بائعو الوهم

البعض في غمرة البحث المحموم والسريع عن المتعة، أو الهروب الفوري عن الحزن والقلق، يُلغي كثيراً من حس المنطق لديه ليشتري الوهم ويقتات به، ولئن ذكرتُ وهماً فلن يسعني إلا التوقف عند مجالٍ يعرف بتطوير الذات وما اندرج به من برمجة عصبية وايحاء وبقية "بيع الحكي"، والذي تشير الاحصائيات في ذات سياقه إلى إنفاق الأميركان لوحدهم 563 مليون دولار على كتب تطوير الذات العام الماضي، وقيامهم بدوام التصفح لقرابة 12 ألف موقع مخصص لمجالاتها، في بيانٍ جلي على فورة هذا السوق وبؤس مرتاديه وتهافتهم للتعلّق بأي قشّة فيها شُبهة نجاة!

لن أتحدث عن بُعد، فقد جرّبتُ هذه المجالات وحاولتُ اقناعَ نفسي بأنّه من المستبعد أن تكون مجرد وهم وهي تحظى بكل هذا القبول، ولكن كان يستفزني ذلك التبسيط الذي يصل للسطحية في معالجة المشاكل المعقدة، وما أستسغ "بشارة" القفزة من الفشل الذريع إلى النجاح الكبير بعد حضور هذا البرنامج أو قراءة ذاك الكتاب في تسفيهٍ لأهمية التعلّم الحقيقي لأدوات تحقيق النجاح وأهمية تدرج مراحله لانضاج التجارب بدلاً من جرّ البشر عوالم الوهم والحلم.

إن عرّاب هذا المجال انتوني روبنز يكسب 80 مليون دولار سنوياً من برامجه التحفيزية لاخراج العملاق من داخلك والذي لا يخرج لا هو ولا حتى (يربوع)، أو بالمشي على الجمر حافي القدمين في تدليسٍ كبير على المشاركين الفرحين بتلك "المعجزة" رغم أن مجرد بحث بسيط على جوجل يكشف سذاجة تلك المعجزة وأنها طبيعية وبإمكان أي شخص عملها دون خوارق أو ادّعاءاتٍ فارغة، أو تدافع غريب من المشاركين على الظهور بمظهر التلميذ الجاهل الفرح بشخابيطه الأولى.

إنّ اليائس والقلق هما من يبحثان عن أي حل وتسُوقهما الخطوات غالباً لبائعي الوهم هؤلاء ممن يُبشّر بقدرته على تغيير مسار حياته للأفضل، فالمريض أكثر قابلية لسماع نصائح الآخرين عن الأدوية والتي تبدأ بالبندول وتنتهي بالـ"وَسْم" مروراً بـ"الخِيل" و"الحلول" عند أطباء المقاهي، وكتب الأبراج رائجة بين القلقات على المستقبل.

بينما تنتشر سوق الشعوذة وفك السحر بين العوانس وهكذا دواليك، متغافلين عن أنه ليس الخطأ أن نشعر بالألم والحزن والفقد، بل هي من بديهيات بشريتنا حتى نشعر بقيمة العافية والفرح والانتماء في المقابل، وإنما ما يُستهجن هو البقاء في تلك الأماكن لفترات مبالغٍ فيها دون مواصلةٍ لرحلة الحياة، أو لم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، فمحاولة إلغاء تلك المشاعر ووأدها كما يحاول بائعو الوهم تسويقه هو مخالفةٌ لنواميس الكون ومناقضة غير مبررة لطبيعتنا البشرية.

إنّ أكذوبة التركيز الذهني على طلب أمرٍ ما ليحصل فعلاً هي من التدليسات التي لا تنطلي إلا على من منح عقله إجازةً طوعية، فملايين الجوعى في العالم لا يشغل بالهم ليل نهار سوى الحصول على لُقمةٍ تسد جوعهم ولكنها لا تأتي.

كما أنّ أسلوب التنفيس عن الغضب بِلَكْم المخدّات لن يُلْغِهِ، بل سيعمل على ابقاء جذوتِهِ حيّة لفترة أطول كما يقول الدكتور براد بوشمان من جامعة أيوا، بل تشير الأبحاث الطبية أن التنفيس بهذه الطريقة يزيد معدلات أنشطة الأوعية الدموية ويزيد احتمال الإصابة بأمراض القلب، بينما كان الهدي النبوي يدعو للوضوء عند الغضب، فبرودة الماء ولطافته تطفئ حرارة الحنق وهو ما يؤكده بوشمان بأن الحل هو بعمل مالا يتفق وطبيعة ومسار الغضب، كما أنّ التوجيه برؤية وتخيل الهدف ثم الشعور بلذة تحقيقه دون البدء فعلاً بعمل أي شيء لا يعدو أن يكون سلباً للقوة لاقتفاء ذلك الهدف كما تؤكده شيلي تيلور الإخصائية النفسية بجامعة كاليفورنيا.

إنّ ما يُقلق حقاً أنّ هذا المجال بخطواته السبع أو التسع أو العشر والتي لم تنجح إلا في حدودٍ ضيقة للغاية قد نجح في اضعاف الناس أمام الأحداث الصعبة، وأفقد أتباعه القدرة الفطرية للتعامل مع مشاعر الحزن والصدمة ليهرعوا فور كل عارضٍ إلى أحد تلك الكتب والتي وصلت الأمور بها أن تُعزّز الشعور بالدونية لدى الناس خلاف ما تُنادي به من سعيها لاعلاء قيمة الفرد، وذلك بخلق سلسلة من كتب التعليم لكل شيء بمسمى (دليل الأغبياء والحمقى).

ويؤكد ستيف ساليرنو مؤلف كتاب (دجل) أن "80% من عملاء هذه النزعة هم من العملاء السابقين" والذين يدورون في حلقةٍ مفرغة، لاحساسهم أنهم بحاجة دائمة لهذه البرامج ومخرجاتها، رغم أنّ العائد على ما يدفعون يكاد يكون معدوماً، إضافة إلى افتقاد أية مقاييس واضحة لتقييم أداء هذا المجال وهو ما يبدو أقوى أسلحة بقائه، فضلاً عن كونه نزعة (وديعة) في ظاهرها لا تُثير قلقاً أو ريبة، وبينما ننتظر ذلك الطفل ليصرخ لنا بأن هذا المجال عارٍ أيضاً يلفت المؤلف كريستوفر باكلي انتباهنا لحقيقةٍ وحيدة حتى لا نظلم هذا المجال بقوله: "الطريقة الوحيدة لتصبح غنياً من خلال كتب تطوير الذات هو أن تؤلف واحداً منها".

جريدة البيان

إضافة تعليق

16 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.