بها على الورق، لذلك تغير أسلوب الكتابة بأعواد البامبو إلى الفرشاة المصنوعة من شعر الحصان.
إنَّ سبب تطوّر الورق وأداة الكتابة في الصين لم يأت من فراغ، بل من حركة دؤوبة لمواطني هذه الأمة التي عُرف أنَّ الأدب والعلم والفنون والثقافة قد تطوّرت فيها مع النصف الأخير من الألفية الأخيرة لما قبل الميلاد. لذا حاول الصينيون بشتى الوسائل إيجاد بدائل عن الطين للكتابة، وذلك لكي يسهل حملها ونسخها والاحتفاظ بها بالصورة المناسبة التي يسمح لها أنْ تتطوّر في الصين11. ولعل الصراع ما بين رواد العلوم وانفتاح العلماء من جهة، وما بين رجال الدين من جهة أخرى، قد جعل من فن الكتاب واستنساخه رائداً في الصين دون غيره من الحضارات الأخرى، وهو ما أدى إلى ظهور مهنة جديدة تتعلق بالكتاب والكتابة يمكن أنْ نسميها في عصرنا الحاضر بمنع الكتاب. ففي عام 214 قبل الميلاد شهدت الحضارة أول عملية حرق للكتب من قبل الإمبراطور الصيني تشين شي هوانغ تي الذي استجاب لنصيحة مستشاره لي سوا. إذ تم حرق ما يقارب 500 كتاب تجرأ بعضها على انتقاد الإمبراطور الذي يعتبر الأب الروحي للدين، ولكن استثنى من المحرقة كتب الفيلسوف والعالم كونفوشيوس التي طرقت الزراعة والطبّ والكيمياء، وأيضاً تم الإبقاء على نسخة واحدة فقط من كل كتاب يحرق، بما فيها الكتب التي انتقدته12.
مما تقدم يمكننا أنْ نقول إنَّ فن الكتاب وملابساته الحقيقة قد أخذ مجراه الحقيقي في الصين في الألفية الأخيرة لما قبل الميلاد، وبالتحديد ما بين سنة 500 قبل الميلاد ولغاية سنة 105 بعد الميلاد، حيث تطوّر فيها الفكر والفن والكتاب على حدّ سواء، لينتقل الكتاب من مرحلة التعامل مع الكتابة بتدوين التجارة والإدارة خاصة، إلى ما هو أعمّ بتدوين العلوم والفنون. وهذا لا يمنع أنْ نقول أنَّ هناك أمم كالاغريقية كانت تزخر بفن الكتابة وإلا ما وصلنا ما وصل من كتب أرسطو وأفلاطون وغيرهم، بل أردنا أنْ نفرّق ما بين الكتابة والكتاب ووسائله من ذلك. ولعل فحوى الكلام أنَّ القرن الخامس الميلادي بفضل الصين كان الطريق إلى فن الكتاب ومنتجته وما يتعلق به من وسائل انتشار ومراقبة وغيرها من الإيجابيات والسلبيات على حدّ سواء13.
يمكن أنْ نقول أنَّ الكتابة والكتاب، باستثناء المرحلة السومرية، قد تطوّرت في بقاع العالم وحضاراتها المتعددة الصينية والهندية والفينيقية والفرعونية واللاتينية وغيرها ما بين الألفية الثانية والأخيرة لما قبل الميلاد. فقد توصلت البحوث الأركولوجية إلى أنَّ الكتابة بصورتها النموذجية كانت في عهد الحضارة السومرية، إلا أنَّ هناك عالماً موازياً للسومريين يمكن الاعتداد به لم يصلنا منه أي شيء يذكر وذلك لإقدام الرومانيين على تدمير كل شيء بعد احتلالهم لمدنهم، ويقال أنهم قد عرفوا الكتابة ما بين القرن الثامن والثالث قبل الميلاد. فهم يشيرون في ذلك إلى العصر الهلسيني ما بين القرن الرابع والثالث قبل الميلاد وإلى العصر الأتروكسي والعصر اليوناني، ولكن كل الأبحاث تشير بعدم ورود أي شيء من فن الكتابة قبل العهد السومري لأنها كانت محصورة ما بين القرن الرابع والثالث قبل الميلاد والعهد الإمبراطوري.
حين نتكلم عن الكتاب وتطوّره نجد أنه لربما كان للعهد اليوناني ميزات يختلف فيها عن العهود الأخرى، وذلك لعدة أسباب14، منها: تطوّر الكتاب والعلوم في ذلك العصر ووجود الأدبيات التي تشير إلى ذلك. فقد عُرف عنهم أنهم أول من استعمل الشمع كألواح للكتابة واستخدموا الأواني الفخارية أو الألواح الرصاصية وغيرها من الأدوات التي تحفظ الكتاب15، كما أنه مما انفرد به اليونانيون عن غيرهم هو قيامهم بعملية استنساخ الكتاب وجعلها مهنة وهو ما يعرف اليوم بدور النشر. لذا نرى في الواقع أنَّ ما وصلنا من هذه الثقافة يعود إلى تطوّر منتجة الكتاب، إذا ما عرفنا أنَّ هناك أمم وحضارات أحدث لم يصلنا منها شيء، في حين أنَّ اليونان قد وصلنا من نتاجهم الفني والأدبي والفلسفي الكثير الكثير16.
تاريخ الكتاب والكتابة في القرون الوسطى
لقد سيطرت الإمبراطورية الرومانية منذ تأسيسها والحضارات التي قبلها وما عاصرها على تاريخ الكتابة والكتاب وتطوّرهما معاً. وكما بيَّنا سلفاً، نتج من تلك الحضارات شيئين مهمين هما: منتجة الورق والخروج من آلية إيجاد وسيلة للكتابة تكون رخيصة وعالية الجودة لاستبدالها بالوسائل الأخرى، وهو ما نفذه الصينيون وسار كسيْر النار في الهشيم بين الحضارات الأخرى المجاورة والمتباعدة، كما كان له الأثر في تسهيل تطوّر الكتابة والكتاب ليجد الأمر الثاني الذي نحن بصدده - وهو الكتاب والمكتبة - طريقه إلى الانتشار والاستفادة أو النسخ وغيرها من وسائل تطوير الدولة والثقافات17. صحيح أنَّ هذا قد ولّد تطوّر في الحياة البشرية من ناحية التنظيم والتواصل والاكتشاف المعرفي، إلا أنه ولَّد حالات جديدة تتعلق بالكتاب وجوهره والتي منها المراقبة على سبل الكتابة وعناوينها ومضامينها لأنها باتت تسخدم لأغراض لا علاقة لها بالعرف المعرفي. ومع هذا وذاك، لا بُدَّ أنْ نقول إنَّ إحدى الإيجابيات الكبرى التي تواكبنا لهذا اليوم هو حفظ المعرفة والأفكار والثقافات وتاريخ الأمم وغيرها من العلوم في كتب مودعة بالمكتبات، وإلا ما وصلنا ما وصل على الرغم من تدمير العديد من المكتبات على مرّ العصور.
ففي هذه العصور كان في الشرق بشكل عام قد وُلد الإسلام الذي عنى بالقراءة والكتابة وتطوير المعرفة منذ اليوم الأول، وكنتيجة للتواتر والتراكم الموروثي المعرفي فقد سار الاتّجاه نفسه حول التطوّر الكتابي والكتاب بالاستناد إلى ما وصل. وفي الغرب، الذي يسمى الآن الأوروبي، سقطت الدولة الرومانية وعلى ركامها تأسست إمبراطوريات جديدة استفادت من التراكم المعرفي الموروث لليونانيين - الرومانيين18. أي من هذه النبذة يمكن أنْ نقول، استمرّ مسار الكتاب بنفس النسق الذي عاصرناها سلفاً مع تطوّر لآلة الكتابة والورق ليكون عنصراً فاعلاً للاستمرار الحياتي. ولكن لا بُدَّ من القول أنَّ حالة الكتاب والمكتبات في الغرب الأوروبي قد حلَّ به ما حلَّ من انهيار تام كان نتيجة لانهيار الدولة الرومانية التي أصبحت فريسة بيد الجرمانيين والبرابرة الآخرين. إذ كان همهم الأول تدمير الكتب والمكتبات، ومع هذا نجح نفرٌ من المثقفين بالحفاظ على نوع من التواصل ما بين العصر القديم والعصر الوسيط في أوروبا لإعادة بناء الكتاب والمكتبات، إلا أنَّ ذلك سرعان ما تلاشى وأصبح قاعاً صفصفاً وتلاشى معه المثقف والكتاب عندما هجم اللنغوبارديين على إيطاليا مع نهاية القرن السادس الميلادي ومع هجوم البرابرة على الأقاليم الأوروبية الأخرى لينتهي الكتاب تماماً، وتعيش أوروبا في ظلام ثقافي دامس. ولولا قيام بعض الأديرة بنسخ الكتاب المقدس الخاص بالديانة المسيحية والحفاظ عليه، وقيام البعض سراً بنسخ بعض الكتب الموروثة لتلاشى المثقف والثقافة والكتاب والمكتبة من تاريخهم تماماً19.
على الرغم ممّا حدث في أوروبا من حرق وتدمير للكتب والمكتبات حتى نهاية القرن السابع الميلادي على يدي البرابرة والمسيحية المناهضة للكتاب وغيرهم المعادين للثقافة، إلا أنَّ محاولات كاسيودور20 (Kasiodor) للحفاظ على بعض الكتب الموروثة من العصر القديم ساعدت بصورة أو بأخرى على الحفاظ على بعضها البعض، ولكن ليس في كل أوروبا بقدر ما وجدت موطن لها في الأديرة والكنائس ودور بعض المثقفين في إيطاليا وشمال أفريقيا وإسبانيا. وهو ما مكَّن المثقف الإيطالي كاسيودور الذي أنقذ العديد من الكتب من أنْ يؤسس مكتبته في مدينة فيفاريوم21 (Vivarium) والتي كانت ملجأً لإحياء الكتاب والمكتبات من قبل القوطيون الذين اعتنقوا المسيحية في القرن الثامن للميلاد ووجدوا ملاذهم في إحياء الكتب والمكتبات. وهو ما يفسّر شيوع الكتابة حتى مطلع القرن الحادي عشر للميلاد الكتابة بالأبجدية الخاصة باللغة القوطية الإسبانية.
ومع إطلالة القرن الثامن الميلادي، ظهر في أوروبا الغربية اهتمام أكبر في نسخ الكتب غير الدينية وإحياء الكتاب القديم والاهتمام به وإعادة ما يمكن إعادته، إلا أنَّ طبيعة الورق الذي ينسخ به أو الجلد والأدوات الأخرى لم تجد تطوّراً يذكر في هذه المرحلة لا في الشرق ولا في الغرب22. ويبدو أنَّ سبب ذلك يعود لفترة الحروب التي عمّت العالم شرقاً وغرباً مدة قرنين متتالين، وانتهاء فن الكتاب والكتابة والتهاء المثقفين في كيفية إحياء ما تم تدميره وإعادته إلى مساره العام. وهو ما جعل في هذه الحقبة أنْ نجد كتب الأديرة والكنائس تحتوي على كتب ليس لها دَيّدنٌ ديني ككتب شيشرين الفكرية والفلسفية وكتب فرجيل الاجتماعية والنفسية وكتاب أوفير المثير المسمّى فن الحب. وعليه ضمن هذا الإطار يبدو أنَّ فن الكتاب قد أخذ بعداً جديداً في هذه المرحلة، إذ ما علمنا أنَّ فن نسخ الكتاب وورشه قد وجدت طريقاً جديداً لنشر الكتاب. حيث يحدّثنا التاريخ أنَّ كل كتاب كان ينسخ في القرن الثامن عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر وصل حدّ 3-12 كتاب. ويبدو أنَّ الحركة العلمية التي صاحبت الدولة الفاطمية والدولة الأموية في الأندلس، ولما كان لهما من بعُد ديني إسلامي، قد حفَّز الأديرة والكنائس ومعتنقي المسيحية على الإسراع والتبارز في إيجاد الكتاب الذي اندثر وإعادة المكتبات. حتى إنَّ النسّاخ الذين يتمتعون بالخط الجميل أصبح لهم مهنة وأصبح لهم تسمية خاصة، إذ كان يطلق عليهم بـ: "أنتي كواري" 23 (antiquarii)، أما هؤلاء الناسخون العاديون الذين لا يتمتعون بتلك الصفة الجيدة من الخط فقد أُطلق عليهم تسمية النسّاخ (scriptores)، أو الكتبة24 (librarii). وعليه من هذه الإلمامة نجد أنَّ الكتاب في هذه القرون قد أخذ صفة المهنة التكاملية التخصصية، وكان لا يمكن أنْ يتم ذلك دون وجود الأدوات اللازمة والطلب عليها. ومما يجدر الانتباه إليه هو أنَّ هذا العمل لم يكن يتم إلا ضمن آلية عملية يشرف عليها الراهب أو مدير الدير25، فحين كان ينتهي النسّاخ من نسخ الكتاب باستعمال الحبر الأحمر والورق أو الرق كانت تحال إلى المتعلمين لمراجعتها والتأكد من سلامة نسخها ومطابقتها مع الأصل. ويذكر التاريخ الخاص بالكتاب أنَّ خير الناسخين في ذلك العهد كان ريغينبرت (Reginbert) وهو الناسخ المعروف في دير ريهيناو والمتوفى سنة 847م، والناسخ أوتلوه من دير القديس أمران في مدينة ريغنسبرغ والمتوفى سنة 1070م26.
يبدو أنَّ هذا الفيروس المتعلّق بإعادة المعرفة التراكمية من الكتب القديمة واستنساخها في الأديرة والكنائس قد انتقل بصورة سريعة إلى إيرلندا بأقصى نهاية أوروبا وإلى اسكتلندا بشمال بريطانيا الحالية. ويبدو أنَّ دور هذه الأديرة بإعادة منتجة الكتاب قد حقّقت شمولاً وازدهاراً واسعاً، لذا نجد أنَّ شبكة الأديرة التي أسسها الإيرلنديون والأنكلوسكسونيون في كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وسويسرا قد ساهمت مساهمة فعالة بمنتجة الكتاب واجتياحه سوق الثقافة. فالإيرلنديون لم يتفننوا بنسخ ما هو منتقى من الكتب فقط، بل طوّروا الخطوط التي كان يتمّ النسخ بها. إذ كان الخط الإيرلندي المعروف بـ: الجزيري27 (insular) من أروع الخطوط الشكلية، لذا استمرّ استعماله في الأديرة لنسخ الكتاب حتى منتصف القرن الثالث الميلادي28. وهنا، وقد لا نريد أنْ نسهب أكثر بتاريخ الكتاب والكتابة، لا بُدَّ من التنويه إلى أنَّ القرون الوسطى كانت تعتبر قفزة نوعية لمنتجة الكتاب في أوروبا، ناهيك عن النسخ والترجمة التي اعتمدها المأمون لإصدار الكتاب وبناء المكتبات والتي أحدثت ثورة ما بعدها ثورة في كِلا الصعيدين29. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هو الدور المؤثر مشرقياً ومغربياً على ظاهرة الكتاب والمكتبات؟ وهل تطوّرت العلوم والتربية نتيجة هذا المنحى؟ هل تغيّرت الحياة الاجتماعية والثقافية نتيجة الاهتمام بالكتاب من قبل الأديرة والكنائس غرباً والدولة الفاطمية والأموية في الأندلس شمال غرب أوروبا؟30 وهل أسهم النسخ والترجمة الذي قام به المأمون في بناء عصرٍ جديدٍ ومداخل جديدةٍ للكتاب والمكتبة؟ بالتأكيد، هذه الاسئلة تحتاج إلى وقفة ولو بسيطة لمعرفة دور إحياء الكتاب في تطوير المجتمع، وماهية التطوّر الحاصل في بناء الدولة وبناء التربية والتعليم مشرقياً ومغربياً. فضلاً عن سؤال يطرح نفسه ألا وهو هل سيكون مستقبل الكتاب الورقي ذو تأثير سلبي أو إيجابي على التطوّر الحاصل معرفياً ومعلوماتياً في وقتنا الحاضر؟ في نهاية المطاف، يمكننا القول أنه خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلادي تم نسخ عدد كبير من الكتب في ورش النسخ في أوروبا، إلا أنه من الصعب التكهّن بعددها وعدد المكتبات وذلك لأن العديد منها كان نتيجة الحروب المتتالية التي عاشتها هذه المنطقة. إلا أنَّ شعبية الكتب المنسوخة يمكن أنْ تبيّن لنا مديات نسخ الكتب في تلك المرحلة، فعلى سبيل المثال كتاب الطبيب والرحالة لمؤلفه الإنجليزي جون دي ماندفيل (John D. Mandevilla) المعروف بـ: "رحلة جون دي ماندفيل" الذي زار مصر والعراق وسوريا والصين وسجل فيه الكثير من ملاحظاته عن هذه البلدان31، أنجزه تماماً في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي على وجه التحديد. وبمجرد صدور الكتاب واقتناء المهتمين له، وذلك لكثرة القصص الخيالية فيه، تُرجم من اللاتينية إلى لغات عديدة منها الإسبانية والألمانية وغيرها32. والجدير بالذكر أنَّ لهذا الكتاب وحده وُجد ما يقارب 250 نسخة باللغات المتعددة، فهناك 5 نسخ باللغة الألمانية، و8 نسخ بالهولندية، و37 نسخة بالفرنسية، و40 نسخة بالإنجليزية، و50 نسخة باللاتينية، ويتوزع ما تبقى على اللغات الإيطالية والإسبانية والدنماركية والتشيكية والإيرلندية. وهو ما يعني أنَّ حركة الكتاب في أوروبا إصدراً وترجمةً كان لها أبعادها المتطوّرة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلادي33.
لم تكن منتجة الكتاب بالشيء البسيط الذي لا علاقة له بالمجتمع وأفراده والمقتصر على فئة معينة فحسب كما يرى البعض، بل كان له دوره في تثقيف المجتمع الشعبي من خلال استعمال اللغة الدارجة التي يفقهها الناس عامة. ولقد فعل الكتاب فعلته في ذلك الأمر حينما بدأوا في القرن السادس عشر الميلادي تدوين قصائد شعراء القصور في ألمانيا. وقد حاول غ. توشسر (G. Chaucer) تقليد الألمان في ذلك بتدوين الأدب الشعبي الإنجليزي، فأعطى الكتاب ومنتجته نكهة جديدة وأخرجه من القصور والأديرة والكنائس وبيوت المثقفين إلى دور الكسبة والفلاحين لتجد الثقافة طريقها إلى كل زاوية34. هذه النقلة النوعية في الكتاب صاحبها في هذه الحقبة تطوّر في الورق، فلقد أكدت الدراسات التي وصلتنا أنَّ الأداة المستعملة للكتاب في هذه الحقبة كان على ثلاثة أنواع هي: الرق وورق البردي والورق العادي (الصيني). ولقد كان الرق أكثر الوسائل المرغوبة للكتاب إلى أنْ برز الورق المعروف بسعره الرخيص جداً وتوفره بكميات كبيرة ليغلب حتى على ورق البردي الذي كان يصنع في مصر، والذي ظل يستخدم في أوروبا حتى نهاية القرن السابع عشر الميلادي35.
لقد أثر ظهور الورق على ورق البردي والرق بصورة متناهية، إذ كانت أوروبا تستورده من سوريا عبر (القسطنطينية) ومن شمال أفريقيا عبر صقلية، أي أنَّ العرب كانوا أول من صدَّر الورق المعروف حالياً إلى أوروبا لاستخدامه في منتجة الكتاب. ويُحدّثنا التاريخ أنَّ العرب كانوا قد احتكروا الورق لفترات طويلة من الزمن منذ القرن السابع الميلادي بشتى أنواعه ومنها البردي. ولم تنتقل صناعة الورق إلى أوروبا إلاّ عام 1147م حين تمّ أسر جان منتغولفيه الفرنسي بدمشق في الحملة الصليبية الثانية وقد أطلع خلال فترة أسره على كيفية صناعة الورق، ولما عاد من أسره أنشأ معملاً في مدينة فيداليون. ومن خلال خبرة هذا المصنع ونتيجة لحركة الكتاب غير العادية عند الإيطاليين، تم إنشاء مصنع آخر في مدينة فابريانو بإيطاليا عام 1276م، تبعها بناء مصنع آخر عام 1292 في بولونيا، غير أنَّ ألمانيا لم تجد حظاً في إنتاج الورق إلا عام 1390م في مدينة نورنبرغ36.
لقد ساهمت حركة إنتاج الورق بما لا يقبل الشكّ مساهمة فعالة في إعلاء دور الكتاب وانتشاره وإعادة نسخ ما دمّرته الحروب المتعاقبة من كتب كانت مادّة أساسية لبناء المجتمع في العصر القديم، لينتقل العصر الوسيط للعصر الحديث بذخيرة حيّة من الثقافة والكتب، ولينتقل بعدها الكتاب من الطباعة والكتابة اليدوية إلى الآلية. ولعل الانتقال بالحالة الآلية قد مكَّن من تطوّر مهنة الكتاب والكتابة لتتعدى مراحل مهمّة عديدة. ولا ننسى أنْ ننوه هنا لمسألة مهمة وهي أنَّ وسائل الكتاب وتطوّرها أدت إلى ظهور سرّ المكتبات ودورها كمؤسسة هامة أسهمت في بناء المجتمعات والثقافة والتطوّر37.
* تم تقديم هذا البحث في المؤتمر العربي الرابع للترجمة الذي استضافته السلطنة يومي 1 و2 اكتوبر الجاري
********
الهوامش
1 Greenspan, Ezra and Rose, Jonatha, an Introduction to Book History, Book Histroy Volume 1, 1998.
2 F. Milku-J. Schawe, Der Alte Vorderorient, in Handbuch der biblio the Kswissens Chaft, 2 Aufl., Wiesbaden 1955 Bd. III.
3 G H Bushnell, the Worlds Earliest Libraries, London 1931.
4 E Chiera, They Wrote on Clay, The Babylonian Tablets Speak Today. Chicago-London 1975.
5 G Smith, Babylonian and Assyrian Libraries, North British Review, 120 (1870).
6 S N Kramer, History Begins at Sumer, New York 1959.
7 Blair, Ann (2010). Too Much to Know: Managing Scholarly Information before the Modern Age. Yale University Press.
8 P. Boodberg, Some Proleptical Remarks on the Evolution of Archaic Chinese, Harverd Journal of Asiatic Studies, 2 (1937).
9 A. Blum, On the Orgin of Paper, New York, 1934.
10 Howsam, Leslie (2006). Old Books and New Histories: An orientation to studies in book and print culture. Toronto: University of Toronto Press.
11 Finkelstein, David (2005). An introduction to book history. New York: Routledge.
12 A. Von Rosthorn, Zur Geschichte der Chinesischen Schrift, Wiener Zeitschrift Fur die Kunde des Morganlandes, 48, 1941.
13 B. Laufer, Paper and Printing in China, Chicago, 1931.
14 Libri. Editori e Pubblico nel Mondo Antico. A Cura di G. Cavallo. 2 ed., Bari 1977.
15 G. Dumezil La Religione Romana Arcaica, Milano 1977.
16 A Momigliano, Lo Svilupo Della Biografia Greca, Torino, 1974.
17 L.D.Reynolds-N. G. Wilson, Scribes and Scholars, Oxford1968.
18 H.Lulfing, Schreibkultur vor Gutenberg, Der Gegenwartige Stand den Gutenberg-Forschung. Hrsg. v.
H. Widmann, Stuttgart 1972.
19 Libri e lettori nel medioevo, a cura di G. Gavallo, Bani-Roma 1977.
20 L.S.Thompson, Scriptoria, Encyclopedia of Library and In formation Science, Vol. 27, New York-Basel 1979.
21 Th. Klauser, Vavarium; Th. Th. Klauser, Gessammelte Arbeiten. Munster 1974.
22 Chow, Kai-Wing (2004). Publishing, Culture, and Power in Early Modern China. Stanford: Stanford University Press.
23 F.E.Roover, The Scriptoium, The Medieval Library, New York1957.
24 R.A.B.Mynors, Cassiodori Senatoris Institutiones, Oxford1937.
25 J.Desterez, La Pecia dans les manuscrits universitaire du XIII el Du XIV siecle, Paris1935.
26 Annual bibliography of the history of the printed book and libraries. The Hague: Martinus Nijhoff. 1970.
27 B.Bischoff, Ii monachesimo irlandese nei suoi raporti col con tinente, Ii monachesimo nellalto Medioevoe la formazione della civ ilta occidentale, Spoleto 1957.
28 E.Coccia, La Cultura irlandese precarolingia. Miracolo o mito? Studi medievali, 3 ser., 8, 1967.
29 E.Lesne, Les livres: scriptoria et bibliotheques du commencement du VII a la fin du XI siecle, Lille1938.
30 G. Cavallo, Libri e lettori nel medioevo, Barn 1977.
31 Lisa Maruca, "Bodies of Type: The Work of Textual Production in English Printers Manuals," Eighteenth-Century Studies 36, no. 3 (2003): 323.
32 Book History. United States of America: Society for the History of Authorship, Reading & Printing. 1998.
33 E. A. Lowe, The Beneventan Script. A History of the South Italian minuscule, Oxford 1914.
34 F.J.Witty, Medieval Encyclopedias: a Librarians View, The Journal of Library History, 14(1979), No.3.
35 The Medieval Library, J. W. Thompson Hafnner Pubi. Co. New York 1957.
36 H.Morovic, Povijest biblioteka u gradu Splitu, I, Drustvo biblio tekara Hrvatske, Zagreb 1971.
37 J.Desterez, La Pecia dans les manuscrits universitaire du XIII el Du XIV siecle, Paris1935.

إضافة تعليق