النظر والعمل

قراءةفي اسباب المازق الحضاري الراهن
مرة أخرى تؤكد الأحداث السياسية والعسكرية،فضلا عن الواقع الثقافي،أن الواقع العام للعرب والمسلمين محاط بالكثير من الفوضى والتخبط وعدم الاستقرار، بل والانحدار نحو التشظي، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي.
في محاولة لفك الإشكال المتعلق بتقديم النظر على العمل أو العكس،يذهب أبو يعرب المرزوقي وحسن حنفي في كتاب(النظر والعمل والمأزق الحضاري العربي والإسلامي الراهن) الصادر عن دار الفكر في سورية ، إلى أنه ليس بالإمكان أن نحصر المسألة في محدداتها الظرفية فنقصر تحديد العلاقة بين العمل والنظر على الإضافة إلى وضع محدد،إنما ينبغي أن نطرح المشكل بصورة عامة.
يسأل الدكتور المرزوقي : هل يمكن تصور العمل فعلا خاليا من الروية وجاريا في ظرف العجلة والاضطراب ومن ثم مقابلا للنظر أم إن مميزات العمل الإنساني الجوهرية تعود إلى مافيه من نظر؟ وما يدرينا فلعل العمل لا تقدر فاعليته إلا بما فيه من درجات الروية النظرية, إلى حد يرقى به إلى أسماها أعني الدرجة الفلسفية ؟وما هي علاقة ما يكون من الروية متقدماً على العمل بالمتأخر منها عنه وبالمصاحب له منها؟أليست الروية المتأخرة، بما هي نقد ذاتي للعمل الماضي شارطة للروية المتقدمة بما هي توقع للعمل المقبل مبني على تذكر الحاصل الماضي من أجل تحصيل الجاري من العمل في الحاضر، فتكون الروية اللاحقة أصل الروية السابقة وكلاهما من أجل الروية المصاحبة بوصفها جوهر الفعل العقلي، الذي يتضمن الوجهين ويعمق ما فيه منهما فتصبح الخبرة المتذكرة والخبرة المتوقعة في ضوئها جوهر الروية الحاضرة؟
وطبعاً فمثل هذا الرأي لا يمكن لصاحبه أن يدور في خلده تصور النظر عيشا في أوهام الأحلام.
كيف يمكن تصور النظر في مجراه الفعلي عند الفرد وعند الجماعة ممكنا من غير عمل حقيقي تقدم عليه خلال تعلمه وتأخر عنه خلال مراجعته وزامنه خلال حصوله حال علاج ظاهرة ما يدور حولها النظر بوصفه جهد صوغها العقلي بإبداع نظريتها التي تحدد مقوماتها من خلال تحليلها من حيث هي»خام»فعل الفكر.
فالنظريات من حيث هي إبداع عقلي ليست إلا إبداعا للأدوات والنماذج الرمزية والمناهج العملية.ويرى المرزوقي من حقه القول:إن المفاضلة بين النظر والعمل ليست قضية خيار عملي ظرفي لا يقبل الحسم إلا بإضافة(إذ إن النظر يكون متقدما في بعض الحالات والعمل متأخرا والعكس في بعضها الآخر:الحالات الحدية حيث ينبغي المرور إلى العمل مثلا لتجنب ما يسمى بالانتظار وعدم الحسم في المواقف التي تقتضي الحسم)بل هي قضية خيار نظري غير ظرفي يمكن حسمه بمقتضى طبيعة وجهي الفعل العقلي التام وجهيه النظري والعملي.
كلا الوجهين يتضمن نفس المقومات مع تقديم وتأخير لنوع الفاعلية المقصودة:فاعلية التصور وفاعلية الإنجاز بعدي فعل العقل في تحديد مقومات الشيء واستمداد وجوده من ماهيته.ففي النظر يكون القصد التحليل التصوري الذي يصنع الشيء في المثال الرمزي نموذجا لبنيته وصورته وصيغة قوانينه وهو عندئذ عمل يصنع الرموز التي من دونها لا يمكن صنع الأشياء المرموزة.أما العمل فيكون القصد الإنجازي فيه تحقيقا لفعل»وهو العمل بالمعنى الخلقي»أو لمفعول «وهو العمل بالمعنى الصناعي»هو المطلوب،وهو في الحقيقة ممتنع التصور من دون النظر عاميا كان ذلك أو عمليا إن لم يكن مجرد محاكاة عادية في المجتمعات البدائية التي يكاد العمل فيها أن ينحط إلى الأفعال الغريزية بمستوى تقنيات مجتمع القردة.
ما يعرضه المرزوقي يتناقض تماما مع رؤية الدكتور حسن حنفي الذي لا يرى الفكر بالكم، وحجم الخطاب،وكثرة المادة،وتشعب التقسيمات.بل الفكر بالكيف،وتركيز الخطاب،ودلالة المادة وإشكالية الموضوع.ليس الفكر هو الفكر المفلطح بالعرض على الاتساع،بل هو الفكر المدبب بالعمق للتركيز.
الفكر على الاتساع دوران حول الموضوع.والفكر في العمق دخول فيه.وطالما غلب الفلاسفة الكيف على الكم،والنوع على الدرجة.وقديما قيل:»خير الكلام ما قل ودل» .وبعد أن يؤطر حسن حنفي الفكر في هذا الإطار ينفي أن تكون قضية النظر والعمل هي قضية الآجل والعاجل،المدى البعيد والمدى القصير.فالنظر عاجل أيضا من أجل مساندة العمل.والعمل آجل أيضاً استعداداً للنهاية وتراكم الأفعال والحصول على النتائج.والعمل الصالح للعاجل والآجل على حد سواء،في العاجل لتحقيق المنافع العامة،وفي الآجل لنيل الفوز والثواب.وإذا كان المرزوقي يرى في النظر والعمل بعدين للعقل،فإن حسن حنفي لا يشاطره الرؤية هذه ،لأن النظر والعمل ليسا في الحقيقة سوى بعدين للواقع.فالعقل أداة للتحليل النظري.إنما الواقع هو الذي في حاجة إلى تغيير.
التحليل النظري وحده يؤدي إلى أن يبقى الواقع على ما هو عليه ،في حين العمل هو الذي يغير الواقع إلى ما هو أفضل.
كما أن علاقة النظر بالعمل ليست علاقة العقل مع ذاته بل علاقة العقل بالواقع أو الذات بالموضوع.هما بعدان للشعور على أكثر تقدير،العقل والإرادة،الطاقة والحركة ،الإمكان والتحقق،القوة والفعل.بل يمتد النظر حتى يشمل العمل ويصبح الفعل نفسه هو فعلا عقليا وكأن الفعل العضلي ،فعل المقاومة والجهد الذي تحدث عنه مين دي بيران أو الفعل باعتباره تجليا إلهيا في الإنسان عند بلوندل، أو الإرادة الخيرة عند أرسطو وكانط، أو فعل التغيير في العالم أو الفعل البدني عند برجسون وميرلوبونتي أو الفعل تعبيرا عن الوجود الإنساني أو الشخصية الإنسانية عند ماكس شيلر ومونييه،وكأن كل ذلك فعل عقلي خالص،وكأن الإنسان بلا بدن يسلك من خلاله في العالم،وبلا عالم يعيش الإنسان فيه. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي دور الحسبة في الإسلام وهي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية إذا تحول إلى مؤسسة تتبع الدولة يفقد دوره في الرقابة على أداء المجتمع والرقابة على تطبيق القانون.
الفكر النظري عمل مقاوم بقدرته على النقد. والنقد ليس مجرد فهم نظري خالص ،بل هو قياس لاشعوري لما هو كائن على ما ينبغي أن يكون.ليس النقد فكرا نظريا خالصا يصف ما هو كائن ،بل هو إعادة بناء له.ويستحيل النقد النظري الخالص لحاجته إلى معيار.النقد وحده انقطاع لا تواصل، في حين أن إعادة البناء انقطاع وتواصل كما هو الحال في مراحل الوحي المتتالية.
أجل إن البحث النظري له شروطه وهو استكمال الحاجات الأساسية الأولية للشعوب في النظرة اليونانية للعالم عندما يقوم العبيد بإعداد هذه الحاجات حتى يتفرغ السيد للبحث النظري.ولكن أي معنى للعمل يبقى إن لم يكن تحقيقا لهدف،أو سعيا نحو مطلب وقد يتطلب الجوع والحرمان وشظف العيش كما كان الأمر في الفتوحات الأولى. ؟!
ثم ما هو العمل الذي نريده ونسعى إليه؟ أهو العمل الأهوج غير المدروس، والعشوائي الارتجالي الذي أدى إلى هزيمة يونيو – حزيران1967،أم العمل المخطط المدروس الذي أدى إلى عبور القناة واقتحام خط بارليف عام 1973.
وإذا كان الآخرون، وبالرغم من عدم اتفاقهم على إعطاء الأولوية للنظر أو العمل،قد عزموا على العمل لتحقيق ما يريدون من سيطرة ونهب،فإن الأَولى بنا أن نتفق على تقديم العمل على النظر،على الأقل في المرحلة الراهنة،لعلنا ننجح في استرداد بعض ما سُلب من أراضينا وحقوقنا،كما أننا بأمس الحاجة لرمي الخلافات جانبا وخلق اللُحمة الداخلية بعيدا عن أي تنظير من شأنه أن يُعمق الشرخ ويُوسع الهوة بين الفرقاء أبناء الوطن الواحد،ذلك أن الأمة العربية والإسلامية تعيش اليوم أمام منعطف خطير لا يهمنا فيه مصير أيديولوجيا ما أو نظام ما،كما يرى هشام شرابي،بل يهمنا سلامة المجتمع العربي والإسلامي واستمراره في الوجود.
ملحق الثورة الثقافي 17/10/2006م
محمد الحوراني

إضافة تعليق