اليهودية، الديانة التوحيدية الأقدم (الجزء الثاني)

الشخصية اليهودية:الشخصية اليهودية ليست جامدة أو ثابتة على مدار التاريخ، ولذا ينبغي التعامل معها ضمن التبدلات الاجتماعية ومتغيراتها، مع ملاحظة التراث اليهودي وأثره في تركيب الشخصية اليهودية وتوجيهها. ربما تكون هذه العبارة هي الحكمة الأساسية التي يخرج بها القارئ لكتاب عز الدين عناية «الاستهواد العربي» وهي مسألة في غاية الأهمية في إدارة الصراع والعلاقة القائمة اليوم مع إسرائيل، لأنّ فهم هذه التحولات وإدراكها يساعد كثيرًا -بل وعلى نحو حاسم- في تحديد الأهداف المرغوبة والممكن الوصول إليها في تسوية الصراع. ويرى عز الدين عناية أنّ الاستهواد العربي الحديث في تناوله موضوع الميثولوجيا في التوراة حاول فصل هذه المقطوعات عن سياقها البنيوي العام وفحصها منفصلة، مما يوحي باستقلالية بينها، في حين تخضع المقطوعات الأسطورية التوراتية لمنطق موحد وجامع، اشترك فيه اليهود مع شعوب عدة كانت في درجة السلم الحضاري نفسها، مما أفضى إلى أن تسيطر على ذهنيته مفاهيم إحيائية وطوطمية كانت وسيلته لتفهم العالم. كان التسرب الأسطوري إلى اليهودية متداخلاً وغامضًا ومتدرجًا، ثم تكرس عبر الزمن، ومن خلال كتّاب متعددين وفي مراحل تاريخية مختلفة، وتتداخل الأساطير الذاتية الخاصة بالشعب العبري مع أساطير الشعوب الأخرى، ثم جرى تنسيق ذلك مع حركة التدوين. ويناقش كتّاب قضية الأضحية في التوراة، مثل محمد أحمد الطالبي، ومحمد أحمد حسن "مصر والعرب وإسرائيل" وعلي عبد الواحد وافي "الصوم والأضحية بين الإسلام والأديان السابقة" ويظهر فيها عمق تأثير الأديان المجاورة في الديانة اليهودية، فتذكر الأسفار اليهودية تقديم قرابين بشرية، مثل الملك آخاذ (853 ق.م) الذي قدم ابنه قرباناً للآلهة. تعامل الاستهواد العربي مع هذه القضايا وغيرها من منطلق تيارين، الدعوي يحاكمها إلى القرآن والمصادر الإسلامية، مثل الشيخ محمد سيد طنطاوي (بنو إسرائيل في القرآن والسنة) وأما كمال الصليبي (خفايا التوراة) فإنّه يحاول تفسير الوقائع حسب الإمكانيات العقلية والإدراكية لمنتجيها وأصحابها باعتبارها قصة حقيقية ومعيشية. ولكن غلب على التيار النقدي رفض هذه الأساطير دون تفهم اللامعقول التوراتي والتعامل معه من داخل شروطه التي نشأ في حضنها، أي إدراك الأبعاد التي سيطرت على التجربة الدينية لدى الإنسان في بداية وعيه الديني. كان الاهتمام العربي بالتلمود متأخرًا ومحدودًا، واعتمدت القراءة الحديثة على نص مترجم لكاتب ألماني اسمه روهلنغ، ترجمه يوسف نصرالله ونشر سنة 1899، ولكن عبدالعزيز الثعالبي "محاضرات في تاريخ المذاهب والأديان" نبه إلى خطأ الاعتماد على هذا المصدر المسيحي الوحيد وخطورته، وأشار إلى أنّ التلمود ليس مدونة عدائية ضد الإنسانية، بل هو مدونة فقهية دينية، وقال إنّ قسم المعاملات في التلمود فيه من الأحكام ما لا يختلف كثيرًا عمّا هو مدون في الفروع من الأحكام الفقهية الإسلامية، ولكنّ الفكرة المسيحية التي راجت في فترة العداء المسيحي- اليهودي تسربت إلى العرب في أجواء العداء العربي اليهودي. ولا يبدو ثمة اختلاف للتيار الدعوي بين اليهودي المناهض للدعوة الإسلامية في عهد النبوة وبين الإسرائيلي في القرن العشرين على الرغم من الفارق الزمني والاختلاف الظرفي بين الحدثين، انظر على سبيل المثال كتاب صلاح الخالدي "الشخصية اليهودية" وأما التيار النقدي فهو متأثر بانعكاسات حركة اللاسامية، ولهذا فقد جاء البحث في خفايا الشخصية اليهودية تكراراً لتمثلات الفكر الغربي في هذا المجال والتي ركزت على تحليل سلوكي لليهود قائم على الانطوائية والعنصرية. وهكذا فإنّ العربي الحديث في رؤيته لليهودي يرزح تحت ثقل تراث طويل ومتراكم بفعل العداء المسيحي اليهودي بالإضافة إلى العداء الإسلامي اليهودي، ويتجاهل الظروف التاريخية التي تعرض لها اليهود وبخاصة في الغرب ووقوعهم تحت هيمنة سلطوية دينية مغايرة فرضت عليهم تقسيماتها للفئات الاجتماعية.

الصهيونية المؤسسة لدولة إسرائيل! الحركة الصهيونية ليست جزءًا من التاريخ اليهودي وإنّما هي جزء من تاريخ الإمبريالية الغربية، فهي الحل الاستعماري للمسألة اليهودية، ولم يكن اليهود المؤسسون للصهيونية وإسرائيل متدينين، وفي عرضه لسيرته وطريقة تفكيره يقدم الدكتور عبد الوهاب أدوات معرفية مهمة في فهم قيام دولة إسرائيل وعلاقتها بالغرب، تصلح لمناقشة فكرة يهودية الدولة القائمة اليوم. كان تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية علمانيًّا، ولم تكن زوجته يهودية، وقد تنصر أولاده من بعده. وكان يحتفل بعيد الميلاد (الكريسماس) ولم يكن يتناول الكوشير (الطعام اليهودي وفق الشريعة اليهودية). وكان من الناحية الثقافية ابن عصره الغربي، فكان يجيد الألمانية والإنجليزية والفرنسية والمجرية، ولم يكن يعرف العبرية. واضطر إلى أداء الصلاة اليهودية لأول مرة في المؤتمر الصهيوني (1897) مجاملة للحاخامات المشاركين. وتعلم بعض الكلمات العبرية، وقد بذل ـ حسب قوله ـ مجهودًا كبيرًا كي يتعلمها يفوق الجهد الذي بذله في إدارة جلسات المؤتمر.

ولكن يمكن أن يقال: كيف استطاع الوصول إلى رئاسة الحركة الصهيونية؟ الواقع أنّ هرتزل تعود خبرته لا إلى معرفته باليهود، وإنّما بالشخصيات الاستعمارية وموازين القوى العالمية والتشكيل الاستعماري الغربي. اكتشف هرتزل أنّه يمكن للغرب التخلص من اليهود عبر تحويل هجرة اليهود من العالم الغربي إلى مكان ما خارج حدوده، حيث يمكن توظيفهم لصالح الغرب الذي لفظهم، وهذه هي المفارقة الكبرى في حالة الصهيونية.

وقد أدرك هرتزل أنّه لا بد من اللجوء إلى الاستعمار الغربي باعتباره الآلية الوحيدة لتنفيذ مشروعه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، فقام بتأسيس المنظمة الصهيونية ليفاوض القوى الاستعمارية باسم يهود العالم، ولكن منظمته لم تكن تمثل إلا أقلية من اليهود لا يعتد بها، فكان العنصر الحاسم هو الدولة الاستعمارية الراعية وليس المنظمة، فتجاهل منظمته، وبدأ بحثه الدائب عن قوة غربية ترعى المشروع. ولم يكن المؤتمر الصهيوني الذي عقد في بال عام 1897 ونسجت حوله الأساطير مؤتمرًا سريًّا خطيرًا، ولكنّه نشرت وثائقه في الصحف، وحضره أشخاص أسماؤهم جميعًا ووظائفهم معروفة، وكان معظمهم من يهود أوروبا الشرقية وينتمون إلى جمعية صهيونية واحدة، وكان معظم الحضور من الطبقة الوسطى وربعهم من رجال الأعمال والباقي من الأدباء والطلبة. وكان بينهم ملحدون واشتراكيون وأحد عشر حاخامًا، فقد كانت المرجعية الدينية اليهودية تحرم العودة إلى فلسطين. وقد وصف روتشيلد هذه المجموعة بأنّهم مجموعة من الصغار والشحاذين والمغفلين الذين يقودهم هرتزل. كان هدف المؤتمر المعلن هو إقامة وطن قومي لليهود ترعاه واحدة أو أكثر من الدول الكبرى، وكان المؤتمر وكذلك المؤتمرات التالية علنية حضرها مراقبون غير يهود وممثلون لوسائل الإعلام.

وأصبح الحديث عن سيطرة اليهود واللوبي الصهيوني على الإعلام ومؤسسات صنع القرار في الغرب من ثوابت الخطاب السياسي والإعلامي العربي، ولكن السيطرة الإعلامية سببها الحقيقي هو أنّ الصهيونية جزء من التشكيل الاستعماري الغربي، ولم تكن هذه السيطرة بسبب الثراء والمخططات اليهودية. فاللوبي الصهيوني وإمكانياته الإعلامية والاقتصادية هي أداة الغرب الأقل كلفة؛ دولة وظيفية عميلة للولايات المتحدة تؤدي كل ما يوكل إليها من مهام، تشبه العلاقة بين فرنسا والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر، وبين بريطانيا والمستوطنين الإنجليز في روديسيا. فقوة الحركة الصهيونية تنبع من أنّها تخدم المصالح الأميركية، وهكذا يجب أن يفهم سر سطوة الإعلام الصهيوني، وسر نفوذ اللوبي الصهيوني. فالحركة الصهيونية ليست جزءًا من التاريخ اليهودي، ولا هي جزء من التوراة والتلمود بالرغم من استخدام الديباجات التوراتية والتلمودية. وإنّما هي جزء من تاريخ الإمبريالية الغربية، فهي الحل الاستعماري للمسألة اليهودية. ولذلك فإنّها لم تظهر بين يهود اليمن أو المغرب، وإنّما ظهرت بين يهود الغرب، ولم تظهر بينهم في العصور الوسطى على سبيل المثال، وإنّما في أواخر القرن السابع عشر مع ظهور التشكيل الاستعماري الغربي وبدايات استيطان الإنسان الغربي في العالم الجديد وفي آسيا وأفريقيا. وقد ظهرت في بداية الأمر بين مفكرين استعماريين غير يهود، ثم تبناها بعض المثقفين اليهود من شرق أوروبا ووسطها. لقد كانت فكرة الدولة اليهودية في فلسطين استعمارية أطلقها قادة استعماريون يكرهون اليهود، وقبل وجود تأثير يهودي في الغرب، مثل نابليون وبسمارك وبالمرستون وبلفور.

إضافة تعليق

12 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.