الهويّة ومخالِب العولمة

العلاقة بين الهويّة والعولمة علاقة جدلية، كما أنها علاقة صراع وصدام، وذلك لاختلاف طبيعة كلٍّ منهما. وقضية العلاقة بين الهويّة والعولمة طُرحت على أكثر من صعيد أو مجال، ولا تزال تُطرَح لكونها من أهمّ القضايا وأكثرها صعوبة وتعقيداً وأقربها حضوراً في عمق الجدل الدائر، ليس لدى النخبة الثقافية والسياسية فحسب، بل حتّى لدى العديد من الناس العاديّين. لذا فإن انعكاساتها الفكرية والمعنوية ونتاجاتها المادية قد اقتحمت كلّ مجالات الحياة.

يذهب بعض الباحثين والمفكّرين إلى أن العولمة فعل يقلّص امتداد الكون في هويّة متجانسة ثقافياً واقتصادياً و اجتماعياً. فالعولمة تعمل على بناء ثقافة واحدة، وتسعى إلى تذويب الحدود والحواجز الثقافية والفكرية والاقتصادية بين الأمم. إنها سعي محموم لبناء المجتمع الإنساني على مقياس الثقافة الواحدة، و بالتالي فإن ثقافة العولمة هي ثقافة الشركات العابرة للجنسيات والقوميات والثقافات. ويجب أن نشير إلى أن جوهر العلاقة بين الهويّة والعولمة هو الصراع والتنافر. فالعولمة تُطارد الهويّة وتلاحقها وتحاصرها وتُجهِز عليها. وفي خِضمّ هذه المطاردة تعاند الهويّة أسباب الذوبان والفناء وتتشبّث بالوجود والديمومة والاستمرارية. فالعولمة تعني ذوبان الخصوصية والانتقال من الخاص إلى العام ومن الجزئي إلى الكلّي، ومن المحدود إلى الشامل. وعلى خلاف ذلك، يأخذ مفهوم الهويّة اتجاهاً متقاطباً كلّياً مع مفهوم الشمولية. فالهويّة انتقال من العام إلى الخاص ومن الشامل إلى المحدود، إنها تبحث عن التمايز والتباين. وإذا رجعنا إلى الجذور التاريخية لمصطلح العولمة نجد أن هناك اتفاقاً بين معظم المهتمّين بقضية العولمة على أن الكلمة جديدة ولكن ما تصفه ليس بجديد. إلّا أن مفهوم العولمة أصبح مُتداولاً منذ بداية التسعينيات كما أصبح عَلَماً على الحقبة الجديدة التي بدأت بتدمير جدار برلين في العام 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، وانتهت بتغلّب النظام الرأسمالي الغربي على النظام الشيوعي وانفراد الولايات المتّحدة بقيادة العالم المعاصر. ويرى الدكتور حسن حنفي أن العولمة ظاهرة عامة وأنها قديمة قدم التاريخ ، كما أنها حالة ملازمة للتطوّر الحضاري على مرّ الأزمان واختلاف الشعوب التي تتقدّم على غيرها من شعوب الأرض في سلّم التطوّر الحضاري في عصرها. الأمر الذي يعني أن العولمة حدث لا يخصّ القرن العشرين كما يعتقد البعض بل هو ظاهرة تاريخية بحدّ ذاتها. والعولمة في جوهرها نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع الثقافي غير المحدود، من دون اعتبارٍ للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم. أما الهويّة في جوهرها، فتعني مركّباً من العناصر المرجعية والمادية والذاتية المصطفاة، والتي تسمح بتعريف خاصّ للتفاعل الاجتماعي. وتحاول العولمة بكلّ الطرق والوسائل أن تسيطر على الهويّة وأن تفرض أسلوبها وهيمنتها لتفرغها من كلّ مضمون ومحتوى. وتسعى العولمة كذلك إلى إلغاء السيادة على المكان أو إضعافها، مستعينةً بوسائلها وآليّاتها في تخطّي الحدود والقفز من فوقها والتعدّي على خصوصيات المكان وسكّانه و اختراقه، وغزو ثقافة شعبه وحضارته، وفرض ثقافة أخرى عليه ممّا يُضعف من انتمائه الوطني والقومي ويُسهم في تفكيك عناصر هويّته ومكوّناتها، ليصبح شعباً لا هويّة له تميّزه عن غيره من الشعوب والأمم.

إن اندثار الحدود السياسية والثقافية أمام العولمة المدعومة بوسائل حديثة كالإنترنت والفضائيات التلفزيونية من شانه أن يدمّر آخر قلاع المقاومة للاكتساح الثقافي الغربي والأميركي. لذا تنحو العولمة باتجاه القضاء على الخصوصية الثقافية بعامّة. ويجب أن نشير إلى حقيقة مهمّة وهي أن التعارض بين الهويّة والعولمة هو ظاهرة يعيشها الغرب نفسه موطن العولمة ومصدرها؛ و بالتالي يشكّل التعارض والصراع بين الهويّة والعولمة مظهراً من مظاهر الصراع في عصرنا، وهو صراع يعيشه العالم كما يعيشه كلّ بلد على حدة، أمتقدّماً كان هذا البلد أم متخلّفاً. و إذا كان الصراع يبدو في بعض الأحيان، وعلى السطح، في صورة صراع بين الشمال- داعية العولمة والمستفيد الأول منها-وبين الجنوب- موضوع العولمة والمستهدَف بها-، فإن ذلك ليس سوى مظهر واحد من جملة مظاهر متعدّدة. فالعلاقة بين العولمة ومسألة الهويّة ليست علاقة وحيدة الاتجاه، ولا تطرح مشكلة واحدة يمكن حلّها، بل تنسج إشكالية لا يمكن حلّها إلّا بتجاوزها. على أن عملية التجاوز تتطلّب هنا مقاومة الإشكالية بأقوى أسلحتها، أي عملية تعميم المعرفة العلمية. إن التغلّب على مساوئ العولمة لن يفيد في الهجوم عليها ولا في محاولة حصارها. إن السبيل القويم للحدّ من آثارها على الهويّة وعلى الخصوصية هو الرفع من مستوى الهويّة إلى الدرجة التي تستطيع بها الصمود الإيجابي المملوء بالثقة بالنفس.

ومن الجوانب المهمّة في صراع العولمة مع الهويّة ثمّة التطبيقات العلمية في مجال الإعلام عبر القنوات الفضائية و عبر الإنترنت بخاصّة، وهي التطبيقات التي أخذت تقلّل من دائرة الاحتكار في مجال المعرفة. فالعولمة تحمل فكرة استبداد القوى التي تسخّر إرادات الشعوب الضعيفة لصالحها. وممّا يزيد من خطورة العولمة ذراعها الإعلامي الخاضع للسيطرة الصهيونية والتي تمسك بخيوطها. وتسير هذه القوى في السيطرة مع القوّة الغاشمة العسكرية في فرض العولمة على الآخرين. فوظيفة المنظومة الإعلامية هي أن تسلّي و تُلهي وتعلّم وترسِّخ القيم والمفاهيم وأنماط السلوك الأميركي على الآخرين. ولتحقيق ذلك صارت ميزانية الإعلام موازية تماماً لميزانية الدفاع في بعض الدول. ويجب أن نعترف أن هناك سلبيات كثيرة ومخاطر متعدّدة في العولمة، لعلّ من أهمّها أن أميركا راعية العولمة لا تهدف إلى تطبيق قيمها فحسب، بل أنها تنطلق من مصالحها الذرائعية المجرّدة. وتلك القيم التي تحاول فرضها تمثّل خطراً عظيماً على القيم والمبادئ، وبخاصّة الإسلامية. كما أن من مخاطر العولمة وسلبياتها أنها تروّج لوهم المساواة بين الرجل والمرأة. وقد أشارت دراسة سعودية لناصر الحميدي، إلى أن التأثير على الجوانب الأخلاقية يأتي في الدرجة الأولى من الترويج للإباحيّة وما إلى ذلك من أمور تخالف القيم الإسلامية، وكذلك التأثير على الروابط الأسرية.

وعلى الرغم من وجهات النظر الكثيرة التي ترى أن طبيعة العلاقة بين الهويّة والعولمة هي علاقة تصادم وصراع ، ثمّة وجهات نظر أخرى لا ترى في العولمة شرّاً مستطيراً بل تعتبر أنها تحمل بعض الجوانب الإيجابية التي لا يفترَض إغفالها أو غضّ الطرف عنها، فهي ليست مؤامرة كبرى ولا مخطّطاً استعمارياً خبيثاً ولا بلاءً محضاً، بل هي واقع موضوعي أنتجه العقل البشري. واقع يعجّ بالتحدّيات ويفرض نفسه بحيث لا يمكن أن نتجاهله أو نتجاوزه. فهناك فرق بين العولمة كواقع موضوعي وبين العولمة كإيديولوجيا. فالعولمة كواقع موضوعي هي خلق إنساني. وعلى الرغم من سلبيات العولمة ومخاطرها وآثارها الضارّة بالهويّة، إلّا أن هناك وسائل وأدوات تمكّننا من مواجهة هذه المخاطر و التحدّيات، منها صياغة إستراتيجيات عربية للتعامل مع العلم والتكنولوجيا الحديثة، وإعادة النظر في المناهج الدراسية، سواء كانت جامعية أم غيرها على نحو يهدف إلى تأصيل الملامح الحضارية في الشخصية العربية لمواجهة تحوّلات عالم اليوم. ومن الوسائل والأدوات التي تمكّننا من مواجهة هذه المخاطر أيضاً ضرورة خلق إعلام ناضج يبني الإنسان العربي الواعي والقادر على أن يكون فاعلاً في حوار الثقافات، ومُصاناً ضدّ أخطار العولمة، وبما يحافظ على هوية الأمّة وقيمها.

سيستمرّ الصراع المحموم بين العولمة والهويّة، وهذا أمر طبيعي، لكن على الرغم من ذلك، لا بدّ لنا، كعرب ومسلمين، إذا ما أردنا أن نحافظ على هويّتنا، أن نعي أن العولمة أمر واقع لا يمكننا تجاهله، وأنه يجب الأخذ بما يتناسب مع قيمنا ومبادئنا وعاداتنا وتقاليدنا. بحيث لا يصحّ أن نغلق الأبواب في وجه العولمة وأن ننغلق على أنفسنا، بل علينا أن نتعامل معها بهدوء ومن دون تعصّب، ومن دون انطباعات مسبقة على أنها شرّ كلّها.

http://ofoq.arabthought.org/?p=1900

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.