الوفاء في الإسلام يشمل الأفراد والشعوب

الحياة الطيبة لا تصنعها الثروات والممتلكات والمناصب الكبرى كما يعتقد أو يتوهم كثير من الناس الذين يتكالبون على الأموال والمناصب ويريقون ماء وجوههم، ويفرطون في كرامتهم الإنسانية، ويذلون أنفسهم لكل خلق الله من أجل متع وثروات زائلة، أو يحصلون على ما يريدون بالوسائل المتاحة لهم حتى ولو كانت رخيصة وغير أخلاقية . . لكن الحياة الطيبة تصنعها علاقات مودة ورحمة ووفاء وإخلاص وتفان في خدمة الآخرين واحترام للعهود والمواثيق التي قطعها الإنسان على نفسه، ذلك أن من شأن هذا الالتزام وذاك الحرص أن يضاعف من الثقة والتقدير بين الناس، فيطمئن كل منهم للآخر، ولا يفكر في خيانته أو الغدر به، أو التفريط في حقوقه .
من هنا أولى الإسلام القيم الإنسانية الرفيعة التي ترسي مبادئ المحبة والمودة وتوثق العلاقة بين الناس أهمية كبيرة . . وفي مقدمة هذه القيم قيمة "الوفاء" وذلك لما لها من أثر عميق ودور كبير في حياة الناس .
ومساحة الوفاء واسعة جداً في منظومتنا الإسلامية . . فالأمر لا يتعلق بعلاقة بين صديقين فحسب، وإنما الأمر يشمل جميع العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ويتجاوز الدائرة الضيقة بين فردين إلى دائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها . ويدخل في إطار الوفاء المطلوب من المسلم، الوفاء لماضي الأمة وتراثها، وتاريخها فلا يجوز للمسلم أن يتنكر لماضيه، فالذي ليس له ماضٍ لا مستقبل له . . والوفاء لماضي الأمة وتراثها لا يعني تقديس هذا الماضي وتبرئته من كل العيوب، وإنما المقصود هنا ألا يفصل المرء بين يومه وأمسه، فالزمن حلقات متصلة ومن أجل ذلك لا يجوز أن تكون هناك قطيعة مع هذا الماضي لأنه يشتمل على الجذور، وفصل جذور الشجرة عن ساقها يميتها .

إذن الوفاء للماضي كما يوضح د . محمد الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية المصري يعني الحفاظ على الهوية وتنمية الإيجابيات التي يشتمل عليها الماضي وتجنب السلبيات، إضافة إلى مراعاة متغيرات العصر، وهذا ما يطلق عليه بعضهم "الجمع بين الأصالة والمعاصرة" .
ويدخل في مفهوم الوفاء أيضا الوفاء لعلماء الأمة ومفكريها وعظمائها ممن قدموا للوطن خدمات جليلة، والوفاء لهم يكون بإحياء ذكراهم والاعتراف بفضلهم، وتعريف الأجيال الجديدة بجهدهم وتضحياتهم وعطائهم، وبذلك نقدم لهذه الأجيال نماذج مشرفة يقتدون بها ويحذون حذوها في البذل والعطاء الأمر الذي يعود بالخير على الوطن وكل من يعيش فيه .
وترتبط قيمة الوفاء في التصور الإسلامي كما يقول المفكر الإسلامي د . محمود حمدي زقزوق بالصدق والتقوى، ولذلك جاء حديث القرآن الكريم في وصف الموفين بعهودهم والصابرين بأنهم الذين صدقوا وبأنهم المتقون: "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" .

أنواع الوفاء

وإذا كان الوفاء بالحقوق والعهود والمواثيق أمراً يحتمه الإسلام فإنه لا يفرق في هذا الصدد بين المسلمين وغير المسلمين . . فالقيم الإسلامية لا تتجزأ ولا يجوز أن تطبق بطريقة انتقائية .
ومن الطبيعي أن يكون الوفاء علاقة تبادلية . . فكما تتوقع مني أن أكون وفياً معك يجب أن تكون وفياً معي أيضاً، وإلا فمن غير المنطقي ومن غير المعقول أن تطلب من الآخر أن يكون وفيا لعهودك وفي الوقت نفسه لا تفي أنت له بعهد ولا ذمة . . وفي ذلك يقول القرآن: "وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم" .
والوفاء أنواع كثيرة منها:
** الوفاء مع الله: فعلى المسلم أن يكون وفياً بعهده مع الله في أن يعبده وحده لا يشرك به شيئاً وأن يبتعد عن طريق الشيطان الذي يدفعه إلى ارتكاب المعاصي .
** الوفاء بالعقود والعهد: فالإسلام يوصي باحترام العقود وتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم" .
** الوفاء بالكيل والميزان: فالمسلم يفي بالوزن فلا ينقصه لأن الله تعالى قال: "أوفوا بالمكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم" .
** الوفاء بالنذر: فالمسلم مطالب بالوفاء بنذره وأداء ما عاهد الله عليه، ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول الحق سبحانه وتعالى: "يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا" .
** الوفاء بالوعد: فالمسلم مطالب بأن يفي بوعده ولا يخلفه . . والرسول يحذر من إخلاف الوفاء بالوعد ويعتبره من أخلاق المنافقين فيقول: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" .

فضيلة غائبة

الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق يؤكد حاجتنا، نحن المسلمين، الآن إلى استعادة قيمة الوفاء التي اختفت من حياة الكثيرين منا ليحل محلها الغدر والجحود ونكران الجميل ونقض العهود والمواثيق، ويقول: يجب أن نربي أبناءنا على قيمة الوفاء والاعتراف بالجميل والرد على المعروف بمعروف أكثر منه . . علينا أن ننفرهم من الأنانية وحب الذات وعدم الإحسان إلى من أحسن إليهم . . واجبنا أن نغرس فيهم فضيلة الوفاء بالعهود والمواثيق وأن نذكرهم دائماً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا دين لمن لا عهد له" . . وعدم الوفاء والغدر والجحود يدمر العلاقات بين الناس، أفرادا كانوا أو جماعات .
والتربية على قيمة الوفاء تحمي الإنسان من كل صور الغدر والخيانة وتجعله عزيزاً كريماً محبوباً من كل الناس، لأن الوفاء بالعهد من أهم المبادئ التي تحقق التوازن في شخصية الإنسان ونقض العهد يؤدي إلى الضياع والخسران .
ويوضح الشيخ عاشور أن العهد نوعان: عهد مع الله، وعهد مع الناس . . فأما عهد الله فهو الالتزام بشرعه وما عاهد المسلم ربه عليه . . وأما العهد الذي مع الناس فيكون بالتمسك بالالتزامات الصحيحة التي ينبغي التمسك بها بينهم في سائر العلاقات والمعاملات، فالله سبحانه وتعالى يقول: "وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" . . وأما بالنسبة لما بين الناس فقد قال الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" .

نقض العهد

ونقض العهد خلق سيئ لا يليق بمسلم، فهو يعمل على اهتزاز ثقة الآخرين به وإساءة العلاقات معهم، وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقض العهد من علامات النفاق فقال في الحديث الصحيح: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذ حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" .
وهنا يحذر الشيخ عاشور من القيم السلبية التي سيطرت على سلوك الشباب الآن حيث اختفت من حياة الكثيرين منهم صفة الوفاء وأصبح كل إنسان يبحث عن مصالحه الشخصية بعيداً عن مصالح وحقوق الآخرين وهذا السلوك غير السوي من شأنه أن يفسد العلاقة بين الأجيال الجديدة من المسلمين ويضعف الثقة فيهم وهذا ما ينبغي أن نوضحه لأبنائنا من خلال التربية المنزلية ومناهج الثقافة الإسلامية في المدارس . . وهو أيضاً ما ينبغي أن يركز عليه الدعاة وخطباء المساجد في كل خطبهم ودروسهم الدينية، فالالتزام السلوكي مهم جداً في حياة الإنسان، ولو تركنا أبناءنا ينساقون وراء النزوات والرغبات الشخصية والأهواء والقيم السلبية التي شاعت في حياتنا فنحن نعرضهم للضياع فالإنسان الوفي هو الذي يعيش سعيداً بين الناس فهم يثقون به ويقبلون على التعامل معه، ولا يرتابون في وعده، وإنما يصدقونه، ويحبونه، ويخلصون له الود، وشخصيته بينهم مرموقة، فهو موضع تقديرهم واحترامهم، ويبادلونه حبا بحب ووفاء بوفاء .
وينتهي الشيخ عاشور إلى أن القيم الإسلامية هي التي توفر الحماية والحصانة لشخصية الإنسان من كل ما يغزو مجتمعاتنا الآن من قيم سلبية أفسدت علاقتنا وحولت كل شيء في حياتنا إلى منافع شخصية وأهواء ذاتية .
والوفاء ليس قيمة فردية مطلوب من الناس أن يتحلوا بها في علاقاتهم ومعاملاتهم اليومية فحسب . . بل الوفاء بالعهود مطلوب بين الأمم والشعوب حتى يعم الأمن والسلام والاستقرار العالم كله ويسود الوئام ين كل الناس . . وهنا تتجلى عظمة الإسلام وقيمه الحضارية حيث يؤكد على ضرورة الوفاء بالعهود والمواثيق بين الدول، ويفرض على المسلمين التزاماً أخلاقياً في كل معاملاتهم وعهودهم ومواثيقهم مع الآخرين .

إضافة تعليق

2 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.