اليهودية، الديانة التوحيدية الأقدم (الجزء الأول)

تعتبر اليهودية الأقدم في الديانات التوحيدية الإبراهيمية القائمة اليوم، نسبة إلى إبراهيم (1800 ق.م.)، لكن اليهودية تنسب إلى موسى (1250 ق.م.). وممن نعرف في القرآن قبل موسى وبعد إبراهيم، إسماعيل وشعيب، إلا أنّنا لا نعرف لهما اليوم كتبًا وأتباعًا. وقد يكون النبي شعيب (يثرون)، أو حفيده الذي يحمل الاسم نفسه وهذا هو المرجح، هو والد زوجة موسى، كما في القصة الواردة في القرآن والتوراة عن هروب موسى وزواجه!

وتولى مع موسى ومن بعده قيادة بني إسرائيل أخوه هارون، ثم يوشع بن نون المشار إليه بفتى موسى في قصة موسى والخضر في سورة الكهف. وبعد وفاته قاد الشعب اليهودي طبقة من القضاة، كان آخرهم شاؤول (طالوت). ثم أسس داود الذي كان فتى في جيش طالوت وقتل جالوت، مملكة إسرائيل في القدس، وخلفه ابنه النبي سليمان. وبعد وفاة سليمان العام 975 ق.م.، انقسمت الدولة اليهودية إلى مملكتين: الأولى، هي الجنوبية "يهودا"، بقيادة رحبعام بن سليمان، وعاصمتها القدس. وقد انتهت هذه الدولة العام 586 ق.م. على يد نبوخذ نصر البابلي. والثانية، هي مملكة شومرون الشمالية وعاصمتها نابلس. وقد انتهت بعد مائتين وخمسين سنة (722 ق.م) من قيامها على يد الآشوريين، بقيادة سرغون الثاني.

حسب موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، فإنّ اليهودية تستمد شرائعها وعقائدها الأساسية من التوراة؛ وهي أول خمسة أسفار من الكتاب المقدس. وأهمّ تعاليم الديانة اليهودية وعقيدتها، الإيمان بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد. وقد خلق جميع الناس على صورة الله الذي يستحق المعاملة بكرامة واحترام. ويعبد اليهود الله بالدراسة والصلاة ومراعاة الوصايا التي أوردتها التوراة. ويمكن أن يفهم هذا الإيمان بالعهد التوراتي على أنّه "عهد" الشعب اليهودي"وشهادته" "ورسالته".

اليهودية ليست ديانة تبشيرية نشطة. ويعتبر الشخص يهوديًّا إذا كانت أمه يهودية، أما إذا كان والد طفل يهوديًّا وأمه غير يهودية فلا يعتبر يهوديًّا. ويجري القبول في اليهودية بقرار السلطات الدينية اليهودية صاحبة الشأن. ومسألة اعتناق الديانة ليست مجرد مسألة تحقيق معرفة ذاتية شخصية.

ويعرض عمر أمين مصالحة في كتابه "اليهودية ديانة توحيدية أم شعب مختار"، التيارات اليهودية ذات التأثير في المجتمعات اليهودية، ومنها الأرثوذكسية اليهودية التي ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، وجاءت ردة فعل على التيارات التحررية الإصلاحية بين اليهود. وبالرغم من أنّ الأرثوذكسية كانت مناهضة للصهيونية، فإنّها هذه الأيام تقاربت معها. وهناك "الحريديم" التي يمتاز أتباعها بمظهرهم الخارجي الخاص بهم، ولهم معاهدهم التعليمية الخاصة؛ و"الحسيدية" التي بدأت في جنوب بولندا وفي أوكرانيا في القرن الثامن عشر. و"القابالاه"؛ أي الصوفية التي تدور في إطار توحيدي، يصدر عن الإيمان بالله الذي يتجاوز الإنسان والطبيعة والتاريخ، والثنائيات الدينية.

ومن الفئات الاجتماعية عند اليهود "الكهنة". ويجب أن يكون حامل هذا اللقب من نسل هارون أخي النبي موسى. والذي يلقب بالكاهن، تنطبق عليه المحظورات المختلفة، ويتمتع بمزايا خاصة، مثل تلاوة التوراة في الكنيس اليهودي. و"الكهنة" طبقة مغلقة، لا يستطيع أحد من خارجها الانتماء إليها. فيما لا يحق للكهنة امتلاك أرض، أو أن يرثوا مالًا، لكنهم معفون من الضرائب.

كذلك، يوجد في المجتمع اليهودي "القراؤون" الذين يعتبرون أنفسهم اليهود الحقيقيين، ويعتبر عنان ابن داود المؤسس لهذه الطريقة. ويعتقد أنّها حركة تأثرت بالإسلام، مثل إبطال نجاسة الميت، وتحريم شرب الخمر، وأحكام المحارم والميراث، وعادات الوضوء والاغتسال قبل دخول المعبد. وهناك "الفلاشا"، وربما يكون أصل التسمية "فلسطين"، وهم يهود إثيوبيا. ويعود أصلهم إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وربما جاؤوا من صعيد مصر، أو ربما من الذين استوطنوا إثيوبيا ويؤمنون بالعناصر اللاهوتية المشتركة بين المسيحيين واليهود في إثيوبيا. و"الجعزية" هي لغة العبادة بين اليهود والمسيحيين هناك. وبالرغم من اعتراف الحاخامية بالفلاشا، إلا أنّ الاعتراف لم يكن كاملاً، حتى أنّ مدينة إيلات رفضت أن تمد لهم الماء والكهرباء، لأنّها مدينة سياحية ووجودهم لا يجتذب السياح. فيما ترفض جماعات "الفلاشا" أن تبعث أولادها إلى المدارس الدينية، ويقال إنّ هناك تقاربًا بعقيدتهم مع المسلمين. لكن "الفلاشا" اندمجت فيما بعد مع المؤسسات الحديثة، وظهر نموذج الفلاشي الجديد المتعلم الذي يتولى أمور الجماهير ويدافع عن حقوقهم.

الأصولية اليهودية

تصاعدت الظاهرة الأصولية اليهودية وبدأت تؤثر في المجتمع والسياسة في إسرائيل، وبالطبع فإنّ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين عام 1995 يعتبر المؤشر الأهم على خطورة الظاهرة، ولكن تأثير الأصولية اليهودية يتعدى ذلك إلى موجة خطيرة تهدد إسرائيل والعالم بسبب نفوذها المتنامي في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وفي كتابهما "الأصولية اليهودية في إسرائيل" يقدم البروفيسور إسرائيل شاحاك الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس (توفى عام 2001) واليهودي الأمريكي نورتون متسفينسكي رؤية ودراسة مفادها أنّ ظاهرة الأصولية اليهودية هي أكثر الاتجاهات تأثيرًا وخطورةً في إسرائيل.

ينقسم اليهود من حيث علاقتهم بالدين إلى ثلاثة أقسام: العلمانيون ويشكلون ما بين 25 - 30% من اليهود، والتقليديون ويشكلون 55 - 50% من المجتمع، والمتدينون ويشكلون حوالي 20% من السكان، وينقسم المتدينون إلى قسمين: المتطرفون الحريديم (والحريديم هي جمع حريدي وتعني التقي) ويمتاز هؤلاء بارتداء القبعات السوداء غير المشغولة والملابس السوداء، أما القسم الثاني من المتطرفين اليهود فهم المتدينون القوميون، وهم ذوو الطواقي المشغولة.

ويتوزع تأييد الحريديم السياسي على حزبين رئيسيين هما يهدوت هاتوراه (يهودية التوراة وهو حزب الحريديم الأشكناز القادمين من أوروبا الشرقية، أما الحزب الثاني فهو حزب السفارديم (حراس التوراة) الشهير باسم شاس، وهو حزب الحريديم الشرقيين أو السفارديم الذين قدموا إلى فلسطين من الدول العربية.

أما المتدينون القوميون فينتظمهم بشكل أساسي الحزب الديني القومي (المفدال)، وهو الحزب الأنشط في مجال الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية.

أدى النجاح السياسي المدوي للحريديم في انتخابات عام 1988 إلى ظهور هؤلاء باعتبارهم قوة سياسية تأكدت وترسخت في التسعينات بسبب نجاحاتهم المتواصلة في الانتخابات، ولفت ذلك الانتباه إليهم وبخاصة في الولايات المتحدة، ونشرت عنهم الكثير من الكتب والدراسات باللغة الإنجليزية.

كيف حصلت الأحزاب الحريدية على نفوذها السياسي؟ وما البناء التنظيمي الذي استخدمه الحريديم من أجل تحقيق نجاحهم السياسي؟

ربما يقدم الاهتمام بالتعليم الإجابة على السؤالين السابقين، فقد سيطر الحريديم مباشرة أو على نحو غير مباشر على شبكات تعليمية كبيرة في إسرائيل، مما مكنهم من الانتقال من الهامش السياسي إلى القلب، وتجدر الملاحظة هنا إلى أنّ الثقل السياسي للحريديم يتركز في اليهود الشرقيين.

فقد كان اليهود المتدينون حتى عام 1948 يعتبرون الصهيونية وهجرة اليهود إلى فلسطين بدعة إشكنازية، ولذلك فإنّ مؤسسي إسرائيل هم من الأشكناز العلمانيين أو التقليديين، ويلاحظ كذلك أنّ التدين والفقر والتهميش كانت من السمات الغالبة على اليهود الشرقيين في مرحلة التأسيس، بينما هيمنت العلمانية على الأشكناز الذين شكلوا الطبقة الحاكمة والغنية والمتنفذة في الدولة الناشئة.

وشجع التمييز والإهمال اليهود الشرقيين على إنشاء مدارس دينية خاصة بهم شكلت فيما بعد قاعدة لحزب شاس الذي حصل على دعم مالي كبير استخدم في بناء المدارس، وتمويل المنقطعين للدراسات الدينية، وبناء مجموعات كبيرة من المؤيدين والمتطوعين في العمل السياسي لصالح الحزب، واستطاع شاس أن يكون الحزب السياسي الشرقي الوحيد في الوقت الذي فشلت فيه محاولات العلمانيين الشرقيين في الحصول على تأييد الإسرائيليين.

ويعبر عن اليهود القوميين الأشكناز الحزب الديني القومي، وجماعة غوش إيمونيم الاستيطانية التي حصلت على دعم كبير من وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي شمعون بيريز الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في حكومة إسحق رابين الأولى(1977- 1974) وتحولت الجماعة الاستيطانية إلى قوة سياسية واستيطانية كبيرة ومؤثرة.

وتقوم فكرة الحزب على تعاليم القبالاة (الصوفية اليهودية) التي تبلورت بين اليهود الأشكناز في القرن السابع عشر الميلادي والتي تتضمن أفكارًا مبالغًا في عنصريتها تجاه غير اليهود.

وعلى عكس جماعات اليهود الشرقيين المتدينين فإنّ الحزب القومي الديني وذراعه الاستيطانية غوش إيمونيم يشجعون منتسبيهم على الانخراط في الجيش، وكان ضباطهم وجنودهم الأكثر تميزًا في القتال، وأقاموا جامعة بار إلان التي تدرس إضافة إلى التعليم التخصصات الأكاديمية الأخرى.

ويمثل باروخ غولدشتاين نموذجًا للتفكير والسلوك الأصولي اليهودي، فهذا اليهودي القادم من الولايات المتحدة اقتحم المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1994 وقتل 29 شخصًا من بينهم أطفال أثناء أدائهم صلاة الفجر.

وكان غولدشتاين طبيبًا في الجيش الإسرائيلي، وقد رفض مرات عدة معالجة العرب حتى الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، وقد فشلت محاولات محاكمته لرفضه الأوامر العسكرية مرات كثيرة، وبعد خلاف كبير مع المسؤول الطبي للجيش نقل للعمل في مستوطنة كريات أربع بالرغم من أنّ سلوكه يعد تمردًا وخيانةً.

وكان على الرغم من عصيانه مرشحًا للحصول على ترقية شرف من كابتن إلى ميجور، وكان مفترضًا أن يمنحه رئيس إسرائيل الترقية في 14 أبريل 1994، ذكرى قيام إسرائيل، لكنّه قتل بعد تنفيذه المذبحة على يد المصلين الذين اندفعوا لمنعه من مواصلة جريمته.

ولم تعتذر الحكومة الإسرائيلية عن المذبحة، وبرر ما قام به غولدشتاين مثل أنّه تعرض لضغوط لا تحتمل وأنّ المسؤول عن المذبحة هم العرب!!. وقد رتبت جنازته بعناية فائقة لم يكن فيها إنكار للمذبحة، وغطيت جدران كثير من الأحياء بالملصقات التي تمجد غولدشتاين وتأسف لأنّه لم يقتل المزيد من العرب، وكان الأطفال يرتدون قمصانًا كتب عليها "غولدشتاين شفى أوجاع إسرائيل" وتحولت الكثير من الحفلات الموسيقية الدينية والمناسبات الأخرى إلى تظاهرة لتحية غولدشتاين، وسجلت الصحف العبرية هذه الاحتفالات بتفصيل ممل. وأعلن الكثير من المستوطنين والأعضاء في الحركات الأصولية تأييدهم لما فعله غولدشتاين في مقابلات صحفية وتلفزيونية، وأثنوا عليه بوصفه شهيدًا ورجلاً قديسًا. وقام الجيش بتوفير حرس شرف لقبره، وأصبح القبر مكانًا يحج إليه الإسرائيليون من كل مكان.

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.