اليوم الثامن

كان من أهم فعاليات اليوم الثامن لمعرض الكتاب الندوة التي أقيمت ضمن فعالياته الثقافية حول "الملكية الفكرية بين القانون والتطبيق" وتحدث فيها كل من السادة محمد عدنان سالم مدير دار الفكر والدكتور جورج جبور النائب في البرلمان السوري والمحامي ربيع خشانة .
وليس سرا القول ان نسبة الكتب الورقية المزورة والتي يتم السطو على حقوق مؤلفيها في وضح النهار تبلغ حوالي 70%، أما البرامج الإلكترونية المستنسخة بالخفاء بعيداً عن سطوة القانون واحترام حقوق المؤلف الفكرية فتبلغ نسبة 90%، والأشرطة نسبة 99%. وحين نقرأ هذه الأرقام المذهلة، علينا أولاً أن نتساءل عن مكانة الثقافة والإبداع والحقوق الأولية للمؤلفين والناشرين وتجارة الفكر والمعلومات، ولماذا لا يتم وضع حد لقراصنة الفكر والإبداع ومعاملتهم كما يعامل اللصوص، وفقاً للقوانين المرعية في الدول العربية، والخاصة بحماية حقوق المؤلف.
عن هذه التساؤلات يقول الاستاذ محمد عدنان سالم في كلمته :
سرقة الأفكار وسرقة الأمصار
أكثر من 65% من حجم تداول الكتاب الورقي، وأكثر من 90% من الأقراص والبرمجيات المتداولة في وطننا العربي يعود ريعها سحتاً وعدواناً إلى جيوب القراصنة، ضمن ثقافة اجتماعية سائدة تستبيح حق المؤلف؛ تعده ملكاً مشاعاً كالماء والهواء، وتزغرد للقراصنة؛ ترى في سطوهم على حق المؤلف خدمة اجتماعية، توفر لها المعرفة والعلم الشريف بالسعر الأرخص، وليتجرع المؤلف والإبداع مرارة الجوع والعوز، أو ليذهبا إلى الجحيم..
ويعيش المؤلف في الغرب حياة كريمة من ريع كتاب واحد، ألفه، وتتضاءل نسبة الاعتداءات على حق المؤلف إلى ما يقارب الصفر، ويرتقي حق المؤلف في المجتمع الغربي إلى مرتبة القداسة، ويتولى الضمير الاجتماعي حراسته؛ فلا يكتفي برفض شراء المقلد والمنسوخ إذا عرض عليه، أو استخدامه إذا أهدي إليه، بل إنه يستدعي الشرطة على عجل لضبط جريمة سرقة مكشوفة؛ هي أخطر في نظره من سرقة مال أو متاع. وتكاد القضايا المنظورة أمام القضاء في الغرب تنحصر في خلافات شكلية ملتبسة أحياناً حول الأحقية، ونطاقها الجغرافي أكثر من الاعتداء على الحق ذاته..
لقد عشت سحابة عمري أومن بقيم الحق والعدل والحرية والمساواة قيماً إنسانية ثابتة شاملة؛ لا تقبل من التغيير والتطوير إلا مايزيدها ثباتاً ورسوخاً، ولا من التجزئة والتنوع إلا ما كان على سنة التنافس بين الأمم؛ أيها أكثر تشبثاً بها، وابتكاراً لوسائل تيسر تطبيقها على النحو الأفضل والأسمى والأكثر فاعلية..
وكنت أنوس دائماً بين الصورتين اللتين عرضتهما.. أرى في احترام الحق الفكري سمة من سمات التحضر، وفي مدى صونه أو استباحته معياراً يحدد مستوى الأمة الحضاري ومدى تقدمها أو تخلفها في معارج الحضارة.
غير أني أرى من واجبي أن أعترف أمامكم ولأول مرة، أن ما لا زلنا نعانيه من همجية العدوان الغاشم على الأمة العربية وعلى الإنسانية بأسرها من خلال لبنان وفلسطين؛ قد هزت قناعتي، وقلبت موازين التحضر لديَّ رأساً على عقب.
فلا يمكن لإنسان أن يكون في أعلى ذرا التحضر في مجال حماية الحقوق الفكرية، ثم يكون في الوقت ذاته في أعمق حضيض التخلف فيما بقي من القيم والحقوق الإنسانية.
لقد أكد لي هذا العدوان الهمجي الغاشم أن الحضارة سلة من القيم والحقوق الإنسانية، قد تتفاوت فيما بينها في مدى الالتزام والتطبيق، مثلما تتفاوت علامات الطالب في الامتحان؛ يدعم تفوقُ الطالب في بعضها ضعفَه في بعضها الآخر، لكنه يعجز عن حمايته من السقوط إذا تدنى في بعضها إلى درجة الصفر.
ما عسى تفوُّق الحضارة الغربية في العلوم وتكنولوجيا الفضاء والاتصالات، أن يغنيها في ميزان التحضر والارتقاء – مهما ألحت على حفظ حقوقها الفكرية في الابتكار والاختراع- حين يتردى سجلها الأخلاقي في حقوق الإنسان وقيمه العليا، ليسجل أعلى الأرقام، ولكن على الطرف المقابل تحت الصفر؛ يسجله باللون الأحمر للدلالة على قيمته السالبة؟!
لكن الحضارة الغربية التي تقودها أميركا الآن إلى الهاوية، تبدو مولعة بالأرقام القياسية، لا فرق عندها أن تكون سالبة أو موجبة، باللون الأزرق أو الأحمر؛ فهي مصابة بداء عمى الألوان الخَلقي الذي ابتليت به منذ الولادة.
أما قوانين التاريخ، وسنن الله تعالى في التقدم البشري على طريق التخلص من الفساد وسفك الدماء؛ تلكما الرذيلتان اللتان توجست منهما الملائكة منذ أن كان الإنسان مشروعاً للخلق عرضه الخالق عليها، فإنها ترى الأرقام على حقيقتها بعين بصيرة؛ تذهب بالقيم السالبة والممارسات الخاطئة إلى حاويات الإهمال في متاحف التاريخ، تعدها انتكاسات عابرة سيتجاوزها الإنسان مواصلاً تقدمه كادحاً إلى ربه كدحاً فملاقيه..
ومع عمى الألوان المزمن والخلقي لدى سدنة الحضارة الغربية، فهي لا ترى الأمور إلا بلونها الواحد، ولا ترى العلاقات مع الآخرين إلا في اتجاه واحد ينطلق من مصالحها، ولا ترى البقاء إلا للأقوى في عضلاته وفي أنيابه؛ محقاً كان أم مبطلاً، شأن مجتمعات الغاب..
وبهذا المنطق الأناني المستأثر راحت تستكشف وتستعمر، وتقتل وتنهب الثروات، حتى إذا استيقظ ضميرها فجأة إثر مذبحة ارتكبتها بحق اليهود، ورغبت بالتكفير عن ذنبها، فوضتهم بارتكاب سلسلة من المذابح، ليس في مرتكب الجريمة، بل في شعب فلسطين الآمن الذي اختارته لهوايتها المفضلة، ليستمر الظلم والقتل والعذاب والتهجير، سمةً بارزة من سماتها.
وبهذا المنطق، راحت تطلق أكذوبة حق إسرائيل في الوجود الذي فرضته إثر مذابح دير ياسين وقبية ودير البلح، ثم صبرا وشاتيلا وقانا، وكل التراب الفلسطيني واللبناني، على يد منظمات الهاغاناه وشتيرن والأرغون الإرهابية. حتى إذا أحكمت سيطرتها على الأرض، تحولت منظماتها الإرهابية إلى دولة للإرهاب، يقودها زعماء المنظمات أنفسهم؛ يدعمهم ويبرر جرائمهم سدنة حضارة الغرب.. أي حضارة !! وأي زيف!!
وترويجاً لهذا الزيف، ابتكرت حضارة الغرب قاموساً يلبس الحق بالباطل، ويضع المصطلحات، ثم يضفي عليها معاني وقيماً جديدة تربطها بالمصالح؛ مصالحها الخاصة طبعاً، متجاهلاً كل مصالح الآخر. وعلينا أن نعترف بأن هذا القاموس الزائف هو من ابتكار حضارة الغرب بلا منازع، وعلينا أن نحمي حقه في تأليفه، وأن نمتنع عن تقليده، ونحاسب من يردده كالببغاوات من قادتنا ومثقفينا.
أصدقكم القول: لقد كفرت بقاموس الغرب، وكل مصطلحاته.. كفرت بالنظام الدولي الجديد، وبالشرعية الدولية التي تشرعن الظلم، وتنكر على المظلوم حقه في الدفاع عن نفسه؛ حتى بالحجر الذي يلتقطه من بقايا بيته المهدم..
كفرت بالأسرة الدولية؛ التي تصفق للظالم، وهي تتفرج على مشاهد التدمير والإبادة الجماعية، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ وترويع الآمنين، ثم تمنحه الفرصة تلو الفرصة لإكمال مهمته مستمتعة بفظاعة المشهد.
كفرت بديمقراطية حق الفيتو، والانتقاص من سيادة الشعوب وحقها في تقرير المصير..
كفرت بكل مفردات القاموس الغربي؛ مهما تقمصت من تعابير العلم والتقدم والارتقاء..
كفرت بقاموس الغرب، مهما اعتمده القادة العرب، وحفظوه عن ظهر قلب، كما يُحفظ الكتاب المقدس..
كفرت بالغرب وحضارته وقواميسه، وسأتحمل راضياً مسؤولية كفري.
وآمنت بالإنسان الذي أثق أنه سيواصل سعيه لأداء الأمانة التي عرضها الخالق على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
وسوف لن أتوانى عن الدفاع عن حق الغرب في تأليف قاموسه الفريد، بكل ما يحفل به من زيف وباطل. لأني أومن بحق المؤلف في نسبة عمله إليه، وردع المقلدين عن انتحال ما ليس لهم به غير علاقة التقليد.
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |




















إضافة تعليق