الهوية والحركية الإسلامية.. الدكتور عبد الوهاب المسيري

تعدّ سلسلة حوارات التي أصدرتها دار الفكر ضمن إصداراتها المهداة إلى القدس عاصمة للثقافة العربية، من الأعمال الفكرية الرائدة لاهتمامها اهتمت بإحدى أهم الشخصيات الموسوعية في تاريخنا المعاصر، وهي شخصية الدكتور عبد الوهاب المسيري المتعددة الاهتمامات من فكر ومعرفة إلى تاريخ وفلسفة مروراً بالثقافة والفن والسياسة.

ومع غزارة نتاج المسيري المتنوع ، فقد  ظلَّ اسمه مرتبطاً بموضوعات اليهود واليهودية والصهيونية والغرب وما يطرحه من إشكاليات.

تضمُّ السلسلة عرضاً لأهم محطات المسيري الحياتية والفكرية، وإنجازه الموسوعي "اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد"، والظروف التي أحاطت بالعمل، والصعوبات التي واجهها، وردود الفعل والانتقادات التي وُجهت له، وكذلك اجتهاده المميز غير المسبوق في الاهتمام بقضيتين مصيريتين بحكم تحديات الواقع المعاش الآن ، وهما المجاز والعلمانية.

كما

تضمُّ عرضاً لآرائه في واقع حال مصر والأمة العربية والإسلامية، وكذا رؤيته لحال الفكر والثقافة والمثقفين العرب، إلى جانب نظرياته المتعلقة بالزواج وتجربته الشخصية. ومع ذلك، لا يمكن القول إن هذه السلسلة تختصر المسيري فكراً ومسيرة، ويمكن وضعها في إطار التقديم والتعريف بتجربة ثرية كمسيرة عبد الوهاب المسيري.

تقع السلسلة في أربعة أجزاء، جاء الجزء الثالث منها تحت عنوان ( الهوية والحركية الإسلامية) تأكيداً منه على قيمة الهوية ودورها، ليس في حماية الأمة فقط بل في تقدمها، حيث شكّلت الهوية أهم عناصر النموذج الذي حاول المسيري صكه للبناء والإعمار، وهو نموذج مستلهم من البيئة العربية والإسلامية غير مهزوم أمام الآخر. وفي هذا السياق أتت الانتفاضة لتستحوذ على إعجابه الشديد لا باعتبارها مجرد مشروع للمقاومة والتحرير، بل باعتبارها نموذجاً خلاقاً يقف بقوة أمام النموذج الاستهلاكي الغربي الدارويني. فقد قدم الفلسطينيون من خلال الانتفاضة مثالاً مميزاً للقدرة على التكيف مع الواقع، والاستفادة من مقومات الطبيعة الفلسطينية، والعودة للمخزون الحضاري في لا وعي الإنسان العربي، ثم إبداعها في إحياء التراث واستحضار حكمة الأجداد. ومن ثم شكّلت الانتفاضة عودة للمعجم الحضاري الإسلامي واستخدامه على النحو الأمثل مع مواكبتها للعصر وتطورها مع الحدث الآني، فقدمت بهذا نموذجاً للحياة والتنمية أسماه المسيري "نموذج التكامل غير العضوي". ومن هنا، كان دفاع المسيري عن الهوية، ليس من باب الكلام المرسل أو الشعارات التي يرددها بصدق كثير من مثقفي الأمة، وإنما عن دراية بسبل تأكيد الهوية. فقد رأى أن أولى خطوات النهضة هي إعادة الثقة بما نملك، وثانيها،  إعادة تعريف الآخر وفقاً لما يطرحه والنتائج التي يحصدها من هذا الطرح، وعدم الاكتفاء بتعريفه وفقاً لما يفرضه هو من تحيزات، ثم الوقوف والتحرك في الحاضر صوب مستقبل تسوده قيم الإنسانية المشتركة وليس الفردوس الأرضي المزعوم.

نشر في موقع مسلم أون لاين

5/11/2009

إضافة تعليق

14 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.