امتياز ثقافي عالمي ...هل سيحركنا باتجاه الكتاب ؟

إن من يتابع حركة القراءة في العالم العربي قد يخلص إلى نتيجة مفادها أننا أمة لم تعد تحب الكتاب، أو لم تعد تقرأ الكتاب ولا فرق بين الاثنتين لأن النتيجة واحدة وهي المذكورة آنفاً..
وربما كان الانشغال بهموم الحياة اليومية والانصراف إلى ما يمكن أن يؤمن قوت اليوم لدى البعض أو ما خلقته الثقافة الالكترونية من بديل لثقافة الكتاب لدى البعض الآخر أسباباً تقف وراء تراجع الاهتمام به، إضافةً إلى عوامل أخرى متعددة قد تكون شخصية وفردية في بعض الأحيان.
وإن بعض التظاهرات الثقافية قد تذكرنا ويجب أن تذكر الجهات والمؤسسات المعنية بشؤون الكتاب للسعي لإعادة القدسية والأهمية للكتاب كمنهل لنشر الثقافة وتنوير الأذهان، فليس غريباً أن تطلق مدينة كبيروت عاصمة عالمية للكتاب للعام 2009 وتأخذ هذا اللقب الذي يتجاوز في اتساعه حدود الوطن العربي ليصل إلى العالمية، وقد تبنت تاريخياً حركة ثقافية متميزة، واتسمت بتنوعها وغناها الثقافي وثراء إرثها وأهمية دور الطباعة فيها على مستوى الحريات حيث احتوى لبنان على عدد كبير من المطابع لدرجة لا تتناسب وحجم البلاد فما تطبعه دور النشر اللبنانية سنوياً يقدر بـ /2700/ عنوان جديد، وهو ما يمثل حسب مهتمين بالشأن الثقافي ربع مجموع العناوين الصادرة في الدول العربية كلها..
ولا يغيب عن ذهننا في هذا المجال أن أول مطبعة في الشرق الأوسط كانت بدير قزحيا 1610 شمال لبنان ولا تزال موجودة فيه حتى الآن.. وربما كانت هذه إحدى الأسباب التي دفعت منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) التابعة للأمم المتحدة لمنح بيروت لقب عاصمة عالمية للكتاب للعام 2009.
وليس غريباً أو مفاجئاً أيضا الاعتراف بها حاملة للقب، هذه المدينة التي لم تثنها الجروح والكوارث والحروب عن أن تساهم في خلق وإغناء الحركة الثقافية العربية، التي أنتجت إبداعاً أدبياً بامتياز.. وهي التي فتحت بابها إلى جانب جارتها دمشق لكل الأدباء كتاباً وشعراء، لكل المثقفين والسياسيين والمفكرين وكانت ملاذاً وخيمة لكل الباحثين عن مكان كي يضعوا نتاجهم وينشروا إبداعهم.. أحبوها، عشقوا شوارعها، مقاهيها وصالوناتها الأدبية، تركوها لكنها لم تتركهم بقيت قابعة في قلوبهم وظلوا يحنون إليها، فمن محمد الماغوط إلى جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف إلى محمود درويش ... وغيرهم الكثير ممن احتضنتهم بيروت وسمحت لهم بأن يرتاحوا على صدرها، فتحولت إلى قصيدة خبؤوها في دواوينهم وتحولوا إلى عظماء ومؤسسين للأدب العربي المعاصر.
ولا شك في أن مثل هذا الإعلان سيكون له أثرٌ كبيرٌ على الحركة والإنتاج الثقافيين على المستوى اللبناني والعربي ككل لأن من شأنه أن يزيد الاهتمام بالكتاب وينمي الروح الثقافية، ومن شأنه أن يساهم في خلق العديد من الملتقيات والروافد على المستوى العربي والعالمي كنهج الشراكة الذي تبنته وزارة الثقافة اللبنانية، والذي يقوم على جذب أكبر عدد ممكن من الوزارات والسفارات والهيئات والمؤسسات الثقافية، وأصحاب الأفكارالخلاقة من أجل خلق دينامية ثقافية حقيقية وتدعيم قطاع الكتاب في الوطن العربي، والتشجيع على المطالعة، وأخيراً تبني مقاربة متنوعة للثقافة عن طريق دعوة كتّاب وشعراء ومختصين من العديد من الجنسيات العربية والأجنبية.. في لقاءات نأمل أن تمتد لتشمل كل المدن الأخرى الناطقة بالعربية، لعل شعوبها تعود كما كانت.. الشعوب التي تحب الكتاب وتقرؤه!!..
رباب شيحاوي
جريدة البعث
31/10/2009

إضافة تعليق