الوسطية والدعوة إلى الخير

وسطية الأمة، ليست وسطية في التشريع بين الحلال والحرام . إذ الحلال بين والحرام بين، وإنما هي سمة من سمات الأمة الإسلامية، بين التطرف والغلو، والإفراط والتفريط . والوسطية أيضاً التي دعا اللّه المسلم لاتباع طريقها في حياته وداخل مجتمعاته، ليست مذهباً أو فرقة، إنما هي منهج فكري في الحياة، واعتدال في السلوك، بعيداً عن الطغيان والخسران، مصداقاً لقوله تعالى: "والسماء رفعها ووضع الميزان . ألاّ تطغوا في الميزان . وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان" (الرحمن: 7-9) .

هدي رسول الله

كان على المسلم في برهة الدعوة أن يهتدي بهدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأن يتمثل الخط الذي يخطه والنهج الذي ينهجه في سلوكه تجاه نفسه وتجاه الآخرين . وكان عليه ولا يزال أن يستمع لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تجاه نفسه وتجاه الآخرين . وكان عليه ولا يزال أن يستمع لقول رسول اللّه عليه الصلاة والسلام في خياراته وألوان حياته ومعاشه، حيث كان صلى الله عليه وسلم يردد على مسامع صحابته الكرام: "خير الأمور أوساطها" . وهو الذي كان يكره الغلو ويمقت المغالين، حتى في أمور الدين . فقد روى ابن ماجة في السنن عن ابن عباس، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" . وعن جابر بن عبدالله في حديث أخرجه مسلم في الصحيح، قال: "كنا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم، فخط خطاً، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره . ثم وضع يده في الخط الأوسط، وقال: "هذه سبيل اللّه" . ثم تلا هذه الآية: "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" (الأنعام: 153) . وقال عليه الصلاة والسلام: "هلك المتنطعون" وكررها ثلاثاً . والمتنطعون هم المتشددون والمبالغون في الأمور .

الدين النصيحة"

كان على المسلم أيضاً في برهة الدعوة ولا يزال، أن يستجيب للّه ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وهي رسالة، حلت نعمة عليه لأنها موصولة بنعمة الإيمان . كما هي واجب شرعي، أمر به الإسلام وحض عليه حيث يقول تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (آل عمران: 104) .
وإذا كان على المسلم أن يتمسك بكل محفزات الخير التي شرّعها اللّه له، من تواصل العبد مع ربه في صلواته ودعائه، فقد بقيت الحاجة ماسة إلى تصويب ممارساته وتذكيره بما أنعم اللّه عليه، وحثه على الخير والشكر ونهيه عن المكر والشر، استجابة لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أخرجه مسلم في الصحيح: "الدين النصيحة" .
والدعوة إلى اللّه الواجبة على كل مسلم ومسلمة، يجب أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة . وعلى صاحبها أن يكون ذا حجة بالغة ورأي سديد، مدركاً ما ستكون عليه نتيجة دعوته، يقول سفيان الثوري: "ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن يكون رفيقاً في ما يأمر به، رفيقاً في ما ينهى عنه" . ولهذا على المسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها، حتى تصلح دعوته .
يقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون . كبر مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون" (الصف: 2 و3)، كما يقول تعالى: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم" (البقرة: 44) . كذلك يقول الشاعر القديم:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم

وإذا كانت الحياة لا تستقيم، إلاّ أن يكون فيها الناس درجات، فعلى المسلم أن يرضى بما قسمه اللّه له من نعم الإسلام، فيقنع بما يناله من نصيب، وهذه القناعة تزداد عند البعض وتنقص عند البعض الآخر . فما من أحد إلاّ وهناك من هو أغنى منه أو أفقر . وما من عالم إلاّ وهناك من هو أعلم منه وأقل علماً . يقول تعالى: "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً . ورحمة ربك خير مما يجمعون" (الزخرف: 32) .
وفي برهة الدعوة الإسلامية، كانت رسالة المسلم، كما اهتدى إليها من التنزيل العزيز ومن النبي مبلغه عليه الصلاة والسلام، وهو يسعى إلى عمارة الأرض من خلال طبيعته البشرية في الموهبة والقدرة والذوق والدور أن كل تلك النعم سوف تكون وراء الظهور مصداقاً لقوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة . وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم" (الأنعام: 94) . وقوله تعالى أيضاً: "وإن كل ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا . والآخرة عند ربك للمتقين" (الزخرف: 35) .
ولهذا كان على المسلم منذ برهة الدعوة أن ينهج في رسالته الغاية السامية التي من أجلها خلق اللّه الإنسان وهي الخلافة في الأرض، وما تستوجبه من عبادة للّه وعمارة للأرض، وما يستتبع ذلك من جزاء، مصداقاً لقوله تعالى: "وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة . ولا تنس نصيبك من الدنيا . وأحسن كما أحسن اللّه إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض إن اللّه لا يحب المفسدين" (القصص: 77) .

إضافة تعليق

13 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.