النَفْس العربيّة عند "التوحيدي"

يمكن قراءة الواقع في ضوء نصوص قديمة، وجدوى ذلك هي معرفة في ما إذا تجاوزنا القديم أم أننا مازلنا نراوح وسطه، ونزعم أننا نعيش في قلب العصر، وأبوحيان التوحيدي من أولئك الذين تأمّلوا السيكولوجية العربية في نص لا يخلو من أهمية في الموضوع، ولقد صاغ مشكلة النفس العربية التي مانزال نعيش في ظلها، ولم نتعدّ معالمها الباطنة، وتجلياتها الظاهرة .
أبوحيان التوحيدي فيلسوف الأدباء، عاش في القرن الرابع الهجري، في قرن أخذ يمهّد لسقوط الإمبراطورية العربية الإسلامية حتى شارفت على الانهيار في سقوط بغداد (1258م) .
والتوحيدي صاحب ثقافة موسوعية، أدانه الزمن، ورفضته الدنيا، وحيل بينه وبين الحياة، ولم يعش هدأة الحياة واستقطبته ثنائية الوجود والعدم، وتمنى طوال حياته أن يغطيه تراب القبر، وينتفي من الحياة لشدة بؤسها، كتب الكثير، وأحرق معظم كتبه، ورمى ببعضها في مياه نهر دجلة في بغداد، لأنه أدرك أن المأساة حيكت له وأنه صنع لها، فقدمت إليه طواعية، فعاشها بعمق ويقين لم يختر الشقاء، بل اختاره عنوة، ولم يشأ الألم، بل لقد رمت به وسطه الأقدار، فكان يلحظ من بعيد مواكب الشعراء والكتّاب وأصحاب التقريظ، والمدح والردح يتهافتون إلى قصور الخلفاء، ليأخذوا نصيبهم من الدنيا، وكانوا يتقدمون وهو واقف، ويخرجون من القصور حاملين أكياس الفضة والذهب، والدنانير، فينكفئ على ذاته ناعياً سعي الناس بلسانهم الكاذب والمنافق في سبيل العيش الرخيص .
يقول عن نفسه في سطور كتابه “الإشارات الإلهية والمناجاة الروحية”، نشره المرحوم الدكتور عبدالرحمن بدوي في خمسينات القرن الماضي ما يلي: “أما حالي فسيئة كيفما قلبتها، لأن الدنيا لم تؤاتني لأكون من الخائضين فيها، والآخرة لم تغلب عليّ فأكون من العاملين لها، وأما ظاهري وباطني فما أشد اشتباههما، لأني في أحدهما متلطّخ تلطخاً لا يقربني من أجله أحد، وفي الآخر متبذّخ تبذخاً لا يهتدي فيه إلى رشد، وأما سرّي وعلانيتي منهما قوتان بعين الحق لخلوهما من علامات الصدق، ودنوهما من عوائق الرق، وأما سكوني، وحركتي فأختان محيطتان بي” .
لقد شاع الفساد، وانهارت القيم في عصر التوحيدي، ولم يتغنَّ بالألم، بل لقد عاش بانفعال عميق، ولا حقته ظلال الموت، وأيقن أن الحياة تسير في اتجاه شديد الانحراف من وجهته، وباختصار لقد عاش صاحبنا في أعلى قمم مفارقات الحياة، وتناقضاتها على صعيد الفكر والوجود، وانتقل من نفسه القائمة ليتأمل النفس العربية، وانتقل من الذات إلى الموضوع، ومن الأنا إلى الآخر، فقال ما يلي ناعياً تركيبة المزاج العربي، ومتأملاً بنية النفس العربية التي تعيش حياتها على أوتار مشدودة بين المتضادات، ولا تجد سبيلاً إلى تعقيلها، أو تجاوز أطرافها القصيّة” .
وقال في كتابه “الإمتاع والمؤانسة”: “ما أعجب أمر العرب، تأمر بالحِلْم، والصبر، والكظم، وتحثّ بعد ذلك على الانتصاف، والأخذ بالثأر، تذمّ السفه، وقمع العدو . . وهكذا شأنها في جميع الأخلاق، أعني أنها تحظى على القناعة والصبر والرضا بالميسور، وربما خالفت هذا، فأخذت تذكر أن هذا فسالة، ونقصان ولين عريكة، ومهانة نفس وتحثّ على البسالة والإقدام والانتصار، والحمية والجسارة وربما عدلت عن كل ذلك إلى أضداد هذه الأخلاق والسجايا والضرائب والأحوال في أوقات يحسن فيها بعضها، ويقبح بعضها ويقدر صاحبها في بعضها، ويلام في بعضها، ذلك لأن الطبائع مختلفة، والغرائز متعادية”، ج3 - تحقيق أحمد أمين، وأحمد الزين .
كتبت هذه الكلمات عن الشخصية العربية في قاعها السيكولوجي وقمّة سلوكها الحياتي، ولقد أشار “إخوان الصفا” في رسائلهم حول كيفية تكوّن الشخصية النفسية في وجدانها لحظة اللذة والألم، والحب والكراهية، في وقت واحد، الجزء الثالث من الرسائل ص18 .
والواقع أن ظاهرة العيش وسط المتضادات على صعيد الحياة النفسية الذي يهمنا هنا، هي ظاهرة إنسانية، ولا تخص هذه الشخصية القومية هذه أو تلك، لكن يهمّنا القول إن التوحيدي تناول شخصيتنا العربية الإسلامية . وهذه الظاهرة وقف عندها علماء النفس كثيراً، وخاصة (فرويد) في تحليله لما دعاه بالتناقض الوجداني “الازدواجية” في لغة اليوم . وهي ثنائية صراعية كثيراً ما تقود إلى الهاوية، لأنها تخرج عن نطاق التوازن العقلي . ومن التكامل العقلي مع تنافر الأضداد، وفقدان الاتقان في التحكم في الضدين . (ألا ننتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) .
في الذات العربية في قاعها النفسي، والتي تحرّكها على العموم العواطف والمشاعر المتضادة، وتخضع لإسار تجاذب العواطف المتضاربة، تعيش وسط المتناقضات، وتراوح وسطها، تتنقل من النقيض إلى النقيض، ومن الضد إلى الضد، أو كما نقول في لغتنا اليومية الانتقال المفاجئ من الدرجة صفر إلى الدرجة 180 بشكل غريب مدهش خيالي، مخيف، غير معقول، وبحجة يتذرع بها البعض بأن الإنسان حر في تغيير المواقف والآراء، والانتماءات والتوجهات، وهذا تعبير عن دينامية الحياة وحركتها .رغم أن الشخصية العربية في بنيتها السيكولوجية تنأى من التعريف الجامع المانع على حد تعبير المناطقة، وتنأى عن الدراسات المخبرية، والتجارب الدقيقة أو البرمجة، لأنها تربض أو أنها ورثت تاريخاً ونسيجاً معقداً في فسيفسائها الماضي، والمتشابك، شكلته عوامل جغرافية وعرقية، واقتصادية وسياسية وثقافية، ساعدت في تعقيداتها على تشكيل الصورة الضبابية التي هي نهاية المطاف نمط من الوجود المختلف، وتظل تتناولها مشاعر متنافرة تقودها إلى مواقف مضادة لعقلانية الحياة، أو متنافرة رراء الجانب العقلي منها .
إنها تتأرجح بين: الحب المتأجج، والشديد، والكراهية العمياء، بين اللذة والألم، بين الرغبة والشعور، بين الشقاء وبهجة السرور، بين الشجاعة والخوف، الرفض والقبول، بين الحنين الجارف والابتعاد عن المكان وهجرته، بين الفجور والتقوى، والواقع هذه كلها إيقاعات النفس البشرية .
أما عن العوامل التي ذكرنا منذ لحظة التي رسّخت بناء هذه السيكولوجية صاحبة المتنافرات، فهي باختصار شديد تتجسد في:
البيئة الجغرافية المتكونة في معظمها من الصحارى التي توحي بفكرة العدم والوادي غير ذي زرع، مقابل الحياة، والاقتادية التناقضات والمتضادات البقية بين الكثرة المطلقة من الفقراء، والقلة من الأغنياء، والسياسة الكابتة للحرية والقامعة والمهدرة للكرامة والعدالة، والنافية لكلمة لا، مقابل دكتاتورية، وقمعية نظام الحكم، ونظام أمنه والقاهرة فوق عباده، والزعامة الواحدة التي لا تسأل عما تفعل، والشعوب تسأل والحاكم الأوحد المطلق، إضافة إلى السياق العالمي السياسي، الوحيد القطب أو الثنائيه .
والعامل الثقافي، يمكن الوقوف عند محطات عدة ساعدت على ترسيخ هذه البيئة السيكولوجية، وحيث يمكن تذكر تاريخ المنطقة القديم ومكانة (الفرعون) أنا ربكم الأعلى، ثم ظهور الأديان التي عاشت ازدواجية المؤمن والكافر، ثم التراث العربي الثقافي بدءاً من الشعر الذي تناوبته “الذاتية” الشعرية، والذي راوح بين موضوعات متنافرة: المدح والهجاء، الحب والكراهية، الفخر والدونية، أو المهانة، والزهد والمجون .
والخلاصة أننا لم نتجاوز هذه البنية السيكولوجية، لأن عواملها لم تختلف بعد، وهي ماتزال تحكم واقعنا، وهي ليست بنية عقلية جدلية خصبة يتولّد عن صراعاتها تقدم أو إبداع . إنها عقيمة ولها مضاعفات وتداعيات خطيرة، ربما نتناولها في مناسبة أخرى

إضافة تعليق